الذكاء الاصطناعي في الحياة اليومية.. أين تنتهي المساعدة ويبدأ الاعتماد؟

سيدة تستخدم إحدى أدوات الذكاء الاصطناعي في مدينة داريا - 12 آب 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

لم تعد الاستعانة بأدوات الذكاء الاصطناعي، وفي مقدمتها “ChatGPT”، مقتصرة على البحث عن معلومة أو إنجاز مهمة دراسية.

فبعض المستخدمين يستعينون بها في مساعدة أبنائهم على حل الواجبات، وآخرون يطرحون عليها أسئلة علمية أو مهنية، بينما وصل استخدامها لدى بعضهم إلى طلب المشورة في مشكلات شخصية عندما لا يجدون شخصًا يثقون به للحديث معه.

لكن سهولة الوصول إلى إجابة خلال ثوانٍ تفتح سؤالًا آخر حول مقدار الثقة التي يمكن منحها لهذه الأدوات، وما إذا كانت تستخدم بوصفها مصدرًا مساعدًا يحتاج إلى التحقق، أم تتحول تدريجيًا إلى بديل عن البحث والتفكير والتواصل مع الآخرين.

واستطلعت عنب بلدي تجارب عدد من المستخدمين من داريا، بينهم طلاب وعاملون في مجالات مختلفة، وتحدثت إلى خبيرة اجتماعية حول حدود استخدام الذكاء الاصطناعي في الدراسة والحياة الشخصية والعلاقات الإنسانية.

وأظهرت المشاركات تفاوتًا في مساحة الاعتماد عليه، فبينما يضع بعض المستخدمين حدودًا تتعلق بالخصوصية ويتحققون من الإجابات عبر مختصين، يتعامل آخرون معه بوصفه طرفًا يمكن الرجوع إليه عند غياب شخص يثقون به.

إجابة سريعة.. لكن هل تكفي؟

تدرس تبارك محمد في معهد تقني هندسي، وتستخدم الذكاء الاصطناعي للحصول على المعلومات ومساعدتها في الدراسة، وتقول إنه سهّل عليها الدراسة بدرجة كبيرة، ويوفر الوقت عندما تواجه سؤالًا لا تعرف إجابته.

لكن ثقتها به تتوقف عند الجانب العلمي، إذ تتجنب مشاركة معلوماتها الخاصة أو استشارته في القضايا الشخصية، بسبب مخاوفها المتعلقة بالخصوصية والبيانات.

أما الصيدلاني علي الناموس، فيستخدم الذكاء الاصطناعي بصورة أساسية لطرح أسئلة علمية، ويرى أن فائدة الإجابة ترتبط بدرجة كبيرة بطريقة صياغة السؤال.

فكلما كان السؤال محددًا وواضحًا، حصل المستخدم، بحسب تجربته، على إجابة أكثر دقة وفائدة، بينما تقود الأسئلة العامة إلى معلومات عامة يعرف بعضها مسبقًا.

ولا يجد جواد تحفة، البالغ من العمر 18 عامًا ويعمل في الأعمال الحرة، الفائدة نفسها، إذ يقدر أن نحو 70% من الإجابات التي يحصل عليها لا تقدم له معلومات مهمة أو جديدة، وإنما تكرر في كثير من الأحيان معلومات عامة يعرفها.

وتستخدم حنان، البالغة من العمر 37 عامًا وتعمل في مجال التعليم، الذكاء الاصطناعي بصورة أوسع، مستفيدة من سهولة الوصول إليه وسرعة الحصول على الإجابة.

كما تستعين به لمساعدة ابنتيها في الدراسة، ولا سيما في مادة اللغة الفرنسية التي تقول إنها لا تتقنها بدرجة كافية.

ولا تتعامل حنان مع جميع الإجابات بوصفها صحيحة، بل تحاول التأكد منها عبر سؤال مختص في المادة عندما يكون ذلك ممكنًا، أما عندما لا تتمكن من الوصول إلى مختص فتعتمد على الإجابة المتاحة أمامها.

عندما يصبح السؤال شخصيًا

يتجاوز استخدام حنان الجانب التعليمي، إذ تلجأ إلى الذكاء الاصطناعي أحيانًا لطلب المشورة في مشكلة شخصية عندما لا تجد شخصًا تثق به لطرحها أمامه.

وتقول إنها اجتماعية ولا تعيش في عزلة عن محيطها، لكنها لا تثق بنوايا جميع من حولها، ولذلك تفضل في بعض الحالات عرض المشكلة على الذكاء الاصطناعي بدل كشف تفاصيلها أمام الآخرين.

ويرى الناموس أن سؤال “ChatGPT” عن مشكلة شخصية يمكن التعامل معه بطريقة مشابهة لسؤال شخص آخر للحصول على رأيه.

فالناس عادة يلجؤون إلى أكثر من شخص عندما تواجههم مشكلة، ويمكن، بحسب رأيه، التعامل مع إجابة الذكاء الاصطناعي بوصفها رأيًا إضافيًا، لا حقيقة نهائية.

لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح هذه الإجابة المصدر الوحيد الذي يعتمد عليه المستخدم، من دون البحث أو سؤال أشخاص آخرين أو محاولة تقييم ما حصل عليه من معلومات.

ويرى الناموس أيضًا أن بعض الأشخاص قد يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مستمعًا عندما لا يجدون من يستمع إليهم، فهو متاح في أي وقت ولا يقاطع المستخدم، ما قد يشجع على الحديث معه لفترات طويلة.

لكنه يصف التعامل معه بوصفه صديقًا بأنه أقرب إلى فكرة “الصديق الوهمي”.

ويربط الناموس هذا الاستخدام بتحولات سبقت ظهور “ChatGPT”، إذ يرى أن الهواتف ووسائل التواصل الاجتماعي أسهمت، في بعض الحالات، في إبعاد الناس عن بعضهم، رغم أنها صممت أساسًا لتسهيل التواصل.

هل تزيد الإجابة الخلاف؟

ترى الخبيرة الاجتماعية بيان كوكي أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي بدل الحديث مع الآخرين أو طلب الدعم منهم قد يسهم في زيادة العزلة الاجتماعية.

وتشير إلى أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي قد تقدم إجابات تؤكد مشاعر المستخدم أو موقفه، ما قد يزيد اقتناعه بأنه على حق، بدل دفعه إلى مراجعة تصرفاته أو النظر إلى المشكلة من زاوية أخرى.

وقد يظهر أثر ذلك، وفق كوكي، في الخلافات الشخصية، عندما يلجأ كل طرف إلى الذكاء الاصطناعي بطريقة تدعم موقفه، ثم يعود إلى الطرف الآخر بإجابة يعتقد أنها تثبت صحة رأيه.

وفي هذه الحالة، قد تصبح الأداة عنصرًا إضافيًا في الخلاف بدل المساعدة على حله.

وتزداد المشكلة عندما تكون الإجابة غير دقيقة أو يتعامل معها المستخدم بوصفها حكمًا نهائيًا، في حين قد يحصل الطرف الآخر على إجابة مختلفة بحسب طريقة طرحه للسؤال أو السياق الذي يقدمه للأداة.

أين تبدأ حدود الخصوصية؟

تكشف تجارب المستخدمين أيضًا تفاوتًا في استعدادهم لمشاركة تفاصيل حياتهم مع الذكاء الاصطناعي.

فتبارك تفصل بين استخدامه في الدراسة وحياتها الخاصة، بينما تلجأ إليه حنان في بعض المشكلات الشخصية عندما تغيب الثقة بالأشخاص المحيطين بها.

وتحذر كوكي من أن سهولة الحديث مع أداة متاحة في أي وقت قد تشجع المستخدم على مشاركة تفاصيل دقيقة عن حياته، بما فيها المشكلات العاطفية والخلافات الأسرية والاحتياجات الشخصية، من دون أن يعرف دائمًا كيفية التعامل مع هذه البيانات أو ما قد يحدث لها.

وبذلك، لا يتعلق سؤال الخصوصية باستخدام الذكاء الاصطناعي من عدمه فقط، وإنما بنوع المعلومات التي يختار المستخدم إدخالها والمساحة التي يمنحها للأداة داخل حياته الشخصية.

هل يصبح بديلًا عن الإنسان؟

تعتقد تبارك أن الذكاء الاصطناعي قد يحل مكان الإنسان في بعض المجالات مع استمرار تطوره، ولا تعارض فكرة الاعتماد عليه بصورة واسعة في التعليم، إذ ترى أنه يمتلك كمية كبيرة من المعلومات وقد يقدم معلومات لا تكون متوفرة لدى المعلم.

لكن الناموس يستبعد أن يتولى الذكاء الاصطناعي تعليم الأطفال بصورة كاملة، لأن المستخدم قد لا يعرف مصدر المعلومات التي يحصل عليها أو كيفية إنتاجها.

ويرى أن الفائدة تتحقق من خلال تعاون الإنسان مع الأداة، مع بقاء الإنسان قادرًا على فهم النتائج وتقييمها.

ويوافقه جواد في استبعاد الاستبدال الكامل، رغم اعتقاده بإمكانية الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في بعض الشركات أو مجالات العمل.

أما كوكي، فترى أن احتمالات الاستبدال تختلف باختلاف المجتمعات وطبيعة الوظائف.

وتشير إلى أن النقاش حول تقليص الحاجة إلى بعض الاختصاصات أصبح أكثر حضورًا في الدول الغربية، بما فيها مجالات التصميم والديكور، إذ تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي تقديم مخطط أو تصور، بينما يتولى الإنسان تنفيذه.

وفي المقابل، تتوقع بقاء التنفيذ البشري حاضرًا بدرجة أكبر في المجتمعات العربية، مع استخدام الذكاء الاصطناعي أداة للاستشارة والمساعدة، لا بديلًا كاملًا عن الإنسان.

إجابات جاهزة ووقت أقل للتفكير

لا تقتصر مخاوف كوكي على العلاقات الاجتماعية، بل تمتد إلى طريقة البحث والتفكير، خصوصًا لدى الطلاب.

وتخشى أن يتجه بعضهم مباشرة إلى أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة الأبحاث أو تحليل الموضوعات، بدل العودة إلى الكتب والمراجع وخوض عملية البحث بأنفسهم.

ولا ترى أن المشكلة تكمن في طرح الأسئلة على “ChatGPT” بحد ذاته، وإنما في تحوله إلى الحل الوحيد لكل سؤال أو مهمة.

فالاعتماد المستمر على إجابات وأفكار جاهزة قد يضعف، بحسب رأيها، قدرة المستخدم على التحليل وإنتاج الأفكار والإبداع.

كما تضع كوكي حدودًا لاستخدام هذه الأدوات في العلاقات الإنسانية والعلاج النفسي والاجتماعي، إذ تستطيع الأداة الاستماع وتقديم إجابات، لكنها، وفق رأيها، لا تمتلك التعاطف الإنساني ولا تفهم المشاعر والسياق بالطريقة التي يقوم عليها عمل الأخصائي النفسي أو الاجتماعي.

وبين الدراسة والبحث والعمل والمشكلات الشخصية، تمنح تجارب من تحدثت إليهم عنب بلدي الذكاء الاصطناعي أدوارًا متفاوتة في حياتهم، ولا يبدو الاختلاف الأساسي في استخدام الأداة، وإنما في المساحة التي يمنحها المستخدم لها.

مقالات ذات صلة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية

قرب وخدمات وعلاقات.. لماذا يستقر بعض أهالي كفرسوسة في داريا؟