في تسعينيات القرن الماضي، عندما كان يتوفى أحد سكان داريا الشمالية، كان الأهالي يسمعون المنادي من مئذنة المسجد يعلن الوفاة، ويدعوهم إلى أداء صلاة الجنازة في «جامع حزايا».
كان الاسم مألوفًا آنذاك، فالجامع يحمل اسم المنطقة التي يقع فيها، والمعروفة قديمًا باسم «أرض حزايا».
اليوم، تراجع استخدام الاسم القديم، حتى إن بعض سكان المنطقة لا يعرفون أنه كان يطلق على المكان الذي يعيشون فيه، بينما أصبحت «الشاميات» الاسم المعروف للحي.
فأين كانت أرض حزايا، وكيف تغيرت ملامحها، ومن أين جاء اسم الشاميات؟
حزايا.. كروم بعيدة ومنازل متفرقة
في خمسينيات القرن الماضي، قبل أن يمتد العمران شمالي داريا إلى المناطق المعروفة اليوم بالنكاشات والشاميات والمهندسين والمحامين، كان معظم السكان يعيشون في وسط البلدة القديمة، ولا سيما في محيط الجامع الكبير.
وخارج مركز البلدة، كانت تنتشر البساتين وكروم العنب، وتتوزع بينها منازل قليلة ومتباعدة، وكانت أرض حزايا واحدة من تلك المناطق الزراعية.
يتذكر أحد كبار السن الذين يعيشون في المنطقة، في حديثه لعنب بلدي، كيف كانت الكروم والبساتين تشغل مساحات واسعة، وكانت المنازل قليلة والطرق مختلفة عما هي عليه اليوم.
ويتذكر أيضًا السيول التي كانت تأتي من جهة المعضمية، وتصل إلى الكروم وتغمر بعض المنازل في حزايا.
ومع امتداد البناء خارج مركز داريا القديم، بدأت المنازل تحل محل أجزاء من الأراضي الزراعية، وانتقلت عائلات جديدة للسكن في المنطقة، بينها عائلات قدمت من دمشق.
واتسعت الشوارع وظهرت المحلات التجارية، لكن اسم حزايا ظل متداولًا بين الأهالي للدلالة على المنطقة.
جامع حزايا.. اسم شعبي لمسجد أنس بن مالك
كان جامع أنس بن مالك أول مسجد يُبنى في أرض حزايا، بحسب الحاج “أبو حسن حيدر”، أحد سكان حي الشاميات، والذي التقته عنب بلدي في منزله الملاصق للمسجد.
ويتذكر أبو حسن أن بناء الجامع بدأ نحو عام 1957، وأن الصلاة أُقيمت فيه مطلع الستينيات، ويرجح أن ذلك كان عام 1962.
ورغم أن المسجد يحمل اسم أنس بن مالك، فإن الأهالي اعتادوا تسميته «جامع حزايا»، نسبة إلى المنطقة التي يقع فيها. ومع توسع العمران، بنيت مساجد أخرى في المنطقة، منها جامع أسامة وجامع الحسن والحسين.
ولم يقتصر دور الجامع قديمًا على الصلاة والإعلان عن الوفيات، بل كان الأهالي يلجؤون إليه أيضًا عند العثور على أغراض مفقودة أو البحث عن طفل ضائع.
وكان مؤذن الجامع يعلن عن المفقودات عبر مكبرات الصوت، مناديًا بلهجة أهل داريا: «يا أهل ديريا.. يلي ضايعله مفاتيح، يلي ضايعله جزدان، يلي ضايعله ولد.. يجي ياخده من جامع حزايا».
من مكتب هاشم مدور إلى حي الشاميات
في بداية التسعينيات، افتتح هاشم مدور مكتبًا عقاريًا عند بداية الشارع المؤدي من طريق الشام إلى جامع أنس بن مالك، وأطلق عليه اسم «مكتب الشاميات»، بحسب روايات جمعتها عنب بلدي من سكان المنطقة.
وكان المكتب يقع قرب نقطة تتفرع منها طرق تؤدي إلى شارع الثانوية الشرعية، ومخفر داريا، ومفرق الترب، وشارعي البلدية والمعضمية.
لاحقًا، حول أبناء هاشم مدور المكتب إلى مطعم للفول والفلافل، وأبقوا على الاسم نفسه، وأصبح «مطعم الشاميات».
ومع الوقت، صار المطعم معلمًا يستدل به السكان على المكان، وساعد تغير وسائل النقل في داريا على انتشار اسمه.
فحتى منتصف التسعينيات، كانت حافلات النقل الداخلي الكبيرة، المعروفة محليًا باسم «الباص الأخضر»، تسير على خطوط تتوقف فيها عند مواقف محددة، ثم تراجع استخدامها مع انتشار السرافيس الصغيرة، التي أصبح ركابها يطلبون النزول عند مواقع مختلفة على الطريق.
وعند الاقتراب من المطعم، كان الركاب يقولون للسائق: «نزلني عند الشاميات».
كان المقصود في البداية مطعم الفول والفلافل، لكن الاسم انتقل تدريجيًا من المطعم إلى الشارع والمنطقة السكنية المحيطة بجامع أنس بن مالك.
ويؤكد أبو حسن حيدر هذه المعلومة، ويقول إن مطعم مدور هو الذي غير اسم المنطقة إلى «الشاميات».
الشوام أيضًا في حكاية الاسم
يربط بعض سكان داريا انتشار اسم الشاميات بالعائلات التي قدمت من دمشق واستقرت في المنطقة مع توسعها العمراني.
ويقول أحد سكان الحي إن عددًا كبيرًا من العائلات التي سكنت الأبنية الجديدة كان من دمشق، وإن الأهالي اعتادوا تسميتهم «الشوام»، ويرى أن ذلك أسهم في انتشار اسم الشاميات.
ويذكر عدد ممن التقتهم عنب بلدي أن اسم «شارع الشاميات» كان متداولًا عند الحديث عن المنطقة التي سكنتها عائلات دمشقية، إلى جانب المطعم الذي حمل الاسم نفسه.
ومع مرور الوقت، أصبحت الشاميات التسمية الأكثر استخدامًا للحي المحيط بجامع أنس بن مالك، بينما بقي اسم حزايا معروفًا لدى بعض السكان، ولا سيما كبار السن.
لكن هل كانت أرض حزايا تقتصر على حي الشاميات الحالي؟
أين تبدأ أرض حزايا وأين تنتهي؟
طرحت عنب بلدي هذا السؤال على عدد من سكان حي الشاميات، كما سألت مختارين ومهندسين ورئيس البلدية الحالي ورئيسًا سابقًا للبلدية، إلى جانب أحد كبار السن الذين عاشوا في المنطقة.
وجاءت الإجابات مختلفة، حتى بين من يعرفون الاسم القديم.
فبعض السكان أشاروا إلى حي الشاميات نفسه، معتبرين أنه أرض حزايا القديمة، بينما قال آخرون إن المنطقة كانت أوسع وتمتد باتجاه الخليج.
ولم يتمكن بعض الذين التقتهم عنب بلدي من تحديد موقعها رغم معرفتهم بالاسم.
وتباينت أيضًا إجابات الشخصيات المحلية التي سألتها عنب بلدي عن حدود المنطقة.
فإحدى الروايات تحصر أرض حزايا في حي الشاميات الحالي، بينما تمتد بها رواية أخرى من بداية الشاميات حتى منطقة الخليج.
وفي رواية ثالثة، تبدأ حزايا من دوار مدخل داريا، وتمتد إلى مفرق المخفر، وتشمل الأراضي الواقعة خلفه باتجاه كورنيش الخليج، أي أن جامع أنس بن مالك كان خارج أرض حزايا.
أما رواية رابعة، فتحدد المنطقة من مفرق التربة على شارع المعضمية وصولًا إلى ملعب داريا، وتشمل الأراضي الواقعة على جانبي الطريق، شمالًا باتجاه الخليج، وجنوبًا حتى سكة الحديد.
وفي تحديد آخر، يمتد نطاق حزايا من دوار مدخل داريا باتجاه الملعب، مرورًا بمنطقة الخليج وجامع الصادق الأمين، ثم باتجاه مفرق التربة، ويشمل الأراضي الواقعة على جانبي طريق المعضمية.
وتلتقي هذه الروايات عند المنطقة المحيطة بجامع أنس بن مالك، لكنها تختلف في تحديد امتداد أرض حزايا، خصوصًا باتجاه الخليج وشارع المعضمية وسكة الحديد.
ويبدو من هذه الشهادات أن اسم حزايا كان يُستخدم للدلالة على مساحة أوسع من حي الشاميات الحالي، لكن حدود تلك المساحة لم تتضح بصورة متفق عليها بين من التقتهم عنب بلدي.
حزايا.. اسم بقي في ذاكرة الكبار
ما زال أبو حسن حيدر يتذكر حزايا كما عرفها قبل امتداد البناء، حين كانت الكروم والبساتين تحيط بالمنازل، وكان الأهالي يعرفون بعضهم بعضًا.
يقول إن أصحاب المواشي في تلك الأيام كانوا يوزعون حليب يوم الجمعة على الأهالي مجانًا، وإن أصحاب الكروم كانوا يتركون العنب للمارة ليأكلوا منه دون مقابل.
ومع اتساع العمران وتزايد عدد السكان، تغيرت ملامح حزايا، وتراجع استخدام اسمها القديم، بينما أصبحت «الشاميات» التسمية الأكثر تداولًا بين السكان.
أما «جامع حزايا»، الذي كان الأهالي يلبون النداء للصلاة على موتاهم فيه، فما زال قائمًا في مكانه، لكن باسمه الرسمي: «جامع أنس بن مالك».
