سجلت أسعار الذهب مستويات مرتفعة في سوريا خلال آذار 2026، ما انعكس على حركة البيع والشراء في سوق الذهب بمدينة داريا، حيث بات الأهالي يتعاملون مع المعدن الأصفر بوصفه وسيلة لحفظ قيمة المال، أو موردًا اضطراريًا لتغطية احتياجات المعيشة وإعادة إعمار المنازل.
وبلغ سعر غرام الذهب عيار 21 نحو 17250 ليرة سورية جديدة (1,725,000 ليرة قديمة)، أي ما يقارب 147 دولارًا، بينما وصل سعر الغرام من عيار 18 إلى نحو 14800 ليرة سورية جديدة (1,480,000 ليرة قديمة)، أي نحو 126 دولارًا.
في حين سجلت الليرة الذهبية نحو 138 ألف ليرة سورية جديدة (13,800,000 ليرة قديمة)، أي ما يقارب 1176 دولارًا، بحسب صاغة في داريا بتاريخ 5 آذار.
سوق هادئة.. وانتعاش متوقع قبل العيد
داخل محل ناظم الحو للمجوهرات في داريا، يصف الصائغ ربيع الحو حركة السوق بأنها “قليلة نوعًا ما” في الفترة الحالية، لكنه يشير إلى أن النشاط عادة ما يزداد في الأيام العشرة الأخيرة من شهر رمضان، مع اقتراب عيد الفطر وارتفاع عدد المناسبات الاجتماعية.
ويقول الحو في حديثه إلى عنب بلدي إن بعض الأهالي يلجؤون إلى بيع مدخراتهم الذهبية لتأمين تكاليف الإكساء أو إعادة إعمار منازلهم، في حين يتجه آخرون إلى شراء الذهب بهدف الادخار، خصوصًا على شكل ليرات ذهبية أو أونصات أو قطع ذهبية مستعملة.
أما شراء الذهب للزينة، فيبدو أقل حضورًا في السوق مقارنة بالسنوات السابقة. ويضيف الحو أن تجهيزات الزواج تقلصت بشكل ملحوظ، إذ غالبًا ما تقتصر “التلبيسة” على المحبس والساعة فقط، بقيمة تتراوح بين 300 و400 دولار.
عيار 21 الأكثر طلبًا
ورغم توافر عيارات مختلفة في السوق، ما يزال الذهب عيار 21 الأكثر طلبًا بين الأهالي، إذ يعتقد كثيرون أن الذهب عيار 18 قد يسبب خسارة أكبر عند البيع.
لكن الحو أوضح أن هذا الاعتقاد غير دقيق، مشيرًا إلى أن الخسارة لا ترتبط بالعيار بحد ذاته، بل بتكلفة الصياغة التي تضاف إلى سعر القطعة الذهبية، سواء كانت بعيار 18 أو 21، وهي التكلفة التي لا تُسترد عند البيع.
وأشار الحو إلى أن الوضع الاقتصادي في داريا انعكس بوضوح على سوق الذهب، إذ يضع كثير من الأهالي إعادة إعمار منازلهم في مقدمة أولوياتهم بعد سنوات من الدمار، ما يدفع بعضهم إلى بيع مدخراتهم الذهبية لتأمين تكاليف البناء أو الإكساء.
وبحسب صاغة في المدينة، فقد عادت حركة سوق الذهب تدريجيًا خلال السنوات الماضية.
فبعد انتهاء الحملة العسكرية على داريا عام 2019 فتحت بضعة محال للصياغة داخل المدينة، قبل أن يعود عدد من الصاغة، بينهم ناظم الحو وآخرون، إلى مزاولة عملهم في داريا منذ نحو عام عقب سقوط النظام السابق، ما ساهم في تنشيط السوق المحلية مجددًا.
وينصح الحو الأهالي بعدم بيع الذهب إلا في حالات الضرورة القصوى، كما يدعو إلى تحويل الأموال النقدية إلى ذهب بدل الاحتفاظ بها نقدًا، معتبرًا أن الذهب يبقى “أفضل وسيلة لحفظ القيمة”.
الذهب ملاذ آمن
من جهتها، تقول أم آدم، وهي من أهالي داريا، إنها تقصد سوق الذهب أحيانًا للبيع وأحيانًا للشراء، تبعًا لظروف الحياة اليومية أو الطارئة.
وتوضح لعنب بلدي أن ارتفاع سعر الذهب لا يجعلها تتردد في الشراء، بل على العكس، “كلما ارتفع السعر ازداد الإصرار على شرائه”.
وتضيف أن الذهب بالنسبة لها وسيلة آمنة لحفظ المال، قائلة إن هذا الاعتقاد “موجود منذ زمن الأجداد وحتى اليوم”.
غلاء المعيشة يضغط على تجهيزات الزواج
وتشير أم آدم إلى أن الغلاء انعكس بشكل مباشر على تجهيزات الزواج والهدايا، إذ أصبحت التكاليف المرتفعة تدفع كثيرًا من العائلات إلى تقليص مشتريات الذهب.
كما ترى أن انتظار انخفاض الأسعار لم يعد خيارًا واقعيًا، وتقول: “الانتظار حتى تنخفض الأسعار مثل إبرة بنج.. منذ سنوات ونحن ننتظر، لكن الذهب لا يفعل شيئًا سوى الارتفاع”.
وبحسب رأيها، فإن أي شخص قادر على الشراء يفضل أن يشتري اليوم لا غدًا، خاصة الليرات الذهبية أو الأونصات، لأنها الأنسب للادخار على المدى البعيد، وهي نصيحة يسمعها الناس كثيرًا من الصاغة.
مدخرات تباع عند الحاجة
وتقول أم آدم إنها اشترت ليرات ذهبية بهدف الحفاظ على قيمة المال، لكنها اضطرت قبل نحو سنة ونصف إلى بيع بعضها بسبب ظرف صحي طارئ استدعى دخول أحد أفراد العائلة إلى المشفى.
وتضيف أن سعر الليرة الذهبية حينها كان يقارب 400 دولار، بينما يبلغ سعرها اليوم نحو 1176 دولارًا.
وتشير إلى أن هذه التجربة عززت قناعتها بأهمية الذهب، لأنه يحفظ قيمة المال ويسمح بالتصرف به عند الحاجة.
وتظهر مثل هذه الحالات أيضًا في ما يتداول على وسائل التواصل الاجتماعي، إذ تنتشر أحيانًا منشورات لأشخاص يعرضون بيع ليرات ذهبية بسعرها من دون احتساب أجرة الصياغة، بسبب حاجتهم العاجلة إلى المال.
وتعكس هذه المنشورات واقعًا يضطر فيه بعض الناس إلى بيع ما يصفونه بـ“تحويشة العمر” لمواجهة ظروف معيشية أو طارئة.
بين الادخار والضرورة
لم يعد الذهب في داريا مجرد زينة أو جزءًا من تقاليد الزواج، بل أصبح جزءًا من حسابات المعيشة اليومية للأهالي، في مدينة ما تزال تتعافى تدريجيًا من آثار سنوات الحرب.
فمع ارتفاع الأسعار وتقلب قيمة العملة، يتعامل كثيرون مع المعدن الأصفر بوصفه وسيلة لحفظ ما تبقى من قيمة المال.
وبين من يشتري الليرات الذهبية ادخارًا للمستقبل، ومن يضطر إلى بيعها لتغطية نفقات طارئة أو للإسهام في ترميم منزل تضرر خلال الحرب، يبقى الذهب حاضرًا في حياة السكان كخيارين متناقضين في الوقت نفسه: أداة ادخار تمنح شعورًا بالأمان، وموردًا أخيرًا يلجأ إليه عندما تضيق الخيارات المعيشية.