يسعر حسن الحلاق السلع في محله بداريا بالليرة السورية الجديدة، لكن بعض زبائنه ما زالوا يطلبون منه إعادة السعر بالأرقام التي اعتادوا استخدامها قبل حذف صفرين من العملة.
قد يخبر الحلاق زبونًا بأن سعر سلعة 35 ليرة، فيعيد الزبون السؤال: «يعني 3500 بالقديم؟».
وفي محلات أخرى، بقيت على بعض السلع أسعار مكتوبة بالعملة القديمة، بينما ينطق البائع قيمتها الجديدة عند البيع.
وبعد نحو تسعة أشهر من بدء استبدال العملة السورية، لم تعد الأوراق القديمة صالحة قانونيًا للدفع منذ نهاية تموز الماضي، لكن أرقامها ما تزال حاضرة في التعاملات اليومية التي رصدتها عنب بلدي في داريا.
ففي المحلات والأسواق ووسائل النقل، ما يزال بعض الأشخاص ينطقون الأسعار بالقيمة القديمة، ويحول آخرون الرقم الجديد إلى القديم قبل الدفع، بينما تظهر مشكلة مختلفة عند الحاجة إلى فئات صغيرة لإتمام مبالغ لا تتوافق مع الأوراق المتوافرة.
وكانت سوريا بدأت في 1 من كانون الثاني 2026 استبدال العملة بعد حذف صفرين من قيمتها الاسمية، فأصبحت كل 100 ليرة قديمة تعادل ليرة واحدة جديدة. وحدد المرسوم رقم 293 لعام 2025 فئات العملة الجديدة من ليرة واحدة حتى ألف ليرة، وأكد أن حذف الصفرين لا يغير الحقوق والالتزامات المالية، بل يعيد التعبير عنها بأرقام أصغر.
«يعني أديش بالقديم؟»
يقول حسن الحلاق لعنب بلدي إن الأسعار في متجره أصبحت بالعملة الجديدة، لكن بعض الزبائن لا يكتفون بسماع الرقم الجديد، ويطلبون معرفة قيمته بالطريقة السابقة.
ويرى أن المشكلة لم تعد في معرفة قاعدة حذف الصفرين بقدر ما هي في الاعتياد على الأرقام، فالزبون قد يفهم أن 35 ليرة جديدة تعادل 3600 ليرة قديمة، لكنه يعيد التحويل ذهنيًا إلى الرقم الذي اعتاد عليه حتى يستوعب قيمة السلعة.
ويلاحظ وليد شوقل، صاحب متجر خضروات، الأمر نفسه، ويقول لعنب بلدي إن أرقام العملة القديمة ما تزال مستخدمة في الحديث اليومي، فقد يقال «عشرة آلاف» بدل 100 ليرة جديدة، أو «2500» بدل 25 ليرة.
ومع المبالغ الأكبر، يحتاج بعض المتعاملين، بحسب شوقل، إلى وقت إضافي لاستيعاب الرقم عند قبض المال أو دفعه.
ويقول إن العملة الجديدة أصبحت مألوفة في البيع والشراء، لكن التعامل السريع مع جميع فئاتها يحتاج إلى مزيد من الوقت، ولا سيما فئة 500 ليرة.
فمعرفة أن كل 100 ليرة قديمة أصبحت ليرة جديدة أمر، واستخدام الأرقام والفئات الجديدة تلقائيًا خلال عشرات عمليات البيع والشراء اليومية أمر آخر.
السعر بالقديم والبيع بالجديد
الالتباس لا يأتي دائمًا من طريقة حديث الزبون، فبعض الأسعار المكتوبة على السلع قديمة ولم تتغير بعد.
يقول محمود أبو محيي الدين لعنب بلدي إن بعض السلع ما تزال تحمل أسعارًا بالعملة القديمة، بينما يذكر البائع قيمتها الجديدة، وقد يقرأ المشتري على سلعة سعرًا قدره 2500 ليرة، ثم يسمع من البائع أنها بـ25 ليرة.
القيمتان متساويتان وفق معيار الاستبدال، لكن استخدام طريقتين مختلفتين لعرض السعر يدفع بعض المشترين إلى السؤال مجددًا قبل الدفع.
وكان المرسوم الذي أطلق العملة الجديدة ألزم الجهات العامة والخاصة، خلال فترة تداول العملتين معًا، بعرض المبالغ بالعملتين القديمة والجديدة.
كما أكد مصرف سوريا المركزي عند بدء الاستبدال أن حذف الصفرين لا يعني تخفيض قيمة الأموال أو القدرة الشرائية، وإنما إعادة التعبير عن القيم النقدية وفق معيار 100 ليرة قديمة مقابل ليرة جديدة واحدة.
لكن فترة تداول العملتين انتهت لاحقًاK وأعلن المصرف المركزي أن الأوراق القديمة فقدت قوتها الإبرائية اعتبارًا من 31 من تموز، وأن المقصود بالليرة السورية في القرارات والتعليمات والتعاملات الرسمية منذ ذلك التاريخ هو الليرة الجديدة.
وبذلك لم يعد الرقم القديم مستخدمًا رسميًا في التعاملات الحالية، حتى وإن بقي حاضرًا في كلام بعض البائعين والزبائن أو على بطاقات أسعار لم تُعدل.
وحيد عليان يصف هذه المرحلة لعنب بلدي بأنها ما تزال تحمل شيئًا من «اللبكة»، إذ يحتاج بعض الزبائن إلى التأكد مما إذا كان الرقم الذي يسمعونه بالقيمة الجديدة أم القديمة.
ويتذكر زبونًا سمع أن حسابه «25»، وفهم أن المقصود 25 ليرة جديدة، بينما كان البائع يقصد 25 ألف ليرة بالقيمة القديمة، أي 250 ليرة جديدة.
وبحسب عليان، كان الزبون معتادًا على طريقة سابقة في نطق الأسعار تعتمد على ذكر الرقم مختصرًا وفهم الأصفار ضمنًا، فتلقى الرقم بالطريقة التي اعتادها قبل أن يتضح المقصود.
يتحدث بالقديم ويدفع بالجديد
في متجر «عصرونية الأحمر»، يلاحظ مالكه عبادة الأحمر نمطًا آخر، فالزبون يتحدث بالقيمة القديمة، ثم يخرج من محفظته العملة الجديدة ويدفع بها.
ويقول الأحمر لعنب بلدي إن معظم زبائنه يعرفون كيفية التحويل بين القيمتين، لكن الأرقام الجديدة لم تدخل حديث الجميع بالسرعة نفسها التي دخلت بها الأوراق الجديدة إلى محافظهم.
كما يلاحظ اختلافًا بين بعض سكان المنطقة الذين ما زالوا يستخدمون الأرقام القديمة في كلامهم، وآخرين قدموا من خارجها ويذكرون القيمة الجديدة مباشرة.
وقد تجتمع الطريقتان في عملية شراء واحدة، عندما يكون السعر القديم ما يزال مكتوبًا على السلعة، وينطق البائع قيمته الجديدة، ثم يعيد المشتري تحويل الرقم قبل الدفع.
وبالنسبة إلى المتعاملين الذين تحدثوا إلى عنب بلدي، لا يتعلق الأمر بتغير قيمة السلعة نفسها، بل بالطريقة التي اعتادوا التعبير بها عن هذه القيمة طوال سنوات.
الفراطة مشكلة أخرى
في وسائل النقل، لا تقتصر الصعوبة على الاعتياد على الأرقام الجديدة، إذ تظهر مشكلة أخرى عندما لا تتوافر الفئة اللازمة لإتمام الأجرة.
يقول سائق السرفيس مصطفى السمان لعنب بلدي إن نقص بعض الفئات، وخصوصًا فئة 5 ليرات، يجعل إعادة الباقي أكثر صعوبة في بعض الرحلات.
ويعطي مثالًا بأجرة مقدارها 35 ليرة (ما يعادل 3500 ليرة قديمة)، إذ يتطلب دفعها أو إعادة الباقي بدقة وجود فئة 5 ليرات، وهي فئة غير متوفرة بين أيدي الناس.
وكان مصرف سوريا المركزي قال، في مطلع آب، إنه يواصل تقييم احتياجات التداول النقدي واتخاذ الإجراءات اللازمة لتأمين احتياجات السوق من الفئات النقدية، وذلك بعد إعلان وصول نسبة استبدال العملة القديمة، وفق تقديراته الأولية، إلى أكثر من 95% من الكتلة النقدية.
ويرى محمد مطر، من جهته، أن الأرقام الجديدة أسهل في التداول، وأن حذف الصفرين اختصر القيم التي كان الناس يضطرون إلى استخدامها في تعاملاتهم اليومية.
لكن بعد خروج الأوراق القديمة من التداول، بقيت أرقامها مستخدمة لدى بعض المتعاملين في داريا، زبون يسأل عن السعر «بالقديم»، وآخر يحول الرقم قبل أن يدفع، وبائع ينطق القيمة التي اعتادها ثم يقبض ثمنها بالعملة الجديدة.