على امتداد ألواح من الرخام الأبيض، كتبت أسماء ضحايا مجزرة داريا الكبرى في أعمدة متجاورة، وأرفق كل اسم برقم.
يتوقف القادمون أمام الجدارية، يتنقلون بأعينهم بين سطورها، ويبحث بعضهم عن اسم قريب أو صديق.
بين هؤلاء، كان مراد إبراهيم دغموش يبحث عن اسم أخيه، الذي خرج يوم اقتحام داريا ليجلب بعض الأغراض، فاعتقل من الشارع، ومنذ ذلك الوقت، لم تعرف عائلته عنه شيئًا.
أعادت الجدارية إلى ناجين وذوي ضحايا تفاصيل القصف والاقتحام والقتل والهرب والاعتقال، بينما يقول القائمون على المبادرة إن الأسماء المعروضة لا تزال غير مكتملة، وإن تثبيتها على الرخام جزء من الاعتراف بالضحايا ومعاناة عائلاتهم.
خرج ولم يعد
عاش دغموش المجزرة، ولا تزال ساعة الاقتحام حاضرة في ذاكرته.
يتذكر القصف والرصاص والقتل والإعدامات الميدانية، ويصف ما جرى بأنه يفوق قدرة العقل على التصور.
كان يقف مع صديق له في حارته، قبل أن يقتل صديقه وإخوته إعدامًا ميدانيًا، وفق روايته. أما أخوه، فخرج من المنزل ولم يعد.
ولا يريد دغموش أن تنسى دماء الضحايا، ويرى أن ما وصلت إليه البلاد لم يكن ممكنًا لولا تضحياتهم، ويتمنى أن تبقى قصصهم حاضرة حتى تتعظ منها الأجيال اللاحقة.
مطيع عمر نوح لم يعرف كل ما جرى في داريا لحظة وقوعه.
كان قد خرج إلى كناكر، لكن المداهمات دفعته إلى الهرب نحو السبينة، ثم إلى الباردة، وصولًا إلى لبنان، وهناك، بدأ يسمع عبر التلفزيون ومن أشخاص خرجوا من المدينة قصص ما حدث.
من بين ما بقي في ذاكرته قصف منزل لعائلة من آل نوح، قال إن الطائرة دمرته وقتلت أفراد العائلة.
ويتذكر أيضًا ما نقله إليه صديق كان داخل قبو يضم نساء وأطفالًا من عائلة الضبع.
وبحسب الرواية التي سمعها من صديقه بعد وصوله إلى لبنان، ألقت قوات النظام قنابل داخل القبو، ما أدى إلى مقتل معظم الموجودين فيه، بينما نجا الصديق وروى ما حدث.
الأقبية بين النجاة والموت
بالنسبة إلى فاتن الشيخ رجب، ترتبط المجزرة بالهرب المتواصل من مكان إلى آخر.
كانت والدتها مريضة، ولم يكن الانتقال بها بسرعة سهلًا، بينما كانت العائلة تعيش خوفًا شديدًا خلال الاقتحام والقتل، وكاد أحد إخوتها أن يقتل، لكنه نجا.
لا تنسى فاتن قصة قبو قتل فيه أفراد أكثر من خمس عائلات، وفق ما ترويه، ولا تنفصل ذاكرة المجزرة لديها عن فقدان ثلاثة من إخوتها في المعتقلات.
اعتقل الإخوة الثلاثة من دون أن تتمكن العائلة من معرفة مصيرهم، وتوفيت والدتهم قبل أن تصل إلى أي معلومة عنهم، بينما قالت فاتن إن العائلة سمعت لاحقًا بأن أحدهم أحرق بعد اعتقاله، دون أن تتأكد من مصيره.
تقول فاتن إن الأمهات عانين كثيرًا، وإن كثرة الضحايا وما عاشته عائلاتهم يجب ألا يغيب عن الذاكرة.
أما محمد الحو، الذي فقد ابنه خلال سنوات الحرب، فقضى وقت المجزرة مختبئًا في أحد الأقبية.
يتذكر أشخاصًا قتلوا بالرصاص على الطرقات، وقناصًا كان يمنع الأهالي من الخروج.
وقال إن الجيش اقتحم داريا من جهات عدة، بينها طريق صحنايا ومنطقة المعامل.
وخلال ذلك، شاهد أشخاصًا يصابون بالرصاص وهم داخل شاحنات وسيارات وعلى دراجات نارية.
وبعد سنوات من فقدان ابنه ومشاهدة ما جرى، يعتقد الحو أن الناس لن تنسى المجزرة أو تضحيات ضحاياها.
أيام لا تكتمل تفاصيلها في الذاكرة
يتذكر زهير المصري داريا في حالة من الخوف والفوضى.
كان ابنه محمد إياد المصري نائمًا في منزله قبل أن يقتاد منه ويعتقل، بينما كان السكان، وفق وصفه، في حالة من الهلع.
يقول زهير إن ذاكرته لم تعد تحتفظ بتفاصيل تلك الأيام كاملة. كانت ابنته مصابة، لكن القوات لم تدخل منزل العائلة.
ويضيف أن الخوف كان مضاعفًا بسبب ما كان يصل إليهم عن قتل عائلات داخل منازلها.
ولا يرى زهير أن ما جرى قابل للنسيان، حتى إن بدت بعض تفاصيله متقطعة في ذاكرته.
وقال أحد الحاضرين أمام الجدارية إن الحديث عن المجزرة ما يزال موجعًا، وإن أسماء عدد من الضحايا لم تذكر بعد.
واستعاد ما جرى قرب ساحة شريدي وفي الحارة القبلية، مشيرًا إلى وقوع أكثر من مجزرة في المنطقة.
دخلت القوات منزله وألقت رصاصًا داخله، بحسب روايته، فطلب ممن وضعه أن يأخذه معه.
بقي الرجل، الذي كان موظفًا في مطار دمشق الدولي، داخل داريا ولم يغادرها في ذلك الوقت.
فقد صهره وعددًا من أقارب زوجته، وتهدمت منازل العائلة ولم يبق فيها شيء. ومع كل ما خسره، يكرر أن ما يريده اليوم هو ألا تنسى أسماء من ضحوا بحياتهم.
«شفنا الموت أربع مرات»
كان سعيد القرح في مزارع داريا وقت المجزرة برفقة مجموعة من الأشخاص، ويقول إنهم واجهوا الموت أربع مرات ونجوا، لكن آخرين من عائلته وحيه لم ينجوا.
فقد القرح أخاه وابن أخيه وأكثر من عشرة من أبناء شقيقاته، إلى جانب جيران وشبان من حارته.
ويتذكر أن عناصر الجيش كانوا يدخلون ويسألون الشخص عما يفعله، ثم يغمز أحدهم لرفيقه قبل أن يبدأ إطلاق النار.
كما يستعيد مقتل أفراد عائلة كاملة في الحارة القبلية بعد إطلاق النار عليهم، وفق شهادته.
ولم تتوقف ذكرياته عند مجزرة آب. ففي قصف كيماوي لاحق، قال إنه شارك مع آخرين في محاولة إفاقـة نحو 200 مصاب باستخدام مشروب الكولا.
بقي القرح في داريا خلال الحصار، بينما تفرق أهله خارجها.
يتذكر الجوع والتشرد والبحث عن الحشائش للأكل، والخوف الذي كان يمنعه من المرور على الحواجز أو الحديث عما عاشه.
بعد سقوط الأسد، شعر بأنه استعاد القدرة على الكلام. يقول: «صرنا قادرين نحكي»، ويرى أن الاستمرار في رواية ما حدث واجب تجاه الضحايا.
ورغم الخسارات التي عاشها، أنهى حديثه بأمنية ترتبط بحاضره أيضًا، وهي أن يتحسن الوضع المعيشي وتخف وطأة الغلاء.
جدارية لم تكتمل أسماؤها
فراس حمدوني، من منظمة «غلوبال هارموني»، قال لعنب بلدي إن الجدارية تضم أسماء ضحايا مجزرة داريا الكبرى، التي وقعت في آب 2012، لكن القائمة المعروضة ليست مكتملة.
وبحسب حمدوني، تضم الجدارية 500 اسم تحقق منها ناشطون يعملون على التوثيق في مدينة داريا، ووثقوها وكتبوها بصيغتها الدقيقة. وخلال عرض الجدارية، وأضاف أنه، بحسب معرفته، يوجد نحو 200 اسم إضافي يعملون على التحقق منها وتوثيقها قبل إضافتها.
في حين لا تزال أسماء كثيرة لمعتقلين ومفقودين غير موثقة وغير مدرجة على الجدارية الحالية.
وجاءت فكرة المبادرة، وفق حمدوني، بعد ملاحظة أن أهالي من داريا، وخاصة الصغار بالسن، عائدين من الاغتراب لم يكونوا قد سمعوا بالمجزرة.
ومن هنا بدأ العمل على التوثيق، على أن تتوسع المبادرة خلال المرحلة المقبلة لتشمل جداريات تحمل أسماء جميع ضحايا داريا، الذين يزيد عددهم على 7800، بحسب قوله.
حمدوني نفسه ناجٍ من المجزرة وشاهد على القتل والقنص وما تركته الأحداث في نفوس سكان المدينة، ويرى أن تخليد الذكرى ليس تمسكًا بالماضي بقدر ما هو مسؤولية تجاه المستقبل.
ويربط حمدوني الجدارية بمسارات العدالة الانتقالية، معتبرًا أن الاعتراف بالضحايا ومعاناتهم ركن أساسي فيها وفي بناء سلام مستدام. كما يرفض أن تتحول الأسماء إلى أرقام في كتب التاريخ، ويدعو إلى تفعيل الإطار القانوني للعدالة الانتقالية.
أمام ألواح الرخام الحالية، يستمر البحث. أسماء نقشت، وأخرى تنتظر إضافتها، وعائلات ما تزال تنتظر معلومة عن شخص خرج من منزله ولم يعد.