قبل أن تصبح الصفوف والمقاعد والسبورة جزءًا مألوفًا من تعليم أطفال داريا، كان بعضهم يبدأ طريقه إلى القراءة في مكان أبسط.. غرفة في بيت شيخ، أو مساحة ملحقة بمسجد، أو غرفة صغيرة تجتمع فيها مجموعة من أطفال الحارة.
يجلس الصبيان والبنات على حصير أو مقاعد خشبية، يرددون الحروف وقصار السور، ويتقدم كل طفل في التعلم بحسب ما يحفظه. وفي بعض الكتاتيب، كانت شجرة تين أو «صُفّة» أمام الغرفة تتحول إلى مكان إضافي للقراءة والتسميع.
لم يكن هناك منهج واحد يجمع هذه الأماكن. ففي بعضها اقتصر التعليم على القرآن، وفي بعضها تعلم الأطفال إلى جانبه القراءة والكتابة والجمع والطرح والقسمة.
ولم تكن أجرة التعليم ثابتة أيضًا، خمسة قروش أو عشرة في «الخميسية»، ورغيف خبز يحمله الطفل إلى الشيخ، بينما ارتبط إنجاز مراحل التعلم بطقوس خاصة، قد تخرج بالأطفال إلى حارات البلدة للاحتفال بزميل أتم جزءًا من القرآن.
ومن ثلاثينيات القرن العشرين إلى ستينياته، بقي «الكُتّاب» حاضرًا في داريا حتى بعد ظهور المدارس النظامية وانتشارها.
ومن خلال ما رواه لعنب بلدي أربعة من أبناء المدينة عاشوا هذه التجربة في مراحل زمنية مختلفة، تظهر تفاصيل هذا التعليم الأهلي، وأسماء من تولوا تعليم الأطفال، وطريقة الدراسة والعقاب والأجر والاحتفال، ثم التحول التدريجي من غرفة الشيخ إلى الصف المدرسي.
غرفة الشيخ.. المدرسة الأولى
في نحو عام 1933، كان علي الشربجي، وهو في السادسة من عمره، يذهب برفقة ابن خاله أمين الشربجي إلى «كُتّاب» الشيخ عبد اللطيف الأحمر في منطقة زقاق الصخرة بداريا.
لم يكن المكان مدرسة ذات صفوف ومقاعد، بل جزءًا من منزل الشيخ، يجلس فيه الأطفال على الأرض من دون كراسٍ، وكانت زوجته تساعد أحيانًا في التسميع والتعليم عند غيابه.
وفي داريا آنذاك أكثر من مكان يؤدي الوظيفة نفسها. كان الشيخ عبد القادر الأحمر يدير «كُتّابًا» آخر في غرفة من بيته، وكان الشيخ طالب حلمي يملك «مقرأة» صغيرة بالقرب من شارع البلدية، يعلم فيها الأطفال قراءة القرآن، لكنها لم تستمر طويلًا، بحسب روايات أخرى.
وبعد نحو 16 عامًا، في عام 1949، بدأ خالد شحادة الذهاب إلى «الكُتّاب». أمضى شهرًا عند الشيخ أحمد حلمي، الذي كان بيته مقابل بناء البلدية الحالي، ثم انتقل إلى «كُتّاب» الشيخ أحمد حمودة.
كان حمودة قد اشترى بيتًا واسعًا قرب جامع المنبر، يضم غرفًا عدة وساحة، وخصص إحدى غرفه لتعليم الأطفال.
جلس الأطفال هناك على الحصير بلا طاولات، واجتمع الصبيان والبنات الصغار في الغرفة نفسها. وعندما تبلغ البنات نحو العاشرة، كان الشيخ يدفع بهن إلى زوجته لتعليمهن في غرفة داخل البيت.
وفي مكان آخر من داريا، بالقرب من مقام النبي «حزقيل»، كانت امرأة من آل مطر تدعى «أم عزت»، وعرفت بين أبناء البلدة باسم «الخُجا»، تستقبل الأطفال في غرفة خلف بيتها لتعليمهم القرآن.
كان محمد فاروق الخطيب واحدًا من الأطفال الذين قصدوا هذا المكان في خمسينيات القرن العشرين.
اجتمع الصبيان والبنات في غرفة واحدة مفروشة بالحصير، مع وضع كل فئة منهم في زمرة، وإلى جانب الغرفة كانت هناك «صُفّة» وشجرة تين، يجلس الأطفال تحتها أحيانًا لقراءة ما حفظوه.
واستمر «كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي في استقبال الأطفال خلال السنوات التالية. ففي الستينيات، كان عبد العزيز الون من الذين تلقوا فيه تعليمهم الأول قبل دخول المدرسة النظامية.
وخلافًا لصورة المكان التي نقلها خالد شحادة من أواخر الأربعينيات، يصف الون الغرفة في الفترة التي درس فيها بأنها واسعة ومرتفعة السقف وذات كسوة خشبية، تتراصف فيها مقاعد خشبية متهالكة، بعضها جُلب من المدارس وبعضها صنع محليًا، وكان نحو 40 طفلًا من الصبيان والبنات يتوزعون فيها على مجموعتين.
من «الصُبّرة» إلى قصار السور
كان الطفل يبدأ بالحروف في بعض الكتاتيب قبل الانتقال إلى القرآن.
ويشير خالد شحادة وعبد العزيز الون إلى كتيب صغير من نحو عشر صفحات يسمى «الصُبّرة»، يتعلم منه الطفل الحروف العربية بحركاتها ومدودها وطريقة لفظها.
ولتسهيل تثبيت الحروف في أذهان الأطفال، كانت تردد عبارات إيقاعية، بقي بعضها محفوظًا بعد عقود طويلة: «ألف لا شنّ عليها، باء نقطة من تحتها، تاء اثنتان من فوقها، جيم واحدة في بطنها».
وبعد الحروف والتهجئة تأتي قراءة القرآن.
وكانت «الصُبّرة»، بحسب خالد شحادة، تنتهي بـ«التحيات» التي تقال في الصلاة، ثم يحفظ الطفل سورة الفاتحة وخمسًا من قصار السور: الصمد، والمعوذتين، والكوثر، والعصر.
ولم يكن ما يتعلمه الأطفال واحدًا في جميع الكتاتيب.
عند «الخُجا» أم عزت، اقتصر التعليم على تلاوة القرآن وحفظه، بدءًا من قصار السور في الجزء الثلاثين، من دون تعلم الكتابة أو استخدام القلم والورقة.
أما عند الشيخ أحمد حمودة، فكان البرنامج أوسع قليلًا، ويشمل القراءة والكتابة وعمليتي الجمع والطرح، إلى جانب حفظ قصار السور من القرآن.
وفي «كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي، كان الأطفال يتعلمون قصار السور ومبادئ القراءة العربية والحساب البسيط، من جمع وطرح وقسمة.
وتشير روايات أخرى إلى استخدام دفتر صغير يسمى «السفينة»، يكتب عليه الطفل عندما يعطيه الشيخ دروس الحروف أو بعض العمليات الحسابية البسيطة.
وكان التعليم حينها يقوم بدرجة كبيرة على التلقين والتكرار، يجلس الطفل أمام الشيخ ويقرأ ما حفظه، فإذا أتقنه انتقل إلى السورة التالية، وإذا أخطأ عاد إلى الدرس ليقدمه من جديد في اليوم التالي.
الكبار يساعدون الصغار
لم يكن الشيخ وحده من يؤدي مهمة التعليم دائمًا.
عند الشيخ أحمد حمودة، كان الطلاب الأكبر سنًا يساعدون الأصغر منهم، بينما ظهرت في «كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي في الستينيات صورة تجمع بصورة أوضح بين الكُتّاب والمدرسة النظامية.
كان صبحي فارة ومحمود المصري، وهما طالبان في الصف الحادي عشر، يأتيان بعد انتهاء مدرستهما، بين الثانية عشرة والواحدة، لمساعدة الطلاب القادمين من مدارسهم أيضًا في مراجعة الدروس وحل مسائل الجمع والقسمة والإجابة عن أسئلتهم.
وفي هذه الأثناء، كان الشيخ يتفرغ للتسميع وضبط الغرفة التي تضم، إلى جانب طلاب المدارس، أطفالًا صغارًا لم يدخلوها بعد.
وهكذا لم يعد الكُتّاب في هذه المرحلة مكانًا يسبق المدرسة فقط، بل أصبح في بعض الحالات مكانًا يعود إليه طلابها لمراجعة ما تعلموه فيها.
«الخُجا».. امرأة بين معلمي الكتاتيب
وسط أسماء الشيوخ الذين تولوا تعليم أطفال داريا، تظهر «الخُجا» أم عزت مطر بوصفها امرأة أدارت مكانًا لتعليم الصبيان والبنات.
اقتصر التعليم لديها على القرآن، وكانت شديدة في التعامل مع الأطفال، فاستخدمت «الفلقة» وعصًا طويلة لمعاقبة المقصرين، بينما كان زوجها «أبو عزت» أكثر لينًا وهدوءًا، حتى إن الأطفال كانوا يفرحون عندما يتولى الإشراف عليهم بدلًا منها.
وعندما كان الزوجان ينشغلان في الزراعة، كان شقيقها ناجي مطر يتابع الأطفال ويسمّع لهم ما حفظوه.
وكانت صورة التعليم عند «الخُجا» تجمع بذلك بين الغرفة الصغيرة خلف البيت، والصبيان والبنات الجالسين على الأرض، و«الصُفّة» وشجرة التين في الخارج، وبين حياة الأسرة الزراعية التي قد تستدعي أن يحل فرد مكان آخر في متابعة الأطفال.
العصا والفلقة و«المساس»
لم تكن طريقة تأديب الأطفال واحدة في جميع الكتاتيب، لكن العقاب الجسدي يظهر في أكثر من رواية عن تلك المرحلة.
يقول خالد شحادة إن الأهالي كانوا يقولون للشيخ: «اللحم لك والعظم لنا»، في إشارة إلى المساحة التي كان يتركها بعضهم للشيخ في تأديب الطفل.
واستخدم بعض الشيوخ الضرب أو الربط بالحبال، وظل شقيق شحادة الأكبر، بحسب ما يرويه، يعاني ثلاثة أسابيع من أثر قرصة الشيخ في رجله.
أما شحادة نفسه، فلم يتعرض للعقاب أو التوبيخ خلال نحو سنتين ونصف أمضاهما في الكُتّاب، ويربط ذلك برغبته في التعلم.
وعند «الخُجا» ظهرت «الفلقة» والعصا الطويلة لمعاقبة المقصرين.
أما الشيخ أحمد حلمي، فكان يحمل عصًا طويلة جدًا تسمى «المساس»، وهي في الأصل أداة تستخدم لفرط ثمار الجوز، ويصل بها إلى الأطفال المتشتتين في أطراف الغرفة لينقر على رؤوسهم ويعيدهم إلى الدرس.
لكن هذه الصورة لم تكن واحدة في جميع الأماكن. ففي «كُتّاب» الشيخ عبد اللطيف الأحمر في بدايات الثلاثينيات، يقول علي الشربجي إنه لم يشهد ضرب الأطفال أو استخدام العصا.
رغيف الخبز و«الخميسية»
كان التعليم في «الكُتّاب» جزءًا من علاقة مباشرة بين الشيخ وأسر الأطفال، ولم تكن أجرته دائمًا مبلغًا ماليًا فقط.
عند «الخُجا»، كان أهل الطفل يقدمون رغيف خبز يوميًا، إضافة إلى «الخميسية»، وهي خمسة قروش تدفع يوم الخميس في الخمسينيات.
وكان الخميس يومًا مختلفًا، يراجع فيه الطفل ما حفظه خلال الأسبوع، ويكون الدوام أقصر، وتدفع فيه الأجرة الأسبوعية.
وفي أواخر الأربعينيات، كان الطفل عند الشيخ أحمد حمودة يأتي برغيف خبز طازج من «فرن الحصى»، إلى جانب عشرة قروش في نهاية الأسبوع، وكان الخبز يفيض أحيانًا عن حاجة الشيخ، فيوزعه على أقاربه.
وبعد أكثر من عقد، بقي الرقم نفسه حاضرًا في «كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي في الستينيات: عشرة قروش في «الخميسية»، إلى جانب رغيف خبز بيتي يومي من مخبوزات أفران «الحصى» المنزلية، في وقت لم تكن فيه الأفران الآلية منتشرة في داريا.
وكان الشيخ يقف مستندًا إلى باب المقر يوم الخميس لتحصيل «الخميسية»، وإذا لم يجلب الطفل ما هو مطلوب منه، يعيده إلى المنزل ليحضره ويعود برفقة والده.
ولم تقتصر علاقة بعض الأطفال بالشيخ على الدراسة، إذ كان بعض الشيوخ يستخدمونهم في أعمال منزلية أو تجارية، مثل فصل بذور القطن عن أليافها، أو تجهيز ورق العنب «اليبرق».
حين يصبح الإنجاز احتفالًا
كان للتقدم في التعلم طقوسه أيضًا. ففي «كُتّاب» الشيخ عبد اللطيف الأحمر، كان إتمام جزء من القرآن مناسبة لطقس يسمى «النشيدة»، يخرج الأطفال في حارات البلدة ويرددون الأناشيد احتفالًا بزميلهم الذي أتم الجزء.
وفي مرحلة «الصُبّرة»، كان الطفل يمر باحتفال أصغر بعد إتمام الحروف و«التحيات» وحفظ سورة الفاتحة وخمس من قصار السور: الصمد والمعوذتين والكوثر والعصر.
أما ختم القرآن كاملًا قراءة، فكان مناسبة أكبر، يصفها خالد شحادة بأنها كانت مشهودة كأيام العيد.
يلبس الطفل عباءة بيضاء مقصبة باللون الذهبي، ويأتي أهله بـ«الأفورة»، وهي وعاء يتسع لنحو عشرة كيلوغرامات أو أقل، يملأ بالسكاكر و«القضامة» بسكر، ثم توزع على الأطفال.
الكُتّاب لم يكن لجميع الأطفال
لم يكن المرور بـ«الكُتّاب» مرحلة إلزامية لجميع أطفال داريا.
بحسب فاروق الخطيب، كان ارتياده يقتصر على جزء من الأسر التي تحرص على أن يتعلم أطفالها القرآن قبل دخول المدرسة النظامية.
وفي أسرة عبد العزيز الون، التي عمل أفرادها في الفلاحة، كان تأمين الدخل والعمل اليدوي يحتلان مساحة كبيرة من الحياة اليومية، ولم يكن التعليم في مقدمة اهتماماتها، ومع ذلك وصل عبد العزيز إلى «الكُتّاب» قبل المدرسة.
ولم يكن التعليم والعمل في الأرض منفصلين تمامًا في حياة الطفل، فقد يجلس في «الكُتّاب» جزءًا من اليوم ثم يذهب إلى الأرض، أو يتعلم صباحًا ويساعد أسرته في بقية اليوم.
عندما دخلت المدرسة النظامية
لم تؤدِ المدرسة النظامية إلى اختفاء الكُتّاب بمجرد ظهورها، بل عاش الشكلان من التعليم جنبًا إلى جنب عقودًا.
ويضع علي الشربجي افتتاح مدرسة حكومية نظامية في داريا في نحو عام 1934، بالقرب من بيت عائلة الخطيب، في البناء الذي عرف لاحقًا باسم «مدرسة الخطيب»، ثم عرف رسميًا باسم مدرسة معن بن زائدة.
كانت البلاد حينها تحت الانتداب الفرنسي، ولم تلق المدرسة الجديدة قبولًا بسهولة لدى بعض أهالي البلدة، الذين نظروا إليها بعين الريبة ورفض بعضهم إرسال أبنائهم وبناتهم إليها، حتى بقي الصف الأول فارغًا في بدايته.
وتدخل رئيس مخفر الدرك، وأرسل عناصره في جولات على كتاتيب المشايخ لجمع الأطفال ونقلهم إلى المدرسة.
كان علي الشربجي واحدًا من هؤلاء الأطفال، فأُخرج من «كُتّاب» الشيخ عبد اللطيف الأحمر ونُقل إلى المدرسة الجديدة، التي لم تكن تضم من البنات، بحسب ما بقي في ذاكرته، سوى ابنة رئيس الدرك.
أما خالد شحادة، فينقل عن أشخاص كانوا أكبر منه سنًا رواية أخرى عن بدايات التعليم النظامي في داريا.
فخلال الانتداب الفرنسي في الثلاثينيات، جرت محاولة لاتخاذ كنيسة داريا مقرًا للتعليم، في إطار ما فهمه الأهالي آنذاك محاولة لتحسين صورة الفرنسيين ونشر «التمدن».
وواجهت المحاولة معارضة شعبية وصلت، بحسب ما نقله شحادة، إلى تسلق أحد الشبان باب الكنيسة وكسر الصليب، وانتهت التجربة بالفشل.
ويضع شحادة افتتاح أول مدرسة نظامية في بداية الخمسينيات، في «زاوية صوفية» قديمة، وهي المدرسة التي عرفت لاحقًا باسم معن بن زائدة.
كان البناء يتألف من أربع غرف تمتد من الشمال إلى الجنوب، وتتوسطه بحرة ماء، وفي الجهة الجنوبية مسجد صغير مساحته نحو 50 مترًا مربعًا، وبجانبه غرفتان، إضافة إلى بستان من الجهة الشرقية لحقه الإهمال.
وكان جلال الخطيب، بحسب شحادة، أول من تخرج من هذه المدرسة، ثم درس اللغة الإنجليزية وعمل لاحقًا في هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، وكان منزله في الجهة المقابلة للمدرسة.
وبذلك تضع الروايتان بداية المدرسة النظامية في زمنين مختلفين، مع ارتباط كلتيهما بالمبنى الذي عرف لاحقًا باسم مدرسة معن بن زائدة.
من الكُتّاب إلى الصف
لم يكن الانتقال من الكُتّاب إلى المدرسة متشابهًا لدى جميع الأطفال.
بدأ خالد شحادة تعليمه في «الكُتّاب» عام 1949، وهو في السابعة، فأمضى شهرًا عند الشيخ أحمد حلمي، ثم انتقل إلى الشيخ أحمد حمودة.
وبعد نحو سنتين ونصف من التعليم في الكُتّاب، انتقل عام 1952 إلى المدرسة النظامية، وكان ما تعلمه قبلها كافيًا لدخوله مباشرة إلى الصف الثاني متجاوزًا الصف الأول.
وفي عام 1954، افتتحت مدرسة ثانية في داريا عرفت باسم مدرسة الحارة القبلية، وسميت لاحقًا باسم الشهيد محمود الدباس.
وعندما وصل شحادة إلى الصف الخامس، انتقل إلى مدرسة ثالثة بنيت من الحجر إلى جانب مبنى البلدية، في المكان الذي صار لاحقًا شعبة الحزب وبناء البلدية الجديد، وضمت خمس غرف صفية وغرفتين للإدارة، وعرفت باسم مدرسة «داريا».
وبعده بسنوات، انتقل فاروق الخطيب من كُتّاب «الخُجا» إلى المدرسة النظامية.
التحق عام 1955، وهو في السابعة، بالمدرسة المعروفة شعبيًا باسم «مدرسة الخطيب» لوقوعها في حارة الخطيب، وكان المبنى تراثيًا قديمًا يضم نحو أربع غرف صفية وغرفة للإدارة.
وبعد نحو ثلاثة أشهر، نُقل الطلاب الأكبر سنًا، ومن بينهم الخطيب، إلى المدرسة الواقعة بجانب البلدية، التي كانت تعرف باسم «مدرسة داريا الأولى للبنين»، وأكمل فيها دراسته الابتدائية حتى عام 1962.
وفي الستينيات، كان عبد العزيز الون لا يزال يجلس في «كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي قبل انتقاله إلى التعليم الرسمي في مدرسة معن بن زائدة.
وبحلول تلك المرحلة، أصبح التداخل بين الشكلين أكثر وضوحًا، أطفال لم يدخلوا المدرسة بعد يتعلمون داخل الكُتّاب، وطلاب مدارس يعودون إليه لمراجعة دروسهم، وطلاب في الصف الحادي عشر يساعدونهم بعد انتهاء دوامهم.
من الحصير إلى مقاعد المدرسة
مع توسع المدارس النظامية، تغيرت تدريجيًا صورة التعليم الأول في داريا.
أصبحت الصفوف والمراحل والمناهج والامتحانات والشهادات جزءًا من حياة الأطفال، وتراجع الدور الذي كانت تؤديه غرفة الشيخ في تعليمهم الأول، لكن التحول لم يحدث دفعة واحدة.
امتدت الكتاتيب التي تظهر في الروايات من «كُتّاب» الشيخ عبد اللطيف الأحمر في ثلاثينيات القرن العشرين، إلى «كُتّاب» الشيخ أحمد حمودة في أواخر الأربعينيات، و«كُتّاب» أم عزت «الخُجا» في الخمسينيات، و«كُتّاب» الشيخ أحمد حلمي الذي يظهر في الروايات في الأربعينيات والستينيات.
وبقيت من تلك المرحلة تفاصيل صغيرة ترسم شكلها: طفل يجلس أمام الشيخ ليتلو سورة قصيرة، و«صُبّرة» يتعلم منها الحروف، ودفتر يسمى «السفينة»، ورغيف خبز يأتي من «فرن الحصى»، وخمسة أو عشرة قروش في «الخميسية»، وشجرة تين قرب غرفة «الخُجا»، و«فلقة» أو عصا في يد بعض المعلمين، و«مساس» يصل إلى أطراف الغرفة، وطفل يرتدي عباءة بيضاء مقصبة بالذهبي بعد ختم القرآن.
وبينما أخذت المدرسة النظامية مكانها تدريجيًا في تعليم أجيال داريا، بقي «الكُتّاب» إلى جانبها سنوات طويلة.
وفي مرحلة من هذا التحول، كان الطفل نفسه يستطيع أن يخرج من صف المدرسة، ثم يعود إلى غرفة الشيخ لمراجعة درس أو تسميع ما حفظه.
