استقبل أهالي مدينة داريا أحكام الإعدام الصادرة بحق رئيس النظام السوري السابق بشار الأسد وعدد من المسؤولين السابقين بالارتياح، وربط بعضهم الحكم بخسارات شخصية تعرضت لها عائلاتهم خلال سنوات الحرب، بينما طالب آخرون بألا تتوقف المحاسبة عند الأشخاص الذين شملتهم القضية.
وفي مقابلات أجرتها عنب بلدي في داريا عقب صدور الحكم، تحدث سكان عن فقدان أبناء وأقارب، وعن أثر محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات في عائلات الضحايا، في حين وضع آخرون الحكم ضمن مسار أوسع للعدالة يشمل ملاحقة بقية المتورطين واستعادة حقوق المتضررين.
وجاءت ردود الفعل بعد أن أصدرت محكمة الجنايات الرابعة بدمشق، الثلاثاء 11 من آب، حكمًا بالإعدام غيابيًا بحق بشار الأسد وشقيقه ماهر، إلى جانب ستة مسؤولين سابقين آخرين، بينما صدر الحكم نفسه حضوريًا بحق عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا، الذي كان الوحيد بين المحكومين بالإعدام الموجود في عهدة السلطات والماثل أمام المحكمة عند صدور الحكم.
وكان بشار وماهر الأسد ضمن المتهمين الذين بدأت محكمة الجنايات الرابعة محاكمتهم غيابيًا منذ 26 من نيسان الماضي، بالتزامن مع بدء المحاكمة الحضورية لعاطف نجيب، التي غطتها عنب بلدي من داخل قصر العدل بدمشق.
“ابني استشهد في 2013”
يرتبط موقف كمال بلشة من الحكم بتجربة شخصية، إذ قال لعنب بلدي إن ابنه قُتل قنصًا في داريا عام 2013، وكان يبلغ من العمر 22 عامًا.
ووصف بلشة صدور الأحكام بأنه “فرحة”، مستعيدًا ما تعرضت له عائلات سورية من قتل وتهجير وانتهاكات، ومعتبرًا أن المسؤولين عنها يجب أن يأخذوا جزاءهم.
وربط بلشة الحكم أيضًا بجبر خاطر عائلات الضحايا، قبل أن يختتم حديثه بالقول: “مبروك للسوريين كلهم”.
ولدى وليد شربجي خسارة شخصية أيضًا، إذ قال لعنب بلدي إنه فقد صهرًا وأخًا، وتحدث عن عائلات فقدت عددًا من أفرادها خلال سنوات الحرب.
وقال شربجي إن آثار الانتهاكات طالت بيوتًا كثيرة في داريا، ووصف شعوره عند سماع الحكم بأنه “أكبر فرحة بالعالم”.
أما عمار أبو علاء، فوصف القرار بأنه “فرحة كبيرة من القلب”، وربط أثره بصورة خاصة بأمهات الضحايا، معتبرًا أن محاسبة المسؤولين عن قتل أبنائهن يمكن أن تمنحهن شيئًا من الارتياح النفسي.
من درعا إلى المحاكمة
كان عاطف نجيب يشغل منصب رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عند بداية الاحتجاجات عام 2011، وهي المرحلة التي ارتبط اسمه خلالها باعتقال قاصرين واتهامات بتعذيبهم بعد كتابتهم شعارات مناهضة للنظام السابق.
وانطلقت أولى جلسات محاكمته أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق في 26 من نيسان، وكانت أول محاكمة علنية معلنة لرموز من النظام السابق، بينما وجهت المحكمة في الجلسة نفسها التهم إلى بشار وماهر الأسد وآخرين لمحاكمتهم غيابيًا.
وفي الجلسة الثانية، التي عقدت في 10 من أيار، وجهت المحكمة إلى نجيب لائحة اتهامات مرتبطة بعام 2011، وشملت، بحسب تغطية عنب بلدي، قمع الاحتجاجات السلمية في درعا والتسبب بتعرض معتقلين، بينهم قاصرون، للتعذيب الجسدي، إضافة إلى استخدام القوة المفرطة خلال عمليات الاعتقال.
ونفى نجيب لاحقًا جميع التهم الموجهة إليه بشأن ارتكاب انتهاكات بحق أبناء درعا، وقال إن فرعه لم يكن مسؤولًا عن اعتقال الأطفال الذين كتبوا الشعارات، وحمل فرع الأمن العسكري المسؤولية عن ذلك.
واستمرت جلسات المحاكمة خلال الأشهر التالية، وشملت الاستماع إلى شهود الحق العام. وبحلول 14 من تموز كانت المحكمة قد عقدت خمس جلسات على الأقل، بحسب عنب بلدي، ضمن مسار وصفته السلطات بأنه جزء من العدالة الانتقالية.
“العدالة أهم من كل شيء”
لا يحصر هلال خولاني العدالة في الحكم على الأشخاص الذين شملتهم القضية، بل يربطها بمحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات واستعادة حقوق الناس.
وقال خولاني لعنب بلدي إن “العدالة الانتقالية مهمة كتير كتير”، معتبرًا أن تطبيق العدالة شرط لنجاح المرحلة الحالية.
وأضاف: “العدالة أهم من كل شيء بالمجتمع. إذا بدنا ننجح، بدنا نطبق العدالة. إذا ما طبقنا العدالة، لا يمكن ننجح ولا نخطو خطوة لقدام”.
وعندما سُئل عما يقصده بالعدالة، حددها بـ”محاسبة المجرمين وتحصيل حقوق الناس”، معتبرًا أن عدم إنصاف المتضررين قد يؤدي إلى استمرار المشكلات داخل المجتمع.
وتحدث خولاني أيضًا عن أشخاص قال إنهم كانوا مرتبطين بالنظام السابق وما يزال بعضهم يمارس النفوذ أو يحاول استعادته، لكنه لم يسم أشخاصًا محددين.
ويشارك أبو ماهر حيدر مطلب استمرار المحاسبة، إذ وصف الحكم بأنه “مفرح”، وأضاف: “وعقبال البقية كمان”.
وقال لعنب بلدي إن العمل على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات “شغلة حلوة وفوق ما يتصور الواحد”، مستذكرًا ما تعرض له السوريون خلال السنوات الماضية، ومتمنيًا أن يصل بقية المطلوبين إلى القضاء وينالوا جزاءهم.
محاكمة فتحت نقاشًا حول العدالة الانتقالية
لم تقتصر محاكمة نجيب على بعدها القضائي، إذ فتحت منذ بدايتها نقاشًا أوسع حول جاهزية المنظومة القانونية السورية للتعامل مع ملفات الانتهاكات الواسعة التي ارتكبها النظام السابق.
ورصدت عنب بلدي، بعد الجلسة الثانية، نقاشات قانونية وحقوقية حول طبيعة التهم الموجهة إلى نجيب، وآليات بناء ملفات المحاسبة، ومدى ملاءمة الإطار القانوني القائم لمسار العدالة الانتقالية.
وفي تقرير آخر، قال خبراء قانونيون لعنب بلدي إلى أن قانون العقوبات السوري يتيح ملاحقة جرائم مثل القتل والتعذيب، لكنه يواجه تحديات عند التعامل مع جرائم واسعة ومنهجية من نوع جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، في ظل عدم وجود إطار قانوني مكتمل للعدالة الانتقالية حتى ذلك الوقت.
كما شددت نقابة المحامين، في تصريحات نقلتها عنب بلدي مطلع أيار، على أن حق المتهم بالدفاع جزء من ضمانات المحاكمة العادلة، وأن الوصول إلى أحكام مستقرة يحتاج إلى إجراءات قانونية صحيحة، لا إلى ردود فعل فقط.
وكانت الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية قد قالت لعنب بلدي، في نيسان، إنها أعدت مسودة قانون خاص بالعدالة الانتقالية، لكنها كانت تنتظر انعقاد مجلس الشعب لعرضها وإقرارها.
إجراءات سابقة بحق بشار وماهر
قبل صدور حكم 11 من آب، كانت المحكمة قد اتخذت إجراءات قضائية بحق بشار وماهر الأسد والمتهمين الآخرين الغائبين.
وفي 10 من أيار، أصدرت محكمة الجنايات الرابعة قرارًا بتجريد بشار وماهر الأسد من حقوقهما المدنية، ووضع أموالهما المنقولة وغير المنقولة تحت إدارة الحكومة السورية، ضمن الإجراءات المرتبطة بمحاكمتهما غيابيًا.
ويختلف وضعهما عن عاطف نجيب، الذي كان محتجزًا داخل سوريا ومثل حضوريًا أمام المحكمة منذ بدء الجلسات، بينما بقي بشار وماهر خارج البلاد، ولذلك استمر المسار القضائي بحقهما غيابيًا.
