لم يكن فنجان القهوة الذي تقدمه الفتاة لضيوف أسرتها مجرد ضيافة عابرة في بعض زيارات البيوت بداريا. ففي الدقائق القليلة التي تدخل فيها الفتاة غرفة الضيوف، كانت نساء الأسرة الزائرة يراقبن لباسها وهيئتها وطريقة مشيها وتقديمها القهوة، قبل أن يعدن إلى منزلهن حاملات انطباعًا قد تبدأ معه إجراءات طلبها للزواج.
وقبل هذه الزيارة، كانت رحلة اختيار العروس تمر بمراحل تشارك فيها الأم والجدة والأب وأقارب الأسرة، وتدخل فيها اعتبارات سمعة العائلة ونسبها والقرابة والوضع المادي، إلى جانب الصفات التي تبحث عنها أسرة الشاب في الفتاة.
وبعد زيارة الطلب، تبدأ مرحلة انتظار جواب أهل الفتاة، ثم الاتفاق على المهر والذهب وما تحتاج إليه العروس، تمهيدًا لزيارة الرجال وقراءة الفاتحة وإعلان الخطبة.
وتستعيد عنب بلدي هذه العادات من خلال مقابلات أجرتها مع السيدتين سوسن الشربجي (أم حامد) وفاديا شعيب (أم إبراهيم)، اللتين تتحدثان عن ممارسات عرفتها أسر في داريا منذ الستينيات حتى مطلع الألفية الثالثة، وما شهدته من تغيرات في دور الأهل ورأي الشاب والفتاة وطريقة طلب الزواج.
ولم تكن هذه العادات واحدة لدى جميع الأسر، إذ اختلفت تفاصيلها بحسب العائلة والفترة الزمنية، واستمرت بعض الممارسات القديمة بالتوازي مع تغيرات بدأت تظهر تدريجيًا بين الأجيال.
من كان يختار العروس؟
أدت العائلة دورًا أساسيًا في اختيار العروس بداريا، وكانت الأم والجدة من أبرز المشاركات في البحث عن الفتاة واقتراحها، خصوصًا خلال العقود السابقة وحتى التسعينيات، وفق ما ترويه أم حامد.
وتقول أم إبراهيم إن زواج الفتيات في سن مبكرة كان شائعًا حتى التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، ما جعل الجدات حاضرات ومؤثرات في شؤون الأسرة، وقد تكون للجدة كلمة في اختيار عروس حفيدها إلى جانب أمه.
وكانت الأم تتشاور مع زوجها وأفراد أسرتها قبل التوجه إلى بيت الفتاة، فتقترح اسمًا وتناقشه معهم، ثم تبدأ الزيارة إذا حصلت على موافقتهم.
وللأب أو الجد دور في توجيه الاختيار أيضًا، وقد تتجه الأنظار إلى ابنة العم أو إحدى بنات الأقارب والجيران الذين تربطهم بالأسرة علاقات قديمة.
وتروي أم حامد أن بعض الآباء، قبل الثمانينيات، كانوا يرغبون منذ وقت مبكر في تزويج فتاة يعرفونها لأحد أبنائهم، وقد يعبر الأب عن ذلك بالقول إن هذه الفتاة ستكون لابنه عندما يكبران.
بعد اختيار الأهل يأتي رأي الشاب والفتاة
لم يكن رأي الشاب غائبًا في جميع الحالات، لكنه لم يكن نقطة البداية دائمًا. ففي بعض الأسر كان يلتزم باختيار أهله، وفي فترات أقدم، مثل الستينيات وما قبلها، كان بعض الشبان يتزوجون من دون رؤية الفتاة قبل الزواج.
وتذكر أم حامد أن بعض الأمهات كن، حتى التسعينيات، يتقدمن لطلب فتاة قبل الرجوع إلى أبنائهن، وهو ما قد يسبب إحراجًا بين الأسرتين وحساسية بين الأقارب إذا رفض الشاب الاختيار.
وفي حالات أخرى، كان الشاب يبلغ أمه أو أخته باسم الفتاة التي يرغب في الزواج منها، فتتولى النساء فتح الموضوع مع أسرتها.
وبحسب أم إبراهيم، بدأ دور الشاب في الاختيار يتسع منذ أواخر الثمانينيات، إذ صار بعض الشبان يحددون لأهلهم اسم الفتاة التي يريدون الزواج منها، ويطلبون منهم التوجه إلى أسرتها، ثم ازدادت هذه الممارسة في السنوات اللاحقة.
أما رأي الفتاة، فكان يظهر عند انتظار جواب أسرتها بعد زيارة الطلب، لكن قدرتها على إعلان موقفها اختلفت بين أسرة وأخرى، كما تغيرت تدريجيًا عبر الأجيال.
الحسب والنسب.. ما الذي كانت تبحث عنه الأسر؟
لم يكن اختيار العروس أو قبول العريس منفصلًا عن نظرة كل أسرة إلى الأخرى. فقد كانت سمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية تتقدمان على الصفات الفردية للشاب أو الفتاة في كثير من الحالات، إلى جانب القرابة والوضع المادي.
وتضع أم حامد سمعة العائلة في مقدمة معايير الاختيار، وتقول إن السؤال لم يكن يقتصر على أخلاق الشاب أو الفتاة، بل يمتد إلى الأسرة وما يتناقله أهل البلدة عنها.
وكانت بعض العائلات تكتسب سمعة حسنة لما عُرف عن أفرادها من حسن التعامل والابتعاد عن المشكلات، ما يزيد رغبة الأسر الأخرى في مصاهرتها.
وتشير أم إبراهيم إلى أن العدد الكبير لأفراد العائلة لم يكن وحده كافيًا لمنحها مكانة اجتماعية، بل كانت «المسموعية النظيفة»، كما تسميها، عنصرًا أساسيًا في قبول المصاهرة.
وقد يُقبل الشاب لأنه ينتمي إلى أسرة حسنة السمعة، أو يُرفض رغم أخلاقه وتعليمه ومكانته، لأن النظرة السائدة إلى عائلته لم تكن مشجعة. وبذلك، كان بعض الشبان يفقدون فرص الزواج لأسباب لا تتعلق بهم مباشرة.
عائلة تقابل عائلة
ارتبطت السمعة أيضًا بمكانة الأسرة الاجتماعية. وتذكر أم حامد أن بعض العائلات كانت تفضل مصاهرة أسر تراها مماثلة لها، أو «ندًا للند»، بحسب تعبيرها.
وكانت هذه النظرة تجعل بعض الأسر تبحث عن عائلة تقاربها في المكانة والسمعة والوضع الاقتصادي، فيما تدخل أصول الأسرة وملكية الأراضي والعقارات ضمن الاعتبارات التي تحدد مكانتها لدى بعض الأهالي.
ولم تكن المعايير واحدة، فقد تعطي أسرة الأولوية للسمعة، بينما تنظر أخرى إلى الوضع المادي، أو تجمع بينهما عند اختيار العروس أو قبول العريس.
زواج الأقارب والأرض والميراث
كان زواج الأقارب حاضرًا في عدد من العائلات الكبيرة بداريا، ومنها عائلات شربجي وعبار وخولاني وزيادة، كما تذكر أم إبراهيم.
فقد يتزوج الشاب ابنة عمه أو ابنة عمته، أو فتاة من العائلة نفسها وإن كانت صلة القرابة بها بعيدة.
ومنحت بعض الأسر القريبة أولوية في الاختيار، اعتمادًا على المعرفة السابقة بها وبعائلتها والعلاقات الوثيقة بين أفراد الأسرة. وقد تتجه الأنظار إلى إحدى الفتيات من جهة الأب أو الأم قبل التفكير في فتاة من خارج دائرة الأقارب.
لكن هذه الممارسة لم تكن عامة. وتذكر أم حامد أن بعض الأسر كانت تفضل البحث عن عروس من خارج العائلة، بل إن بعضها كان يشترط ذلك، ولا سيما بين الأسر المثقفة، بسبب انتشار معلومات عن المخاطر الوراثية المحتملة لزواج الأقارب وزيادة احتمال ولادة أطفال مصابين ببعض الأمراض الوراثية.
وكان الوضع المادي حاضرًا أيضًا، إذ تروي أم حامد أن بعض الأسر كانت تفضل الشاب الذي يمتلك بيتًا أو أرضًا زراعية، وأن المال والمزارع كانا يدخلان في نظرتها إلى الخاطب.
وفي المقابل، قد تختار أسرة الشاب فتاة من عائلة تمتلك مساحات واسعة من الأراضي والعقارات، وهو ما كان يعبر عنه في داريا بـ«الكدرة»، وفق أم إبراهيم.
وكانت بعض الأسر تنظر إلى ما قد يصل إلى الفتاة مستقبلًا من نصيبها في الميراث، إذا استطاعت الحصول عليه.
ولهذا تقاطع الاعتبار المادي أحيانًا مع زواج الأقارب، إذ كانت بعض الأسر تفضل تزويج الفتاة من أحد أقاربها كي لا تنتقل الأراضي التي قد ترثها إلى شخص من خارج العائلة.
ومع ذلك، تضع أم حامد المال والميراث بعد سمعة العائلة ونسبها، وتعد السمعة والنسب المعيار الأول في الاختيار.
«البنت الشاطرة» و«الفلهوية»
إلى جانب اسم العائلة ومكانتها، كانت أسرة الشاب تنظر إلى صفات الفتاة نفسها.
ومن الأوصاف المتداولة «البنت الشاطرة» أو «البنت الفلهوية»، وهي الفتاة القادرة على تدبير شؤون المنزل، والنشيطة في حياتها اليومية، والمستعدة للمشاركة في العمل الزراعي ومساعدة أسرتها الجديدة.
وشملت «الشطارة» القوة البدنية والنباهة في إدارة أعمال البيت، في وقت كانت فيه أسر كثيرة تعتمد على الزراعة، وتحتاج إلى مشاركة أفرادها في أعمال المنزل والأرض.
ولذلك كانت أم الشاب تسأل عن نشاط الفتاة وقدرتها على تحمل المسؤولية، إلى جانب السؤال عن عائلتها.
وكانت هيئة الفتاة وجمالها ونظافتها من الصفات التي تنظر إليها أسرة الشاب، إلى جانب نشاطها وقدرتها على تدبير شؤون البيت.
البحث عن العروس.. من الأعراس إلى زيارة الطلب
كانت الأعراس والمناسبات الاجتماعية تتيح للنساء رؤية الفتيات المرشحات للزواج.
وتذكر أم حامد أن الأمهات كن يحثثن بناتهن على الاهتمام بلباسهن وشعرهن وهيئتهن عند الذهاب إلى الأعراس، لأن نساء العائلات الأخرى سيشاهدنهن هناك، وقد تختار إحداهن فتاة لابنها.
ولم تقتصر رؤية الفتيات على الأعراس والمناسبات. ففي زمن حمام السوق القديم بداريا، كان ذهاب النساء إليه يتيح لهن رؤية الفتيات والبحث عن عروس مناسبة لأبنائهن.
وتروي أم إبراهيم أن بعض الأمهات كن يذهبن إلى حمام السوق في الستينيات، ويبحثن خلال زياراتهن عن عرائس لأبنائهن.
أما أم حامد، فتقول إنها لم تذهب إلى حمام السوق ولم تعاصر تفاصيل هذه الممارسة التي ارتبطت بجيل أقدم منها، لكنها سمعت أن ذهاب النساء إليه كان يشبه النزهة والنشاط الاجتماعي.
وكان البحث عن العروس يبدأ أحيانًا قبل زيارة الطلب بوقت طويل، من خلال معرفة سابقة بين الأقارب والجيران، أو رؤية الفتاة في عرس أو مناسبة، أو اقتراح تتداوله نساء الأسرة قبل عرضه على الشاب ورجال البيت.
زيارة بلا موعد
بعد أن تستقر أسرة الشاب على اسم الفتاة، تتوجه الأم أو الجدة إلى منزل أهلها، وقد تذهبان معًا برفقة عدد من القريبات، مثل العمة أو الأخت الكبرى.
وكانت هذه الزيارة تنقل الاختيار من حديث يدور داخل أسرة الشاب إلى خطوة فعلية تفتح باب المصاهرة بين العائلتين.
ولم يكن تحديد موعد مسبق للزيارة شائعًا في داريا. وتذكر أم حامد أن الضيوف كانوا يطرقون الباب ويُستقبلون في أي وقت، وأن طلب موعد قبل زيارة الأقارب أو الجيران كان أمرًا مستهجنًا لدى كثيرين، واستمر رفضه لدى بعض أبناء الجيل القديم بعد تغير أساليب الزيارة.
وأدى ذلك إلى حرص الأسر على إبقاء المنزل مرتبًا ومستعدًا لاستقبال الضيوف. فكانت أعمال التنظيف وترتيب غرف الضيوف تُنجز في الصباح، تحسبًا لوصول زائر من دون موعد.
وكان هذا الحرص يزداد في البيوت التي تضم فتيات في سن الزواج، خشية أن تنقل الزائرات انطباعًا سلبيًا عن المنزل أو بناته.
ولم تكن الزيارة المفاجئة نتيجة غياب عادة المواعيد فقط، إذ كانت بعض أمهات الشبان يتعمدن الوصول من دون إخطار أهل الفتاة، لرؤية البيت على حاله الطبيعية، وملاحظة نظافته وأثاثه، ومعرفة هيئة الفتاة ولباسها داخل منزلها قبل أن تستعد لاستقبالهن.
وتقول أم حامد إن هذه الزيارات كانت تربك بعض الأسر المستقبلة، لأن الزائرة تصل في الوقت الذي تختاره، فيما يكون على أهل البيت استقبالها مهما كانت ظروفهم في ذلك اليوم.
امتحان فنجان القهوة
إذا لم تكن الفتاة معروفة لأسرة الشاب معرفة كافية، فإن الزيارة تتيح للنساء رؤيتها عن قرب.
وفي بعض الحالات، كانت الأم تزور المنزل أولًا، فإذا أعجبتها الفتاة وأسرتها، عادت لتصفها لابنها وتتشاور معه في الانتقال إلى الخطوة التالية.
وكان دخول الفتاة إلى غرفة الضيوف قصيرًا في الغالب. فتدخل لتقديم القهوة، ثم تجلس قليلًا أو تغادر بعد أن تشير إليها أمها.
غير أن هذه الدقائق كانت كافية لتكوين انطباع عن هيئتها وتصرفاتها.
وتذكر أم حامد أن النساء كن يلاحظن طريقة مشي الفتاة ودخولها إلى الغرفة، وهندامها، وطريقة حملها فنجان القهوة وتقديمه، وما إذا كانت تسكب منه شيئًا، إلى جانب طريقة جلوسها واستقامة ظهرها ومقدار الوقت الذي تقضيه مع الضيوف.
وكانت الأم تلمح إلى ابنتها بمغادرة الغرفة بعد وقت قصير، حتى لا تطيل الجلوس مع الزائرات.
وفي بعض الحالات، وغالبًا قبل الثمانينيات، كان فحص الفتاة أكثر مباشرة. فقد تطلب منها إحدى النساء فتح فمها لإظهار أسنانها والتأكد من سلامتها، أو تتفحص مظهرها عن قرب.
وتقول أم حامد إن هذه الممارسة بقيت موجودة لدى بعض النساء في الثمانينيات، حتى عندما تكون الفتاة من الأقارب، قبل أن تتراجع بشكل كبير في التسعينيات وما بعدها.
ولم تكن متبعة لدى جميع الأسر، بل مارستها بعض النساء دون غيرهن.
الكشف عن غرض الزيارة
بعد رؤية الفتاة وتبادل الحديث، تكشف الزائرات عن رغبة أسرتهن في مصاهرة أهل البيت، ويُطرح اسم الشاب وطلب الزواج بصورة واضحة، من دون الدخول في تفاصيل المهر والذهب في هذه المرحلة.
ولم يكن أهل الفتاة يقدمون جوابًا نهائيًا في اللقاء الأول، بل يطلبون مهلة للتشاور داخل الأسرة والسؤال عن الشاب وعائلته.
لكنهم لم يكونوا يعلنون ذلك دائمًا بصورة مباشرة، بل قد يقولون إن الرأي لأبيها، وهو من يقرر.
وينتهي اللقاء بعد تقديم القهوة وطرح الطلب، على أن يعرف أهل الشاب الجواب في وقت لاحق.
بين القبول والرفض.. من له الكلمة الأخيرة؟
بعد مغادرة الزائرات، يبدأ أهل الفتاة السؤال عن الشاب وعائلته.
ولم يكن السؤال ينحصر في عمله أو وضعه المادي، بل يشمل أخلاقه وسمعته وطبيعة أسرته وعلاقاتها بأهل البلدة، وهي المعايير نفسها التي كانت أسرة الشاب تنظر إليها عند اختيار العروس.
وكان القرار يناقش داخل الأسرة قبل إبلاغه إلى الطرف الآخر، مع حضور رأي الأب ورجال البيت، إلى جانب موقف الأم والنساء اللواتي يعرفن أسرة الشاب.
لكن في كثير من الحالات، كانت لرأي الأب الكلمة الأرجح في القبول أو الرفض.
وتفاوتت قدرة الفتاة على إعلان رأيها بين عائلة وأخرى ومن فترة زمنية إلى أخرى.
فقد توافق أمام والدها خجلًا أو لعجزها عن إعلان رفضها، ثم تلجأ إلى أمها لتخبرها بعدم رغبتها في الزواج.
وتروي أم حامد أنها تعرف حالات لم تستطع فيها الفتاة إعلان رفضها في البداية، قبل أن تنقل والدتها موقفها، وتنتهي الخطبة وتُعاد الهدية التي قدمها أهل الشاب.
ولم يكن التراجع سهلًا دائمًا، إذ قد تعتبره الأسرة إحراجًا لها أمام الناس، ولا سيما إذا كانت قد أعطت موافقة أولية. ومع ذلك، كانت بعض الأسر تنهي الخطبة إذا أصرت الفتاة على رفضها.
وتقول أم إبراهيم إن الأخذ برأي الفتاة في زواجها بدأ يتسع تدريجيًا منذ التسعينيات، بعدما كان قرار الأب هو المرجح في كثير من الأسر.
وتشير إلى أن عدم الأخذ برأي الفتاة في الفترات الأقدم لم يكن يقابله دائمًا رفض صريح منها، إذ اعتادت فتيات كثيرات أن تكون الكلمة الأولى والأخيرة للأب في قرار الزواج.
الرفض من دون قول «لا»
لم يكن رفض الخاطب يُعلن دائمًا بصورة مباشرة.
فقد يعتذر أهل الفتاة بأنهم لا يريدون تزويج ابنتهم في ذلك الوقت، أو أنها ما تزال صغيرة. وفي أواخر التسعينيات، صار بعضهم يقول إن الفتاة تريد إكمال تعليمها قبل استقبال الخطّاب.
وكانت هذه العبارات قد تعبر فعلًا عن رغبة الأسرة في تأجيل الزواج، وقد تستخدم للاعتذار عن عدم قبول الخاطب من دون إحراج أسرته.
وتقول أم حامد إن رفع المهر كان وسيلة أخرى للرفض. فإذا لم ترغب الأسرة في المصاهرة، قد تطلب مهرًا تعرف أن أهل الشاب لا يستطيعون دفعه، فيصل إليهم الجواب من دون أن يُقال صراحة.
أما أم إبراهيم، فتذكر أن الرفض كان يُعبر عنه في كثير من الأحيان بعبارة «ما في نصيب».
وكان رفض الخاطب أكثر حساسية إذا كان من الأقارب. فقد تسأل أسرته عن السبب، أو تعتبر أن أهل الفتاة يرون أنفسهم أفضل منها، ما قد يؤدي إلى خلاف أو قطيعة بين الطرفين.
وإذا أصر أهل الشاب على طلب الفتاة، فقد يرسلون وسطاء من الأقارب أو الأشخاص الذين تربطهم علاقة بالأسرتين، في محاولة لإقناع أهلها بإعادة النظر في القرار.
وإذا لم تتغير الإجابة، ينتقلون إلى البحث عن فتاة أخرى.
«إذا الله عاطيكم نحنا عاطيينكم»
كان الرد يأتي قديمًا من خلال زيارة ثانية، إذ تعود نساء أسرة الشاب إلى منزل الفتاة ويسألن عن الجواب.
وتذكر أم حامد أن الأم لم تكن تذهب وحدها عادة، بل ترافقها حماتها أو أمها أو أختها أو إحدى قريباتها، سواء في الزيارة الأولى أم الثانية.
فإذا وافق أهل الفتاة، كانوا يبلغون الزائرات بعبارة «إذا الله عاطيكم، نحنا عاطيينكم»، لتبدأ بعدها ترتيبات المهر والذهب وزيارة الرجال.
وتذكر أم إبراهيم أنه مع انتشار الهاتف الأرضي في داريا خلال التسعينيات وبداية الألفية الثالثة، صار أهل الشاب يتصلون بأسرة الفتاة لمعرفة النتيجة بدل انتظار زيارة جديدة.
وبقيت طريقة الرد تختلف بحسب صلة القرابة والعلاقة بين الأسرتين.
وفي التسعينيات، أخذ بعض الشبان يرافقون أهاليهم لرؤية الفتاة بعد موافقة أهلها المبدئية على الطلب. وخلال الزيارة، كانت أسرة الشاب تلاحظ ما إذا كانت الفتاة تطيل النظر إليه أم تتجنب ذلك.
الاتفاق على المهر والذهب.. قبل زيارة الرجال
بعد موافقة أهل الفتاة، تبدأ الزيارات المخصصة للاتفاق على المهر والذهب وما سيقدمه أهل العريس.
وكانت النساء يتولين جانبًا أساسيًا من هذه المفاوضات، ثم يأتي الرجال في الزيارة الرسمية لإقرار ما تم التوصل إليه.
وتقول أم حامد إن الرجال كانوا، في كثير من الحالات، يدخلون في مرحلة التنفيذ بعد اتفاق النساء على التفاصيل. لكن الأمر كان يختلف بحسب الأسرة وسلطة الأب فيها. فقد يتدخل والد العروس بنفسه ويحدد مقدار المهر أو وزن الذهب الذي يريده لابنته.
وقد يُحسم الاتفاق في زيارة واحدة، أو يستدعي زيارات متكررة بين نساء العائلتين.
ويشمل الحديث مقدار المهر، وما سيُدفع منه قبل الزواج، والمؤخر، والذهب وأثاث منزل الزوجين.
وتضيف أم إبراهيم أن بعض العائلات كانت تفضّل أن يتفق الرجال على المهر بدلًا من النساء.
قدم والمؤخر
كان المهر يقسم إلى مقدم ومؤخر، ويدفع المقدم نقدًا أو ذهبًا قبل الزواج، بينما يُسجل المؤخر بوصفه مبلغًا مؤجلًا ضمن اتفاق الزواج.
واختلفت طريقة التعامل مع المقدم بين الأسر والفترات الزمنية.
ففي الثمانينيات وما قبلها، كان أهل العريس يستخدمون المقدم في بعض الحالات لشراء أثاث منزل الزوجين.
وتروي أم حامد أن مقدم مهرها بلغ 25 ألف ليرة سورية، واشتروا به غرفة النوم وغرفة الضيوف وأثاث المنزل.
وترى أن استخدام المقدم في شراء الأثاث كان يعيد المال عمليًا إلى منزل الزوج، بدل أن يبقى ملكًا خاصًا للعروس.
وفي فترات لاحقة، شاع لدى بعض الأسر تسجيل المقدم «غير مقبوض» في عقود الزواج، على أن يتولى العريس تجهيز المنزل.
أما المؤخر، فتقول أم إبراهيم إن المتعارف عليه في بعض الحالات كان أن يبلغ نصف المقدم، وتورد مثالًا من أواخر التسعينيات، يكون فيه المقدم 200 ألف ليرة والمؤخر 100 ألف ليرة، من دون أن يعني ذلك وجود مقدار ثابت تتبعه جميع الأسر.
وبعد عام 2011، بدأت بعض الأسر تحديد المؤخر بالغرامات الذهبية بدل المبالغ النقدية، في محاولة للمحافظة على قيمته مع تغير قيمة العملة.
من «الشَّكَل» إلى غرامات الذهب
لم يكن الاتفاق على الذهب يجري بالطريقة نفسها في جميع الفترات والعائلات.
فقبل السبعينيات، كان الاتفاق لدى بعض الأسر يقوم على قطع ذهبية معروفة بأسمائها وأعدادها، بدل تحديد وزن إجمالي بالغرامات.
وتذكر أم إبراهيم أن من هذه القطع «الشَّكَل»، وهو خيط سميك من المخمل تُعلق به ليرات ذهبية كانت جزءًا من المهر وتُقدم إلى العروس.
وكانت الليرة الذهبية، عثمانية أو إنجليزية، تُعرف في داريا باسم «النيرة».
وشمل الاتفاق قطعًا أخرى، منها «المبرومة»، وهي سوار ذهبي قد يتراوح وزنه بين 30 و40 غرامًا، و«الجنزير»، وهو سلسال يوضع في اليد أو حول العنق، إلى جانب الخواتم.
وبذلك، كان الذهب يُحدد لدى بعض الأسر بأسماء القطع التي ستُقدم إلى العروس وأعدادها.
وتقول أم حامد إن الذهب في الثمانينيات والتسعينيات لم يكن يُشترى بالضرورة على هيئة طقم متكامل، بل قد يتكون من «مباريم» أو قطع متفرقة، تختلف أنواعها وأشكالها بحسب الموضة السائدة وقدرة أسرة العريس.
وفي مقابل الأسر التي كانت تتفق على قطع محددة، لم تكن أسر أخرى تشترط نوع الذهب أو وزنه، بل كانت تعده هدية يقدمها أهل العريس للعروس بحسب قدرتهم.
وتذكر أم حامد أن هذه الأسر كانت تترك لأهل الشاب اختيار ما يقدمونه، وترى أن التشدد في تحديد كمية الذهب يجعل الاتفاق قريبًا من البيع والشراء.
ومنذ التسعينيات، أصبح تحديد الذهب بوزن إجمالي من الغرامات أكثر حضورًا. فكانت بعض الأسر تشترط مقدارًا واضحًا ولا تقبل إنقاصه.
وتورد أم حامد حالة طُلب فيها مئة غرام كاملة، مع الإصرار على ألا ينقص الوزن غرامًا واحدًا.
وظل مقدار الذهب، سواء حُدد بقطع معينة أو بالغرامات أو تُرك هدية، مرتبطًا بما تتفق عليه الأسرتان وبقدرتهما المادية.
من الأقمشة إلى «بدل الملبوس»
لم يكن «بدل الملبوس» معروفًا في جميع الفترات.
ففي السابق، كانت أم العريس تشتري الأقمشة وقطع الملابس وتقدمها إلى العروس، فتتولى العروس أو أسرتها تفصيلها لدى الخياطة.
وتذكر أم حامد أن العروس كانت تحصل على أقمشة للثياب، وملابس داخلية وقطع أخرى تحتاج إليها بعد الزواج، إلى جانب عدد من التنانير والبلوزات بحسب قدرة أهل العريس.
ولم يكن للعروس دائمًا دور في اختيار هذه القطع، بل كانت تقبل ما تحضره لها حماتها.
ومع اتساع شراء الملابس الجاهزة في أواخر التسعينيات، بدأت بعض الأسر تتفق على تقديم مبلغ مالي بدلًا من الأقمشة والثياب، عُرف باسم «بدل الملبوس».
ولم يُلغِ ذلك تفصيل الملابس لدى الخياطة، الذي بقي قائمًا خلال التسعينيات، قبل أن ينتشر تقديم البدل على نطاق أوسع في بداية الألفية الثالثة، بحسب أم حامد.
وبلغ بدل الملبوس في بعض الحالات خلال بداية الألفية نحو 70 أو 75 ألف ليرة سورية، مع اختلاف مقداره بحسب قدرة الأسرتين.
وقد يضيف أهل العروس إلى المبلغ من مالهم الخاص، بينما تكتفي أسر أخرى بما يقدمه أهل العريس.
وكان المبلغ مخصصًا أساسًا لملابس العروس، لكن طريقة إنفاقه اختلفت بحسب حاجتها وظروف منزل الزوجية.
فإذا كانت ستسكن في منزل مستقل، قد تحتاج إلى شراء حاجات إضافية، أما إذا كانت ستعيش في غرفة ضمن بيت أهل الزوج، فقد يقتصر إنفاقها على الملابس.
وبعد الاتفاق على المهر والذهب وما سيُقدم للعروس، تبدأ الاستعدادات لزيارة الرجال وقراءة الفاتحة، التي كانت إعلانًا لقبول الأسرتين بالمصاهرة، وبداية مرحلة جديدة من ترتيبات الزواج وطقوس الخطبة في داريا.
