في سنوات الثورة السورية الأولى، حين كانت المدن تحاصر وتقصف، وتُترك لتواجه مصيرها بأقل الإمكانيات وأكثر الأسئلة قسوة، برزت أسماء لم تصنع حضورها بالصوت العالي، بل بالعمل اليومي الصامت، وبالقدرة على حمل الأثقال دون انتظار مقابل.
كان أحمد شحادة واحدًا من هؤلاء، ممن اختاروا أن يكونوا في قلب التفاصيل الصغيرة التي تصنع المعنى: تنظيمًا، وفكرًا، وإلهامًا.
لم يكن أحمد من أولئك الذين يلاحقون الضوء، بل كان غالبًا في المكان الذي يحتاجه العمل فعلًا، خلف الكواليس، في المتابعة، في التخطيط، وفي ترتيب الفوضى لتصبح قابلة للحياة.
مسيرة علمية ومهنية
ولد أحمد خالد شحادة عام 1980 في داريا، لأسرة متعلمة وناشطة في خدمة المجتمع. وهو ابن الأستاذ خالد شحادة (أبو سليمان)، المربي المعروف في داريا وأحد وجهائها.
أظهر تفوقًا دراسيًا مبكرًا، وتخرج في كلية الاقتصاد بجامعة دمشق عام 2003 بدرجة الإجازة في الاقتصاد (قسم التخطيط)، ثم حصل عام 2004 على دبلوم دراسات عليا في الاقتصاد المالي والنقدي. لاحقًا التحق ببرنامج الماجستير، وكان بصدد إعداد أطروحة حول الرسوم الجمركية وتأثيرها على الاستيراد، قبل أن تحول ظروف الثورة دون إتمامها.
مهنيًا، التحق عام 2007 ببعثة المفوضية الأوروبية في دمشق، وعمل مساعدًا للشؤون الاقتصادية. وخلال خمس سنوات، أثبت كفاءة جذبت انتباه رؤسائه وزملائه.
تصفه زميلته في البعثة، رالة الكيلاني، بأنه كان “كنزًا عليك أن تبحث عنه”، إذ سرعان ما تكشفت مهاراته التحليلية ومعرفته الدقيقة بالواقع الاقتصادي السوري.
انتخبه زملاؤه السوريون في البعثة ممثلًا لهم أمام الإدارة، رغم كونه الأصغر سنًا، لما عرف عنه من إصغاء وحس مسؤولية. وحتى في أروقة الاتحاد الأوروبي في بروكسل، ترك ذكرًا طيبًا لدى من عملوا معه، لحرفيته ودماثته.
مع اندلاع الثورة السورية عام 2011، كان أحمد أمام خيار حاسم: مستقبل مهني واعد أو الانحياز إلى الحراك الشعبي، لكنه لم يتردد في ترك عمله والانخراط في الثورة منذ بدايتها.
نشاط إغاثي تحت الخطر
قبل أن يتجه أحمد شحادة إلى العمل الصحفي مع عنب بلدي، انخرط منذ بداية الثورة في الحراك السلمي في داريا، وكان من أوائل المشاركين في المظاهرات المطالبة بالتغيير.
كما شارك في معظم الفعاليات الثورية في المدينة، وأسهم في نشاطات إغاثية وإنسانية لدعم الأهالي في ظل الحصار. ومع تصاعد الحاجة إلى التنظيم والعمل الجماعي، كان من المبادرين إلى تأسيس المجلس المحلي لمدينة داريا منتصف عام 2012، سعيًا لتوحيد جهود الإغاثة والخدمات ضمن إطار مؤسساتي بدل المبادرات الفردية.
لاحقًا، شغل أحمد عضوية المكتب الإغاثي في المجلس المحلي، وكرس جهوده لتنظيم توزيع المساعدات على الأهالي المتضررين، واضعًا مأسسة العمل الإنساني شرطًا أساسيًا لنجاحه، فقد كان يؤمن أن من آفات الثورة شخصنة الجهود وغياب التنسيق، فعمل على جمع الطاقات الشبابية المبعثرة ضمن هيكل إداري يخدم المدينة وسكانها.
دفع أحمد ثمن نشاطه الثوري، فتعرض للاعتقال مرتين عام 2011. الأولى خلال مشاركته في مظاهرات “الجمعة العظيمة” في نيسان، حيث أمضى شهرًا في أقبية المخابرات وأصيب خلاله في قدمه.
وبعد خروجه وتعافيه، اعتقل مرة ثانية في تموز من العام نفسه، وقضى ستة أشهر متواصلة في السجن. وبمجرد خروجه، عاد إلى ميادين العمل الثوري، مركزًا على القطاع الإغاثي الميداني.
دور محوري في جريدة عنب بلدي
انضم أحمد شحادة إلى فريق عنب بلدي في نيسان 2012، بعد أشهر من تأسيسها، وسرعان ما أصبح أحد الأعمدة التنظيمية والتحريرية في الجريدة، المؤسسة الإعلامية التي بدأت كمبادرة محلية في داريا ثم تطورت إلى مؤسسة إعلامية سورية بارزة.
تولى أحمد إدارة الصفحة الاقتصادية الأسبوعية المعنونة بـ“سوق هال”، وكتب فيها مقالات وتحليلات اقتصادية نقدية بلغة مبسطة، ركزت على القضايا المعيشية اليومية، وسلوكيات الإنفاق، والسياسات الاقتصادية التي تنعكس مباشرة على حياة الناس. ابتعد عن الطرح الأكاديمي الجاف، وتعامل مع الاقتصاد بوصفه أداة مساءلة وخدمة عامة، لا مجالًا نظريًا منفصلًا عن واقع الناس.
وفي مقالاته، لم يكتف بوصف المشكلات، بل سعى إلى نقد الخلل في الأداء الإغاثي، والدعوة إلى التنظيم والعمل المؤسسي، محذرًا من الفردية وصناعة “الأمجاد الشخصية” في العمل العام، واعتبر أن غياب التخطيط وسوء إدارة الموارد ينعكسان سلبًا على ثقة الناس بأي جهد جماعي.
إلى جانب الصفحة الاقتصادية، اضطلع شحادة بمسؤوليات تحريرية واسعة داخل المؤسسة الناشئة، فأشرف على إدارة التحرير، وكتب الافتتاحية الأسبوعية في معظم أعداد الجريدة، مقدمًا قراءات سياسية تعكس الخط التحريري لعنب بلدي في تحليل الأحداث.
كما تولى مهمة المراجعة اللغوية، وحرص على صدور الأعداد بأعلى مستوى ممكن من الدقة والجودة، في مرحلة كانت الجريدة تسعى فيها إلى تثبيت معاييرها المهنية.
انتُخب عضوًا في مجلس إدارة المؤسسة، واستمر في عضوية المجلس حتى استشهاده، وكان لوجوده في عنب بلدي خلال السنة الأخيرة من حياته أثر واضح في رفع سوية العمل الإداري فيها، بفضل مقاربته التنظيمية للعمل الإعلامي.
قلم ضد الهدر.. ومع الناس
من خلال زاويته الأسبوعية، لم يتردد أحمد في نقد الممارسات الخاطئة، سواء على الصعيد الاقتصادي أو الثوري. ففي مقال نُشر في العدد 35 بتاريخ 21 من تشرين الأول 2012، تناول قضية الهدر في أموال التبرعات، منتقدًا مظاهر الإنفاق غير المجدي في العمل الإغاثي، وكتب:
“فكرت في مظاهر الإسراف في أعمال الثوار دون الالتفات لأهمية التوفير في أموال التبرعات.. فالبعض يذهب بباقة ورد سعرها مئات وربما آلاف الليرات السورية لأهل شهيد، في حين أن وردة واحدة تكفي لإيصال الرسالة ذاتها، ويمكن تحويل بقية المبلغ لمواد غذائية تعين هذه العائلة المكلومة”.
واعتبر أحمد أن هذا السلوك يشكل “خيانة للأمانة”، وقد يؤدي إلى عزوف الناس عن التبرع إذا لمسوا سوء إدارة للأموال.
كما سلط قلمه الضوء على أزمة الخبز قبيل استشهاده، منتقدًا وعود النظام بأن “الخبز خط أحمر”، في وقت كانت فيه الأزمة تتفاقم “بما يفوق حد الخيال”.
بقي في داريا حين غادرها كثيرون
مع أواخر عام 2012 وبداية 2013، اشتدت الحملة العسكرية على داريا وتصاعد القصف، ما أدى إلى نزوح معظم السكان. حينها بدأ أفراد فريق عنب بلدي بمغادرة سوريا تدريجيًا، وأُعيد تموضع فريق التحرير في لبنان، لكن أحمد فضل البقاء في داريا لمتابعة عمله في المكتب الإغاثي رغم المخاطر المتزايدة.
ومن داخل المدينة، واصل أحمد تحرير الأعداد الأخيرة من عنب بلدي، التي سبقت استشهاده، ونقل الطابعة إلى مكان عمله، وتولى بنفسه طباعة الجريدة وتوزيعها على من بقي من السكان المحاصرين.
في لقاء جمعه بزميله الدنماركي سايمون بويزن مولر في لبنان قبل أسابيع من استشهاده، سأله الأخير إن كان يفكر بمغادرة داريا إلى مكان أكثر أمانًا، فجاءه رد أحمد حاسمًا: «إذا لم أقدم أنا المساعدة، فمن غيري يقوم بذلك؟»
وحين سأله عما يحتاجه للعمل الإغاثي، أجاب ببساطة: “نحتاج عددًا أكبر من الأشخاص”.
جملة اختصرت فلسفته في نكران الذات، والعمل بصمت، وتحميل النفس ما يفوق طاقتها بدل التراجع خطوة إلى الخلف.
شخصية ملهمة
يجمع غالبية من عرفوا أحمد شحادة على أنه جمع بين التواضع والحزم، والصمت والفاعلية. كان قليل الكلام، شديد الانضباط، واسع الاطلاع، لا تفارق الابتسامة وجهه حتى في أقسى الظروف.
في المعتقل، كان ملاذًا معنويًا لرفاقه، يخفف عنهم وطأة السجن بروحه الإيجابية، ويتندر على قسوة المكان بوصفه “فندقًا عابرًا”. وفي البحث والدراسة، عُرف بأمانته العلمية وحرصه على التحقق من المعلومة من مصدرها.
كتب عنه زميله الدنماركي مولر في تأبينه:
“كان أحمد رجلًا لا ينقض عهوده ولا يتخلى عن مبادئه، حتى حين عرضته للمخاطر. كان شجاعًا في قول الحقيقة والوفاء بها… ولو بقي على قيد الحياة، لكان له دور مهم وبنّاء في مستقبل سوريا”.
وفي رسالة نشرتها زوجته بعد استشهاده، تحدثت عن زوج محب وداعم، كان يوصيها دائمًا:
“لا تخلي حدا يعرف إني عم اشتغل بالإغاثة أو الجريدة”، حرصًا على سلامتها.
وتختم رسالتها بقولها: “لن أكتب أكثر… مهما كتبت فلن أوفيك حقك”.
هكذا عاش أحمد شحادة. صحفيًا ملتزمًا، واقتصاديًا نزيهًا، وإنسانًا آمن بأن العمل بصمت هو أعلى درجات الوفاء.
خسارة لا تُختصر
استشهد أحمد شحادة، مدير تحرير جريدة “عنب بلدي” وعضو مجلس إدارتها، ظهر الثلاثاء 12 من آذار 2013 في مدينة داريا، إثر قصف صاروخي استهدف مكان وجوده أثناء مشاركته في تشييع أحد شهداء المدينة.
شكل رحيله خسارة كبيرة لعائلته وزملائه ولمدينة داريا، وللمؤسسة الإعلامية التي كان أحد أعمدتها التنظيمية والفكرية. وترك غيابه فراغًا لم يُملأ، لا على مستوى العمل التحريري ولا في ميدان العمل الإنساني الذي اختار البقاء فيه حتى اللحظة الأخيرة.
بعد رحيله، نشرت “عنب بلدي” افتتاحية خاصة بعنوان “بقلمه.. عنه!”، جاء فيها:
“مؤسف أن تكشف عنب بلدي عن أسماء أعضائها حين استشهادهم فقط.. وها نحن نمسك بقلمه لنكتب عنه اليوم افتتاحية الجريدة”.
