إيجارات المحال في داريا بلا معيار واضح.. مستأجرون يواجهون زيادات متلاحقة

محال تجارية ومكتب عقاري في منطقة الشاميات بمدينة داريا - 21 آب 2026 (عنب بلدي - سعيد خشفة)

ترتفع إيجارات المحال في داريا، وخصوصًا في منطقة الشاميات، بينما يقول مستأجرون وأصحاب أعمال إن حركة السوق لا تساعدهم على تحمل الأجور المطلوبة.

وتراوحت الإيجارات التي ذكرها أربعة متحدثين لعنب بلدي بين 200 و900 دولار شهريًا، ووصلت، بحسب أحدهم، إلى 1300 دولار لأحد المحال في شارع الثورة.

لكن تفاوت الأسعار لا يرتبط دائمًا بمساحة المحل أو موقعه وتجهيزاته.

وقال المتحدثون إن سعرًا يدفعه مستأجر في محل قد يتحول إلى مرجع للمحال المجاورة، حتى لو أغلق مشروعه بعد أشهر لعدم قدرته على تغطية تكاليفه.

وحجبت عنب بلدي أسماء المتحدثين الأربعة بناء على طلبهم، خشية تعرضهم لمشكلات مع مالكي العقارات أو أصحاب محال أخرى.

محل بـ600 دولار بقي مغلقًا

يدفع صاحب محل في الشاميات 300 دولار شهريًا، بينما طلب مالك محل مجاور 600 دولار، وبقي المحل مغلقًا منذ ثمانية أو تسعة أشهر لعدم تأجيره.

وقال صاحب المحل لعنب بلدي إن الإيجارات ارتفعت بصورة كبيرة منذ سقوط نظام الأسد، في الوقت الذي تراجعت فيه حركة العمل مقارنة بما كانت عليه سابقًا.

وفي محل آخر قريب منه، يدفع مستأجر قادم من دمشق عشرة ملايين ليرة سورية شهريًا، أي نحو 800 دولار وفق حساب المتحدث، لكنه لم يكن راضيًا عن حركة العمل.

وكانت أجور محال في المنطقة تقل عن 200 دولار قبل سقوط النظام، بحسب المتحدث، بينما أصبحت أرقام مثل 600 و700 و800 دولار مطروحة حاليًا.

وذكر أن مالك محل داخل الشاميات، وليس على واجهة رئيسية، طلب 900 دولار شهريًا.

ولا تعني الأجرة المطلوبة أن المستأجر سيقبل بها، ففي إحدى الحالات، بدأ مالك محل ألبسة التفاوض من 600 دولار، وانتهى الاتفاق عند 400 دولار.

ويعتقد المتحدث أن بعض القادمين من خارج سوريا أسهموا في رفع الأسعار عندما قبلوا بدفع أجور مرتفعة اعتمادًا على مدخراتهم.

وقد يدفع شخص 600 دولار لمحل مطلوب فيه 500، ثم يغلق بعد عدة أشهر بسبب الخسارة، لكن الرقم الذي دفعه يبقى حاضرًا عند تسعير المحال المجاورة.

«صيت» السوق أكبر من العمل

يتحدث مستأجر آخر عن مشكلة مشابهة، وقال إن بعض القادمين إلى داريا يتوقعون سوقًا أكثر نشاطًا مما يجدونه بعد افتتاح مشاريعهم.

وقد يأتي شخص، بحسب وصفه، ومعه 30 أو 40 ألف دولار، ويستأجر محلًا بنحو 700 دولار ويشتري البضائع، متوقعًا تحقيق أرباح مرتفعة، ثم يكتشف أن حجم المبيعات لا يسمح بذلك.

وقدر المتحدث أن 90% من القادمين من خارج المدينة الذين يستأجرون محال بأسعار تصل إلى 700 دولار لا يستطيعون الاستمرار، وهذه النسبة تقدير شخصي للمتحدث، ولا تتوفر بيانات رسمية لدى عنب بلدي للتحقق منها.

ويقول إن داريا اكتسبت «صيتًا» تجاريًا يجعل بعض تجار الجملة خارج المدينة يفكرون في فتح فروع فيها، قبل أن يواجهوا حجم السوق الفعلي.

وتظهر المشكلة أيضًا عند تجديد الإيجار، فقد يستأجر شخص محلًا مقابل 200 دولار، ثم يطلب منه المالك في العام التالي زيادة كبيرة، من دون أن تكون هناك نسبة محددة مسبقًا.

وبحسب المتحدث، يرفض بعض المالكين وضع نسبة للزيادة السنوية في العقد، ويفضلون الاتفاق على سنة واحدة، ثم تحديد سعر جديد عند انتهائها.

من 120 إلى 400 دولار

لم يحتج مستأجر ثالث إلى انتظار سنة حتى تتغير أجرة محله.

بدأ الإيجار بمليون ونصف مليون ليرة سورية شهريًا، أي نحو 120 دولارًا وفق حسابه، ثم أصبح 250 دولارًا، وبعد مدة، طلبت منه مالكة المحل دفع 400 دولار.

ولم يكن بينه وبين المالكة عقد رسمي، وقال إنه اعتمد في البداية على الثقة والعلاقة بين الأهالي والجيران، لكنه فوجئ بطلب زيادة الأجرة بعد نحو شهرين، ثم تكررت مطالب الزيادة كل شهرين أو ثلاثة.

تبلغ مساحة المحل 38 مترًا مربعًا، ولا يملك واجهة على الشارع، كما يعاني مشكلة في الصرف الصحي، ومع ذلك، وصلت الأجرة المطلوبة إلى 400 ثم 500 دولار.

وقال المستأجر إن المالكة أخبرته أن أقل إيجار لمحل في الشاميات يبلغ 800 دولار، وإنها بطلبها 500 دولار منه لا تزال تطلب أقل من السعر المتداول.

لم يكن العمل في المحل يسمح له بدفع هذا المبلغ، فقرر تسليمه وانتقل إلى محل آخر مقابل 120 دولارًا شهريًا.

ويرى أن دفع بعض المستأجرين أجرة سنة كاملة مقدمًا يزيد الأسعار، فقد يستطيع المستأجر تحمل المبلغ في السنة الأولى، ثم يغلق المشروع، بينما يصبح السعر الذي دفعه رقمًا يستند إليه مالكو المحال الأخرى.

كيف يحدد إيجار المحل؟

لا يرى صاحب عمل آخر أن للمحال في داريا طريقة واضحة للتقييم.

ويقول إن تحديد الإيجار يفترض أن يأخذ في الاعتبار موقع المحل وعرض الشارع وتجهيزاته، وتوفر الكهرباء والأمبيرات والإنترنت، وحالة الأرضية والجدران والواجهة والغالق المعدني، إضافة إلى حجم الحركة في المكان.

لكن محلًا في حارة فرعية قد يسعر، بحسب تجربته، استنادًا إلى ما طلبه مالك محل قريب.

وضرب مثالًا بحارة القابوني، حيث تنتشر ورش التنجيد والميكانيك والحدادة وأعمال «التصويج»، وقال إن إيجار محل هناك قد يصل إلى 200 دولار.

أما على الشارع الرئيسي في الشاميات، فتتراوح الأرقام التي ذكرها بين 500 و600 دولار، وتصل في بعض الحالات إلى 800 أو 900 دولار.

وتحدث عن صاحب مشروع استأجر محلًا مقابل 700 دولار، لكنه أغلقه قبل مرور ثلاثة أشهر، بعدما لم يتمكن من تغطية الإيجار والأمبيرات والكهرباء وأجور العمال ومصروفه الشخصي.

وفي شارع الثورة، قال المتحدث إن إيجار أحد المحال وصل إلى 1300 دولار شهريًا.

ويقارن هذه الأسعار بمناطق تجارية في دمشق، مثل القصور والحريقة، معتبرًا أن حركة السكان والزبائن فيها أكبر، بينما تتركز الحركة التجارية في داريا في مناطق محدودة، منها الشاميات وشارع الثورة وشارع المخفر.

أسعار العقارات تؤثر في الإيجار

تدخل تقديرات أسعار العقارات أيضًا في نقاش الإيجارات.

وقال أحد المستأجرين إن بعض المالكين يطلبون من المكاتب العقارية تثمين محالهم، حتى عندما لا تكون لديهم نية لبيعها، ثم يستخدمون القيمة المقدرة عند تحديد الأجرة.

وبحسب المستأجر، قد يقدر مكتب عقاري سعر المتر في الشاميات بنحو 2500 أو ثلاثة آلاف دولار، فيحسب مالك العقار قيمة محله على هذا الأساس، ثم يحدد الإيجار استنادًا إليها.

ويصف المتحدث بعض هذه التقديرات بأنها «وهمية»، لعدم وجود عمليات بيع فعلية تثبتها، ويرى أن المكاتب العقارية تسهم في تداول الأرقام المرتفعة.

عقود قصيرة وزيادات مفتوحة

تختلف مدة الاتفاق أيضًا من محل إلى آخر.

وقال أحد المتحدثين إن بعض العقود تكتب لثلاثة أو ستة أشهر فقط، ثم يعاد التفاوض على الأجرة. وفي حالات أخرى يكون الاتفاق لمدة سنة، من دون تحديد مقدار الزيادة عند التجديد.

ولا تسجل جميع عقود الإيجار رسميًا، بحسب المتحدث، فقد يكتفي الطرفان بعقد داخلي، أو يكتب العقد لدى محامٍ.

وعزا ذلك في بعض الحالات إلى تجنب الرسوم المالية، وفي حالات أخرى إلى أوضاع ملكية مرتبطة بوكالات أو أحكام قضائية.

ويرى المتحدث أنه لا يجد جهة يرجع إليها المستأجر لمعرفة ما إذا كانت الأجرة أو الزيادة المطلوبة تتناسب مع المحل، مقارنة بمجالات أخرى توجد فيها جهات مختصة يمكن مراجعتها.

مقالات ذات صلة

عمال المياومة في داريا.. مقترحات لمراكز انتظار وتنظيم التواصل مع طالبي العمل

شكاوى من بنزين محطات داريا.. سائقون يتحدثون عن أعطال في سياراتهم

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة