لم يكن البيت الداراني القديم مجرد بناء للسكن، بل شكّل انعكاسًا لطبيعة الحياة الاجتماعية والاقتصادية في المدينة، إذ ارتبط تصميمه الداخلي والخارجي بعادات السكان وطرق معيشتهم، كما عكس طبيعة المجتمع الزراعي الذي اعتمد على الإنتاج المنزلي وتخزين المؤن وتعدد أفراد الأسرة ضمن المنزل الواحد.
واستمر اعتماد أساليب البناء التقليدية في داريا حتى بدايات ستينيات القرن الماضي، قبل أن تبدأ المواد الحديثة، وعلى رأسها الإسمنت، بالدخول تدريجيًا إلى قطاع البناء، لتؤثر في شكل المنازل ومساحاتها وارتفاعاتها وطريقة توزيع الغرف فيها، وصولًا إلى أنماط السكن الحديثة التي انتشرت لاحقًا.
ورغم اختفاء عدد كبير من البيوت القديمة أو تغير ملامحها مع مرور الزمن، بقي بعضها قائمًا ومأهولًا حتى العقد الأول من الألفية الثالثة، بعد أن طرأت عليه تعديلات فرضتها الظروف المعيشية والتوسع العمراني.
لكن ما تبقى من هذه البيوت تعرض لاحقًا لأضرار واسعة خلال العمليات العسكرية التي شهدتها داريا منذ عام 2012، ولا سيما بفعل القصف والبراميل المتفجرة التي طالت أحياء المدينة، ما أدى إلى اندثار جزء مهم من هذا الإرث العمراني.
وتسترجع عنب بلدي في هذا التقرير ملامح البيت الداراني القديم من حيث مواد البناء، والتصميم الداخلي، والمرافق الخدمية، وأنماط العيش المرتبطة به، استنادًا إلى معلومات جمعتها من مصادر متعددة، إضافة إلى مقابلة توثيقية أجرتها مع المهندس محمود شربجي، خريج كلية الفنون الجميلة مطلع ثمانينيات القرن الماضي، والمهتم بالعمارة الداخلية وأساليب البناء والديكور، والذي تنوعت مسيرته المهنية بين التدريس والعمل في الهندسة الداخلية.
البيت الداراني.. مساحة للعائلة الممتدة
عرفت داريا حتى ستينيات القرن الماضي نمط “البيت العربي” المفتوح ذي الطابق الواحد، ولم تكن تعرف نماذج السكن الحديثة كالفيلات أو الشقق المزدوجة (الدوبلكس)، التي لم تظهر إلا في مراحل لاحقة.
وتراوحت مساحة البيت الداراني القديم بين 300 و400 متر مربع تقريبًا، وقد تزيد أو تنقص تبعًا لعدد أفراد الأسرة والوضع المادي للعائلة.
وكانت الكتلة السكنية الأساسية لداريا متمركزة في الأحياء القديمة المحيطة بالجامع الكبير، وحارة الحمام، والحارة القبلية، وحارة الخولاني، وحارة المسيحيين، وهي المناطق التي شكلت النواة العمرانية لداريا لعقود طويلة.
ومع التوسع العمراني الذي شهدته المدينة خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، بدأت البيوت تمتد إلى مناطق جديدة خارج النطاق التقليدي للمدينة ولا سيما المنطقة المحيطة بشارع المعضمية، أو ما يعرف بمنطقة “حزايا”، في نهاية السبعينيات.
وأدى هذا التوسع إلى ظهور بيوت أكبر مساحة، إذ وصلت مساحة بعضها إلى دونم ونصف تقريبًا، أي ما يقارب 1500 متر مربع، وهو ما عكس التحولات العمرانية والاجتماعية التي شهدتها المدينة في تلك المرحلة.
اللِّبن والحجر.. أساس البناء التقليدي
اعتمدت العمارة التقليدية في داريا، حتى ستينيات القرن الماضي، على مادة “اللِّبن”، وهي طوب يصنع من الطين الممزوج بالماء والتبن والبحص الناعم.
وكان هذا النوع من البناء يتميز بقدرته العالية على العزل الحراري، إذ يمنع انتقال الحرارة والبرودة بين داخل المنزل وخارجه، وهو ما وفر بيئة مريحة للسكان خلال فصلي الصيف والشتاء.
ولصناعة اللِّبن، كان يخلط الطين بالماء والتبن والبحص الناعم، ثم يترك الخليط مدة تتراوح بين أربعة وخمسة أيام حتى يتجانس.
بعد ذلك يعاد خلطه ودوسه بالأقدام، قبل أن يسكب في قالب خشبي مربع أو مستطيل متحرك، ثم يدق على الأرض لتشكيل لبنة واحدة في كل مرة.
وبعد تجهيز اللبنات، تبدأ مرحلة حفر الأساسات، حيث ترصف الحجارة مع الطين لتشكل قواعد البناء تحت سطح الأرض.
وكانت هذه الأساسات ترتفع قليلًا فوق مستوى الأرض بهدف حماية المنزل من مياه الأمطار والسيول.
وبعد الانتهاء من الأساسات تبدأ عملية بناء الجدران.
وقد بلغت سماكة الجدران الخارجية للمنزل نحو 60 سنتيمترًا، أي ما يعادل لبنة ونصف تقريبًا، وذلك لتأمين الدعم الإنشائي والعزل الحراري في آن واحد.
أما الجدران الداخلية الفاصلة بين الغرف، فبلغت سماكتها نحو 40 سنتيمترًا، أي ما يعادل لبنة واحدة تقريبًا.
وبعد الانتهاء من بناء الجدران، كانت تغطى من الداخل والخارج بطبقة من الطين في عملية تعرف محليًا باسم “التمريخ”، ثم تطلى بالكلس أو الجبصين الأبيض.
بقايا منزل يعود لعائلة العبار في داريا الشمالية، تظهر فيه الجدران الطينية السميكة وأجزاء من الأقسام الداخلية وفتحات الأبواب التي بقيت قائمة رغم الدمار الذي لحق بالمبنى خلال سنوات الحرب – 2026 (عنب بلدي)
أجزاء من جدار خارجي في منزل يعود لعائلة العبار في داريا الشمالية، وتظهر طريقة البناء التقليدية باستخدام قوالب اللبن المجفف بالشمس، والمصفوفة فوق بعضها بمونة طينية – 2026 (عنب بلدي)
أسقف من الحور والشوك والتراب
اعتمدت أسقف البيوت الدارانية القديمة على جذوع خشب الحور، التي كانت تجلب من الغوطة الشرقية أو من وادي بردى، كما كانت تباع في مناطق مختلفة من دمشق، ومنها منطقة المزة.
وكان السقف يبدأ بوضع “جسر” خشبي سميك وطويل في منتصف الغرفة، ثم توضع فوقه أعمدة خشبية أقل سماكة تمتد بين جدران الغرفة.
بعد ذلك تفرش شرائح خشبية فوق الأعمدة، ثم تغطى بطبقة من الشوك الجاف.
وفوق الشوك توضع طبقة من التراب وتدق جيدًا حتى يصل سمكها إلى نحو 20 سنتيمترًا.
وبعد مرور نحو عشرة أيام، يغطى السقف بطبقة من الطين المخلوط بالتبن، ثم تدق هذه الطبقة بعناية حتى تصبح كتيمة وتمنع تسرب مياه الأمطار.
ولمنع تجمع المياه فوق السطح خلال الشتاء، كان السقف ينفذ بميلان خفيف يتراوح بين 20 و30 سنتيمترًا تقريبًا.
وكان هذا النظام الإنشائي سائدًا في معظم البيوت القديمة قبل دخول المواد الحديثة إلى قطاع البناء.
السقف الخشبي كما يبدو من الداخل في بيت قديم يعود لعائلة خشيني في داريا القبلية، وتظهر فيه جذوع الخشب والشرائح المستخدمة في أسقف البيوت التقليدية – 2012 (عنب بلدي – جواد شربجي)
من اللِّبن إلى الإسمنت
بدأت ملامح البناء في داريا تتغير تدريجيًا مع دخول الإسمنت إلى المدينة خلال سبعينيات القرن الماضي.
واستبدل اللِّبن تدريجيًا بقوالب “البلوك” الإسمنتي، كما ظهرت مهن جديدة ارتبطت بمواد البناء الحديثة.
فبرز “الباطنجي”، وهو العامل الذي يتولى تجهيز قواعد المنزل وأسقفه باستخدام الخرسانة، وظهر “المعمرجي”، وهو العامل المختص ببناء الجدران وتقسيم المنزل باستخدام قوالب البلوك الإسمنتي.
كما شهدت تلك الفترة بناء عدد محدود من الشقق الإسمنتية التي اعتمدت أسقفًا خرسانية عادية تعرف باسم “البلاطة”، وذلك قبل أن ينتشر لاحقًا نظام “الهوردي”.
أما خلال تسعينيات القرن الماضي، فقد أصبح سقف “الهوردي”، وهو نظام يعتمد على القوالب الإسمنتية المفرغة، الشكل الأكثر شيوعًا في الأبنية الحديثة.
غرفة الضيوف.. واجهة المكانة الاجتماعية
عند الدخول إلى البيت الداراني القديم، يتضح التوزيع الهندسي للغرف بصورة مدروسة تراعي الخصوصية والعادات الاجتماعية السائدة آنذاك.
فقد كانت غرفة الضيوف تقع بالقرب من الباب الرئيسي للمنزل، بحيث يستطيع الضيف الوصول إليها مباشرة من دون المرور ببقية أقسام البيت، وهو ما كان يضمن خصوصية أهل المنزل، ولا سيما النساء والأطفال.
ولم تكن هذه الغرفة مجرد مكان لاستقبال الزوار، بل كانت تعكس وجاهة العائلة ومكانتها الاجتماعية ووضعها الاقتصادي.
فقد كانت تحتوي على “كنبات” أو مقاعد خشبية تصنع غالبًا من خشب الجوز، وتتخذ أشكالًا متعددة، فمنها المسطح، ومنها المضلع، ومنها ما كان يحفر ويزخرف على شكل ورود أو نقوش هندسية.
كما كانت بعض الكنبات تزين بالصدف وتنفذ بأساليب حرفية دقيقة تعكس مهارة الصناع المحليين.
وزينت زوايا الغرفة بالصواني النحاسية الكبيرة المعلقة على الجدران، إضافة إلى الثريات التي كانت تتدلى من السقف.
كما احتوت الجدران على رفوف خشبية تعرف باسم “الكتابي” (جمع كتبية)، تعرض عليها الأواني والصحون النحاسية والفازات والتحف الشرقية المختلفة.
واستمر هذا النمط من التأثيث حتى منتصف ثمانينيات القرن الماضي تقريبًا، عندما بدأت الكنبات الحديثة المنجدة بالإسفنج والمغلفة بالقماش تحل تدريجيًا مكان كنبات الحفر التقليدية.
قنطرة حجرية وسقف خشبي في بيت داراني يعود لعائلة خشيني، تظهر فيها ثريا وأثاث خشبي مزخرف من ملامح العمارة الداخلية التقليدية التي ميزت منازل داريا قبل انتشار البناء الإسمنتي – 2012 (عنب بلدي – جواد شربجي)
غرفة صاحب البيت
بعد غرفة الضيوف مباشرة كانت تقع غرفة صاحب المنزل. وفي بعض البيوت كان يفصل بين الغرفتين ما يعرف باسم “الديوان”.
وروعي في تصميم هذه الغرفة أن تكون بعيدة نسبيًا عن غرف الأبناء لضمان استقلاليتها وخصوصية أصحابها.
وكانت تعد غرفة النوم الرئيسية في المنزل، ولذلك احتوت على أفخر ما تملكه الأسرة من أثاث، فغالبًا ما كانت تؤثث بالأثاث المصنوع من خشب الجوز، وتضم المرآة الطويلة المصدفة والمزينة بالفضة والمطعمة بالعاج، وهي من القطع التي كانت تعد جزءًا أساسيًا من “جهاز العروس” في ذلك الوقت.
خزانة خشبية مزخرفة ومطعمة بالصدف في بيت قديم يعود لعائلة خشيني في داريا القبلية، وتعد من قطع الأثاث التي كانت تزين غرف الضيوف وغرف النوم في البيوت الدارانية التقليدية، وتعكس مهارة الحرفيين في أعمال الحفر والتطعيم الخشبي – 2012 (عنب بلدي – جواد شربجي)
بيت المونة.. مطبخ العام كله
في زاوية أخرى من المنزل كان يقع “بيت المونة”، الذي شكل لسنوات طويلة البديل التقليدي عن المطبخ الحديث.
وقد صمم هذا المكان خصيصًا لتخزين الأغذية والمؤن المنزلية، ولم يكن يحتوي على تمديدات المياه أو المواصفات المعروفة في المطابخ الحديثة.
وكان من أبرز ما يحتويه “الخوابي” الفخارية، وهي أوعية ضخمة تتسع الواحدة منها لأكثر من مئة ليتر، وتستخدم لحفظ زيت الزيتون والسمن البلدي.
كما احتوى على “المغل”، وهو صندوق خشبي ضخم مغلق يصل ارتفاعه إلى نحو مترين ونصف المتر، ويتسع لما يقارب 500 كيلوغرام من القمح.
وكان القمح يعبأ في المغل من الأعلى، ثم يسحب تدريجيًا من فتحة سفلية عند الحاجة إليه أو عند نقله إلى المطحنة.
وضم بيت المونة أيضًا “موقدة” الحطب المجهزة بمدخنة لتصريف الدخان.
لكن وجود الموقد داخل بيت المونة لم يكن قاعدة ثابتة في جميع البيوت، إذ كانت بعض الأسر تكتفي بموقد آخر يقع في فناء المنزل.
واستمر الاعتماد على مواقد الحطب حتى دخول “الببّور” خلال سبعينيات القرن الماضي.
وقد اشتهر في داريا آنذاك محل متخصص بإصلاح “البابورات” قرب مدرسة معن بن زائدة، وكان يعرف باسم “السمكري”.
كما استخدم داخل البيت “الدست”، وهو قدر نحاسي ضخم يشعل الحطب تحته.
وكان يستخدم لتسخين مياه الاستحمام، أو لصناعة “المعّود” (المعقود) بأنواعه المختلفة، أو لتحضير أطعمة تحتاج إلى أوعية واسعة، مثل الشاكرية.
ومن المرافق المهمة أيضًا “النملية”، وهي خزانة خشبية محاطة بالمنخل ومصنوعة بالكامل من الخشب، ومفتوحة من ثلاث جهات بهدف تهوية الطعام اليومي وحمايته من الحشرات.
كما احتوى البيت على “طبق القش”، الذي كان يعلق في سقف “الصوفا”.
والصوفا هي مساحة أو غرفة وسطية صغيرة، مكشوفة السقف جزئيًا أو مسقوفة، وتقع بين غرف الأولاد، وتمتاز ببرودتها النسبية.
وكان طبق القش يستخدم لتجفيف الخضراوات مثل الباذنجان والباميا والكوسا.
كما كانت توضع عليه أحيانًا صوان مليئة بالحليب، ثم تغطى بطبق آخر حتى الصباح، بهدف جمع “القشطة” البلدية المتشكلة على سطح الحليب.
بقايا “بيت المونة” في منزل يعود لعائلة شربجي في داريا الشمالية، وتظهر فيه قنطرة من الطوب اللبن وجدران البناء التقليدي. وكان “بيت المونة” مخصصًا لتخزين المؤن والحبوب والزيت والسمن ضمن البيوت الدارانية القديمة – 2026 (عنب بلدي – سعيد خشفة)
المصنع.. مرفق الماء اليومي
لم تكن أعمال غسل الأواني أو الملابس تتم داخل بيت المونة، بل خصص لها مرفق مستقل عرف باسم “المصنع”.
وكان المصنع عبارة عن حوض يبنى من الحجر أو البلوك، ويوضع في نقطة معزولة وبعيدة عن الغرف وعن بيت المونة.
وكان يتم تمليسه بعناية من الداخل ليصبح صالحًا لتجميع المياه.
ويملأ بالماء وتثبت على جداره السفلي “حنفية” أو صنبور يستخدم لغسيل الأواني المنزلية أو الوضوء الاحتياجات اليومية لأفراد الأسرة.
واستخدم المصنع أيضًا لغسل الأواني والملابس، كما استخدم للوضوء وسائر الاستخدامات المنزلية المرتبطة بالمياه.
بقايا “المصنع” في منزل يعود لعائلة شربجي في داريا الشمالية، ويظهر في المقدمة حوض المياه المخصص لغسيل الأواني والملابس والوضوء، وهو مرفق خدمي كان يبنى في نقطة معزولة عن غرف السكن و”بيت المونة” ضمن البيوت الدارانية التقليدية – 2026 (عنب بلدي – سعيد خشفة)
“بيت المي” والاستحمام
كان المرحاض، أو ما كان يعرف باسم “بيت المي”، يعزل عن بقية مرافق المنزل ويبنى بالقرب من الباب الرئيسي وغرفة الضيوف.
ونظرًا لعدم وجود شبكات صرف صحي عامة في داريا قبل سبعينيات القرن الماضي، كان لكل منزل بئر تصريف مستقلة وعميقة تحفر داخل حدود العقار وتسمى “الجورة الفنية”.
أما الاستحمام فلم يكن يتم داخل حمام مستقل كما هو الحال اليوم، بل كان يجري داخل غرف النوم نفسها، وتحديدًا عند عتبات الغرف.
وقد خصص لهذا الغرض مجرى حجري يبدأ من تحت باب الغرفة ويمتد بشكل مخفي باتجاه الفناء.
وكانت مجاري الغرف المختلفة تتصل ببعضها لتصب في نقطة ترابية بعيدة عن الغرف، بحيث يصعب معرفة الغرفة التي جرى الاستحمام فيها.
ويعكس هذا التصميم بساطة الوسائل المتاحة آنذاك، وقدرة السكان على التكيف مع غياب البنية التحتية الحديثة.
عتبة الغرفة.. مساحة صغيرة بوظائف متعددة
لم يكن باب الغرفة في البيت الداراني القديم يوضع في منتصف الجدار كما هو شائع اليوم، بل كان يصمم في أحد أطراف الغرفة.
وعند الدخول إليها، كان الشخص يصل أولًا إلى ما يعرف باسم “العتبة”، وهي مساحة منخفضة بنحو نصف متر عن مستوى أرضية الغرفة، ويبلغ عرضها نحو متر ونصف المتر تقريبًا.
ولم تكن العتبة مجرد مدخل للغرفة، بل كانت تؤدي وظيفة عملية مهمة. ففي فصل الشتاء، كان يوضع فيها “المنقل”، وهو وعاء حديدي سميك يوضع فيه الجمر لتدفئة الغرفة.
واستمر استخدام المنقل لعقود طويلة قبل أن يبدأ هذا التقليد بالاندثار تدريجيًا بعد سبعينيات القرن الماضي، مع انتشار مدافئ الحطب والمازوت.
أما أرضيات الغرف والعتبات، فكانت تصنع من الإسمنت المملس بعناية.
وفي البيوت الأكثر ثراءً، كانت الأرضيات تكسى ببلاط مصنوع يدويًا ومرسوم يدويًا أيضًا، ما كان يضيف لمسة جمالية مميزة إلى المنزل.
الرفوف الجدارية.. خزائن مفتوحة لذاكرة البيت
اعتمد البيت الداراني على عدد من العناصر المعمارية الداخلية التي لم تعد موجودة في معظم المنازل الحديثة.
ومن أبرز هذه العناصر الرفوف الجدارية الخشبية الممتدة على جانبي الغرفة، وكانت تستغل لعرض “الإشاني” (القيشاني) والأواني النحاسية والصحون والتحف الشرقية المختلفة.
أما في صدر الغرفة، فكان يقع “اليوك” أو “اللّوك”، وهو عبارة عن خزانة جدارية مفتوحة من دون باب، تخصص لحفظ الفرش واللحف والأغطية.
وكان يوضع أمام محتوياتها قماش يغطي ما بداخلها ويحافظ على مظهر الغرفة.
وعلى جانبي اليوك أيضًا كانت توجد رفوف إضافية من نوع “الكتابي”، تعرض عليها الأواني والتحف وأدوات الزينة.
وفوق باب الغرفة مباشرة كانت توجد فتحة جدارية تعرف باسم “المندلون”.
وكان المندلون مؤطرًا بالخشب ومغلقًا بالزجاج من الجهتين، واستخدم بوصفه رفًا داخليًا لحفظ بعض المدخرات المنزلية والأطعمة الجافة، مثل الجوز واللوز والثوم والبصل.
وتعكس هذه العناصر جميعها طبيعة العمارة الداخلية التي سعت إلى الاستفادة من الجدران نفسها بوصفها مساحات للتخزين والعرض، في زمن لم تكن فيه الخزائن الحديثة منتشرة بالشكل المعروف اليوم.
بقايا “اليوك” والرفوف الجدارية (الكتبيات) في إحدى غرف منزل يعود لعائلة شربجي في داريا الشمالية. وكان “اليوك” يستخدم لحفظ الفرش واللحف، بينما تخصص الرفوف الجانبية لعرض الأواني والتحف المنزلية – 2026 (عنب بلدي – سعيد خشفة)
رفوف جدارية جانبية (كتبيات) في منزل يعود لعائلة خشيني في داريا القبلية، كانت تستخدم لعرض الأواني المنزلية والمقتنيات وحفظ بعض الأغراض اليومية – 2012 (عنب بلدي – جواد شربجي)
الأثاث.. بين البساطة والوجاهة
ساد في البيت الداراني القديم ما عرف باسم “المد العربي”، وهو أسلوب تأثيث يعتمد على السجاد والطرّاحات والبسط التقليدية.
ومن أكثر أنواع البسط انتشارًا تلك المصنوعة يدويًا من قصاصات الملابس القديمة التي كانت تقطع وتنسج لتشكل أغطية أرضية متينة ورخيصة الكلفة.
كما استخدمت جلود الخراف بعد تمليحها وتجفيفها ضمن فرش المنزل وأثاثه.
أما البيوت الميسورة الحال، ولا سيما غرف الضيوف فيها، فقد احتوت على مقاعد خشبية فاخرة مصنوعة من خشب الجوز.
وكانت الصواني النحاسية المنقوشة بالآيات القرآنية جزءًا من الزينة الأساسية للغرفة.
كما انتشرت المرايا الطويلة المصدفة والمطعمة بالعاج، والتي كانت تعد من القطع الثمينة في ذلك الوقت.
ومع حلول منتصف ثمانينيات القرن الماضي، بدأت الكنبات المغلفة الحديثة تحل تدريجيًا مكان “كنبات الحفر” التقليدية المصنوعة من الخشب.
خزانة خشبية مكسوة بالمرايا ومطعمة بالصدف داخل منزل يعود لعائلة خشيني في داريا القبلية، وتجمع هذه القطع بين التخزين والزخرفة، واحتلت مكانة بارزة في غرف الضيوف والمجالس إلى جانب السقوف الخشبية والعناصر المعمارية التراثية – 2012 (عنب بلدي – جواد شربجي)
الإنارة قبل الكهرباء
قبل وصول الكهرباء إلى داريا، اعتمد السكان على وسائل إنارة متعددة، شكلت جزءًا أساسيًا من الحياة اليومية.
وكان “الفانوس” المحمول الذي يعمل بالكاز الوسيلة الأكثر انتشارًا للإنارة المتنقلة داخل المنزل وخارجه.
واستخدم الفانوس خلال التنقل بين البيوت والأزقة، وكذلك أثناء “العدّان”، وهو تتبع جريان المياه في قنوات الري خلال الليل. واستمر استخدامه حتى سبعينيات القرن الماضي.
إلى جانب الفانوس، وجدت وسيلة أخرى للإنارة الثابتة داخل الغرف كانت تعرف باسم “الكاز”.
وكان هذا المصباح يشبه الفانوس في آلية عمله، لكنه صمم ليبقى ثابتًا في مكانه، يحتوى فتيلًا من القطن المشبع بالكاز، يمكن رفعه وتنزيله بمفتاح خاص بقوة الإضاءة، كما تحيط به أسطوانة زجاجية لحماية اللهب من الانطفاء.
وظل هذا النوع مستخدمًا في بعض البيوت حتى تسعينيات القرن الماضي بسبب فترات انقطاع الكهرباء الطويلة.
وخلال ثمانينيات القرن الماضي، بدأ انتشار “اللوكس”، الذي يعمل وفق آلية ضغط الكاز.
وكان يحتوي على “قميص” أبيض أو زهري اللون، وهو عبارة عن فتيل قماشي حراري يتوهج بقوة بعد إشعاله، ما يمنحه قدرة على إنتاج ضوء أشد بكثير من وسائل الإنارة التقليدية.
ولأن هذا القميص كان هشًا وسريع التلف، كان اللوكس يوضع في مكان ثابت لتجنب اهتزازه أو تعرضه للكسر.
واستخدم اللوكس في المناسبات الاجتماعية، كما استخدم خلال مواسم حصاد القمح الليلية التي احتاجت إلى إضاءة قوية.
كذلك انتشر ما عرف باسم “بيل الإنارة”، وهو جهاز إنارة يعمل بالبطاريات.
وكان الفلاحون يعتمدون عليه بكثرة أثناء أعمال الري الليلية، ولا سيما خلال “العدّان”، عندما كانوا يروون الأراضي الزراعية ليلًا.
نموذج الفانوس المحمول المستخدم في داريا قديمًا (Canva)
نموذج مصباح الكاز الثابت المستخدم في داريا قديمًا (Canva)
نموذج مصباح اللوكس الذي يعمل بضغط الكازر والمستخدم في داريا قديمًا (Canva)
أكثر من جدران وسقف
تكشف تفاصيل البيت الداراني القديم أن العمارة لم تكن مجرد مسألة بناء، بل كانت انعكاسًا مباشرًا لطبيعة المجتمع الذي عاش داخل هذه البيوت.
فطريقة توزيع الغرف، وموقع غرفة الضيوف، ووجود بيت المونة، والمصنع، واليوك، والمندلون، وحتى شكل السقف ومواد البناء، كلها عناصر ارتبطت بأسلوب حياة كامل ساد في داريا لعقود طويلة.
ومع دخول الإسمنت وأنماط البناء الحديثة، ثم التحولات العمرانية التي شهدتها المدينة خلال العقود اللاحقة، اختفى كثير من هذه التفاصيل أو تراجع حضورها.
وما تزال البيوت الدارانية ما تزال حاضرة في ذاكرة أبناء داريا، بوصفها جزءًا من تاريخ المدينة الاجتماعي والثقافي، وشاهدًا على مرحلة كاملة من حياة أهلها، كانت فيها البيوت أكثر من مجرد أماكن للسكن، بل سجلًا حيًا للعلاقات والعادات والهوية المحلية.