لم يعرف طفلا رهف سوى المنهاج المصري منذ دخولهما المدرسة، ولذلك تخشى والدتهما أن يواجها صعوبة في متابعة تعليمهما إذا قررت الأسرة العودة إلى مدينة داريا، بعد 13 عامًا من الإقامة في مصر.
تفكر رهف في العودة، لكنها لا تعرف كيف سيتأقلم طفلاها مع المنهاج السوري والمدرسة الجديدة، كما تقلق بشأن سلامتهما أثناء الذهاب إلى المدرسة والتنقل في المدينة.
وتشاركها هذه المخاوف ثلاث أمهات من داريا يقمن في مصر ولبنان والولايات المتحدة، تحدثن لعنب بلدي عن الأسباب التي تدفعهن إلى تأجيل العودة مع أبنائهن، رغم رغبتهن في الاستقرار مجددًا في مدينتهن.
وتتصدر المخاوف المتعلقة بالتعليم والأمان حسابات الأمهات الأربع، إلى جانب صعوبات تأمين السكن والعمل والخدمات، بينما ترى إحداهن أن أبناءها الذين نشؤوا خارج سوريا قد لا يشعرون بالانتماء إلى داريا كما تشعر هي.
مناهج جديدة وأساليب تعليم مختلفة
تضع رهف تعليم طفليها في مقدمة أولوياتها عند التفكير في العودة. فبعد سنوات من الدراسة في مصر، تخشى أن يؤثر الانتقال إلى المنهاج السوري في مستواهما الدراسي، وأن يحتاجا إلى وقت للتأقلم مع أساليب التعليم والبيئة المدرسية الجديدة.
أما أم محمد، وهي أم لثلاثة أطفال تقيم في لبنان منذ 11 عامًا، فتقلق من مستوى التعليم وطريقة التعامل مع الطلاب في بعض المدارس السورية.
وتقول لعنب بلدي إن بعض المدارس الحكومية تعتمد، بحسب معلوماتها، على معلمين غير مختصين، يحمل بعضهم شهادة الثانوية العامة فقط. كما تبدي مخاوف من اكتظاظ الصفوف والتنمر وغياب الأساليب المناسبة للتعامل مع الطلاب.
ولا تعتقد أم محمد أن المدارس الخاصة توفر بالضرورة تعليمًا أفضل، إذ ترى أن رسوم بعضها مرتفعة مقارنة بالخدمات التي تقدمها، وأن اهتمام بعض المدارس ينصب على الطلاب المتفوقين، دون توفير الدعم الكافي للطلاب الذين يحتاجون إلى متابعة إضافية أو أساليب تعليم تناسب قدراتهم.
وتقارن نرجس، وهي أم لطفل تقيم في الولايات المتحدة منذ خمس سنوات، بين التعليم الذي يتلقاه طفلها هناك وما تعرفه عن المدارس في سوريا من تجربتها السابقة وأحاديث أقاربها وما تتابعه عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
وتقول إن المدارس الأمريكية، بحسب تجربتها، تهتم بالحالة النفسية للأطفال وتراعي احتياجاتهم، وتتيح لهم تعلم اللغات والتعرف إلى ثقافات مختلفة، دون الضغوط التي تتذكرها من سنوات دراستها في سوريا.
وتخشى نرجس أن يواجه طفلها صعوبة في الانتقال إلى بيئة تعليمية تختلف عما اعتاده، خصوصًا مع ما تسمعه عن أساليب التعنيف والضغوط المدرسية.
الانتقال الجامعي قد يؤخر الدراسة
تقيم لينا في مصر منذ 13 عامًا، ولديها خمسة أبناء، وتواجه حسابات أكثر تعقيدًا تتعلق بالمراحل الدراسية المختلفة لأبنائها، ولا سيما التعليم الجامعي.
وتقول لعنب بلدي إن الانتقال من الجامعات المصرية إلى الجامعات السورية يتطلب إجراءات لمعادلة الشهادات واستكمال الأوراق الرسمية، وتخشى أن يضطر أحد أبنائها إلى إعادة سنة جامعية بسبب اختلاف المناهج أو متطلبات التسجيل.
وتضيف أن العودة في الوقت الحالي قد تربك المسار الدراسي لأبنائها، خصوصًا إذا لم يتمكنوا من متابعة تعليمهم في المرحلة نفسها التي وصلوا إليها في مصر.
ولهذا، تفضل لينا تأجيل الانتقال إلى حين التأكد من إمكانية استمرار دراسة أبنائها دون خسارة سنة دراسية أو مواجهة صعوبات كبيرة في التأقلم مع المناهج الجديدة.
خوف على الأطفال خارج المدرسة
لا تقتصر مخاوف رهف على تعليم طفليها، بل تشمل قدرتهما على التنقل بأمان في شوارع داريا.
وتقول إن الأخبار التي تصل إليها عن حوادث الخطف والسرقة ومخاطر الألغام تجعلها قلقة من السماح لطفليها بالذهاب إلى المدرسة أو استخدام وسائل المواصلات بمفردهما.
وتشير إلى خبر عن انفجار في مدرسة التمريض بداريا، موضحة أنه زاد مخاوفها بشأن سلامة الأطفال في المدينة.
وتقول إنها لا تشعر بالاطمئنان إلى ترك طفليها يتنقلان دون مرافقة، وهو ما يجعلها تتردد في اتخاذ قرار العودة الدائمة.
وتتحدث لينا ونرجس أيضًا عن تأثير الأخبار المتعلقة بالخطف والسرقة والانفجارات في شعورهما بالأمان، وتقولان إنهما تحتاجان إلى الاطمئنان على سلامة أبنائهما قبل الانتقال إلى سوريا.
كما تعتقدان أن الضغوط الاقتصادية والمعيشية تؤثر في تعامل الناس مع بعضهم، وقد تزيد الخلافات والمشكلات اليومية، وهو جانب آخر تأخذانه في الحسبان عند التفكير في العودة.
سجلت أبناءها ثم أعادتهم إلى لبنان
كانت أم محمد قد تجاوزت مرحلة التفكير في العودة، وبدأت خلال العام الحالي إجراءات الانتقال إلى داريا، حتى إنها سجلت أبناءها الثلاثة في مدارس سورية.
لكنها لم تتمكن من العثور على منزل مناسب، واضطرت إلى تأجيل العودة وإعادة أبنائها إلى مدارسهم في لبنان.
وتقول إنها بحثت عن منزل للشراء أو الإيجار في المناطق الحيوية من داريا، بالقرب من المدارس والخدمات، لكنها واجهت ارتفاع الأسعار وصعوبة العثور على مسكن يلائم احتياجات أسرتها.
وتوضح أن بعض الأبنية القديمة لا تتوافر فيها مواقف للسيارات، أو مساحات كافية على الأسطح لتركيب ألواح الطاقة الشمسية وخزانات المياه.
وبعد ذلك، وسعت بحثها إلى أطراف المدينة، لكنها وجدت أن بعض المناطق تفتقر إلى الخدمات الأساسية والبنية التحتية المناسبة، ولا تصل إليها حافلات المدارس.
وأمام هذه الصعوبات، قررت البقاء في لبنان عامًا إضافيًا، على أمل العثور على منزل مناسب يسمح لها بالاستقرار مع أبنائها في داريا.
وتواجه لينا مخاوف مشابهة بشأن السكن والخدمات، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء.
وتتحدث عن سوء إكساء بعض المنازل وحالة الشوارع وارتفاع أسعار المحروقات، وتقارن هذه الظروف بما اعتادت عليه أسرتها في مصر من خدمات وبنية تحتية.
رواتب منخفضة وتكاليف عالية
تقول لينا إن محدودية فرص العمل في سوريا وانخفاض الرواتب مقارنة بتكاليف المعيشة يجعلان العودة أكثر صعوبة بالنسبة إلى أسرتها.
وتشير إلى ارتفاع أسعار المحروقات والاحتياجات الأساسية وإيجارات المنازل، وترى أن ظروف إقامتها الحالية في مصر تساعدها على تأمين متطلبات الأسرة بصورة أفضل.
أما نرجس، فتخشى الأعباء المالية التي قد تواجهها الأسرة إذا احتاج أحد أفرادها إلى العلاج أو دخول المستشفى.
وتقول إن ارتفاع الأسعار ومحدودية الدخل يجعلان تأمين الاحتياجات الأساسية أكثر صعوبة في سوريا، معتبرة أن بعض الرواتب قد لا تكفي لتغطية المصاريف الضرورية.
وتقارن ذلك بقدرتها الشرائية في الولايات المتحدة، حيث ترى أن دخلها يتيح لها تغطية احتياجات أسرتها والحصول على مستوى معيشة أفضل.
وتضيف إلى هذه الاعتبارات صعوبة إنجاز بعض المعاملات الرسمية في سوريا، مقارنة بالخدمات الإلكترونية التي اعتادت استخدامها في الولايات المتحدة، وما توفره من وقت وجهد.
داريا التي تعرفها الأمهات لا يعرفها الأبناء
رغم تحفظاتها على العودة، تشتاق أم محمد إلى حياتها الاجتماعية في داريا، وإلى الأهل والتفاصيل اليومية التي اعتادت عليها قبل مغادرتها.
وتشترك معها الأمهات الثلاث الأخريات في الرغبة بالعودة إلى المدينة التي نشأن فيها، لكنهن لا يردن أن يأتي ذلك على حساب تعليم أبنائهن أو استقرارهم.
وتلفت لينا إلى اختلاف نظرة الأمهات وأبنائهن إلى داريا، فالأطفال الذين ولدوا أو نشؤوا خارج سوريا لا يحملون بالضرورة الذكريات نفسها التي تربط أهاليهم بالمدينة.
وترى أن أبناءها قد يشعرون بالغربة إذا انتقلوا للعيش في داريا، لأنهم سيحتاجون إلى التعرف إلى محيط جديد وتكوين صداقات وعلاقات اجتماعية، إلى جانب التأقلم مع المدارس وظروف الحياة المختلفة.
ولهذه الأسباب، تفضل الأمهات الأربع البقاء حاليًا في بلدان إقامتهن، والاكتفاء بالزيارات المؤقتة إلى داريا.
أما لينا، فتريد أن تتأكد من قدرة أبنائها على متابعة دراستهم والتأقلم مع الحياة في المدينة قبل اتخاذ قرار العودة. فداريا التي تعرفها من طفولتها وشبابها، وترتبط لديها بالأهل والذكريات، ليست بالضرورة المدينة نفسها التي يعرفها أبناؤها.