العودة إلى داريا بعد اللجوء.. شباب يواجهون مدينة تغيرت وحياة تبدأ من الصفر

شباب يواجهون مدينة تغيرت وحياة تبدأ من الصفر - آذار 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

لم تكن العودة إلى داريا، بالنسبة إلى بعض أبنائها بعد سنوات اللجوء، نهاية واضحة للغربة بقدر ما بدت بداية مواجهة جديدة مع مدينة تغيّرت، وحياة تحتاج إلى إعادة ترتيب من الصفر.

فالشبان الذين خرجوا أطفالًا أو في سن مبكرة لا يعودون اليوم إلى المكان نفسه الذي غادروه، بل إلى واقع يفرض عليهم أسئلة العمل والتعليم والعلاقات والاستقرار.

وبين تجربة شاب يحاول تثبيت نفسه مهنيًا، وفتاة تسعى إلى استكمال دراستها بعد سنوات من الغياب، تظهر ملامح جيل يعود إلى داريا وهو يحمل ذاكرة ثقيلة، ويصطدم بواقع أكثر تعقيدًا مما تخيله.

بين ذاكرة الطفولة ومدينة تبدلت ملامحها

خرج محمد خولاني (21 عامًا) من داريا وهو في الثامنة من عمره، متجهًا مع عائلته إلى مصر ثم إلى الإمارات.

ما بقي راسخًا في ذاكرته من لحظة الخروج لم يكن السفر نفسه، بل محاولة جهة أمنية اعتقال والده قبل المغادرة، قبل أن يتركوه في اللحظة الأخيرة ويلتحق بالعائلة.

يقول محمد إن النزوح غير شخصيته مبكرًا، فالطفل الذي عاش القصف وشهد الاعتقالات والقتل لا يمكن، برأيه، أن يبقى كما كان.

ويصف نفسه بأنه صار أقوى، لكن هذه القوة لم تولد في ظروف طبيعية، بل جاءت من الخوف والضغط وما فرضته التجربة من قسوة في سن صغيرة.

عاد محمد إلى داريا في زيارة عام 2022، وكانت الصدمة، كما يصفها، كبيرة.

فالمدينة التي احتفظ بها في ذاكرته لم يجدها كما هي، وحجم الدمار بدا أكبر من قدرته على التوفيق بين ما يتذكره وما يراه. ويقول إن الفجوة بين الصورة القديمة والواقع كانت واسعة جدًا.

وعندما عاد مرة أخرى عام 2025، وجد أن المشهد أصبح أقل قسوة، مع تحسن نسبي وعودة بعض مظاهر الحياة. كما خفف لقاء الأقارب من وطأة الغربة، وأعاد إليه شيئًا من الألفة.

ويوضح محمد أن ما وجده في داريا لا يرتبط بالمكان فقط، بل بطبيعة العلاقات أيضًا، فالإحساس بالتقارب الاجتماعي، كما يراه، مختلف عما عرفه في الخارج. وبينما يتحدث عن صداقات قريبة كونها في مصر، يقول إنه لم يجد في الإمارات روابط مشابهة، ويختصر الفرق بقوله: “القلوب هنا ألين”.

استقرار مهني يصطدم بضعف الأجور

أنهى محمد دراسته الثانوية في مصر، وحصل على شهادة البكالوريا، ويخطط للتسجيل في الجامعة العام المقبل لدراسة الهندسة الكهربائية.

وحتى ذلك الحين، يعمل فني كهرباء في محال عائلته في داريا، وينفذ ورشات في معامل ومزارع وشقق سكنية.

لا يرى محمد أن المشكلة الأساسية تكمن في غياب العمل، بل في تدني الأجور وطبيعة السوق. وبرأيه، فالفرص موجودة، لكن الدخل منخفض جدًا ولا يتناسب مع حجم الجهد المبذول.

كما أن بعض الجهات التي يتعامل معها لا تقبل بالمبالغ التي يطلبها لقاء خدماته، في حين يواجه اقتراحه بتنظيم العلاقة عبر عقود عمل بالرفض غالبًا، لأن هذا النمط غير شائع محليًا، بخلاف ما اعتاده في الخارج.

ويقول إن هذا ما يدفعه أحيانًا إلى تفضيل العمل مع جهات رسمية حين تتاح الفرصة.

ويستدل على ضعف الأجور بما أخبره به صديقه، الذي قال إن أجره يبلغ نحو 100 دولار شهريًا مقابل عمله في مطعم، وهو مبلغ يراه محمد زهيدًا جدًا قياسًا بحجم الجهد المطلوب.

ولا يختصر محمد خسارات اللجوء بالمكان وحده، فقد خسر أصدقاءه في مصر، ولم يعد قريبًا منهم، كما لم يجد في داريا من أصدقاء طفولته سوى بعض أقربائه.

ومع الوقت، تغيرت نظرته إلى العلاقات بين الناس، خاصة بعد ما شاهده من عنصرية تجاه السوريين في الخارج، على حد قوله.

ورغم ذلك، لا يبدو الشاب راغبًا في تكرار تجربة الهجرة. ويقول إنه لا يفكر في مغادرة داريا مرة أخرى، وإن حدث ذلك فسيكون في إطار زيارة فقط.

ويقر بوجود مشكلات واضحة، من بينها ارتفاع إيجارات المحال وضعف الاتصالات مقارنة بالخارج، لكنه يقول إنه يشعر اليوم بقدر من الاستقرار في عمله،

ويطمح محمد إلى تكوين أسرة، ويرى أن المدينة تتحسن تدريجيًا، وأنها قد تصبح أفضل “بهمة أهلها” إذا استمر الوضع على ما هو عليه.

تعليم معلق بعد سنوات الغربة

في تجربة أخرى من الجيل نفسه، تروي سديل جوخة (18 عامًا) جانبًا مختلفًا من صعوبة العودة.

خرجت الفتاة من داريا إلى لبنان وهي في السادسة من عمرها تحت القصف، فيما بقي والدها في المدينة. وتقول إنها كانت خائفة جدًا، وأصيبت بوعكة صحية بعد السفر بسبب المشاعر السلبية التي رافقتها في تلك المرحلة.

كبرت سديل في لبنان، وهناك تشكلت سنواتها الدراسية والاجتماعية، لذلك لم تكن العودة إلى داريا عودة سهلة أو مستقرة.

كانت تريد العودة إلى بلدها، لكنها لم تكن مستعدة في الوقت نفسه لترك أصدقائها وذكرياتها هناك، كما كانت ترغب في التعرف إلى أقاربها الذين لم تعرفهم بسبب خروجها المبكر.

وتقول إن التعليم هو أكثر ما يربكها اليوم، فقد تابعت دراستها في لبنان باللغة الإنجليزية، وعندما عادت وجدت نفسها أمام منهاج مختلف ومسار دراسي معقد.

لم تتمكن من التسجيل مباشرة في المدارس، وتحتاج إلى الالتحاق بمعهد خاص لاستكمال مراحل دراسية سابقة، في وقت كانت تتخيل فيه أنها تستعد للجامعة، لا لإعادة اجتياز مراحل يفترض أنها تجاوزتها.

وتضيف أن عائلتها غير قادرة ماديًا على تحمل كلفة معهد خاص، خاصة مع الأعباء التي ترتبت على العودة حديثًا، إلى جانب صعوبة دراسة المنهاج السوري بعد سنوات من الدراسة باللغة الإنجليزية.

ويزيد من قلقها، كما تقول، ما تراه من صعوبة في الوصول إلى الفروع الجامعية التي يرغب بها الطلاب بسبب ارتفاع معدلات القبول، بعدما رأت أقارب لها لم يتمكنوا من دخول التخصصات التي أرادوها.

ومع ذلك، تؤكد أنها مصرة على متابعة تعليمها والوصول إلى الفرع الذي ترغب به.

وبالنسبة إليها، لا يبدو التعثر الدراسي تفصيلًا عابرًا، بل أحد أكثر وجوه العودة ثقلًا وإيلامًا.

غربة في الشارع وبين الناس

تتحدث سديل عن شعور أوسع بالاغتراب، وتقول إن شوارع داريا تغيرت إلى درجة أنها قد تضل طريقها أحيانًا، وإن أكثر ما صدمها كان حجم الدمار، خاصة حين ذهبت لرؤية منزل جدها فوجدته مدمرًا.

ولا يقتصر الأمر على المكان، فسديل عادت أيضًا إلى مجتمع لم تتح لها الفرصة أصلًا للتعرف إليه.

لم تكن تعرف معظم أقاربها بسبب خروجها المبكر، حتى بنات خالاتها، كما أنها لم تتعرف على بعض أصدقائها في داريا إلا بعدما عرفوا أنفسهم لها.

وبالنسبة إليها، لم تكن العودة إلى المدينة استعادة لعالم قديم، بقدر ما كانت دخولًا متأخرًا إلى عالم كان يفترض أن تعرفه منذ سنوات.

ولا تزال سديل على تواصل مع بعض أصدقائها في لبنان، فيما خسرت آخرين مع مرور الوقت.

وتوضح أن تجربة اللجوء غيرت طريقة تفكيرها، خاصة بعد خسارتها سنوات دراسية في البداية، وتقول إنها كانت في السابق تضغط على أهلها للعودة إلى سوريا كي تكمل تعليمها، لكنها باتت اليوم تتمنى أحيانًا العودة إلى لبنان، لأن المشاعر التي تعيشها الآن تذكرها بتلك التي شعرت بها عند وصولها إلى لبنان طفلة للمرة الأولى.

وتقول سديل إنها لا تشعر بالاستقرار الكامل، وترى أن ذلك يحتاج إلى امتلاك منزل وتحسن الخدمات العامة.

كما تعتقد أن الحرب لم تنته بشكل كامل، وتتمنى السفر إلى حين استقرار الأوضاع نهائيًا ثم العودة.

ومع ذلك، تؤمن أن إعمار البلد مسؤولية تقع على شبابه، وتتخيل داريا بعد خمس سنوات مدينة متعافية عاد إليها أهلها.

العودة وحدها لا تكفي

تكشف شهادتا محمد وسديل أن العودة إلى داريا لا تكتمل بمجرد الوصول إليها.

فبعد الرجوع تبدأ مواجهة أكثر صعوبة، تتصل بالبحث عن عمل يضمن حدًا أدنى من الاستقرار، ومحاولة متابعة التعليم رغم اختلاف المناهج وضعف القدرة المادية، إلى جانب ترميم علاقة انقطعت لسنوات مع مدينة تبدلت، ومع ناس تغيروا هم أيضًا، أو لم تكن هناك أصلًا فرصة كافية للتعرف إليهم.

وبين محمد الذي يحاول تثبيت نفسه في سوق عمل ضعيف الأجر، وسديل التي تصطدم بتعقيدات الدراسة وكلفتها، يظهر جانب من حال جيل عاد إلى داريا وهو يحمل رغبة واضحة في الاستقرار، لكنه يكتشف أن العودة وحدها لا تكفي.

فالعودة إلى المدينة ممكنة، أما بناء حياة مستقرة فيها فما يزال مهمة أصعب.

مقالات ذات صلة

المفاضلة تفتح باب الاختيار.. طالبات في داريا يتحدثن عن دور أسرهن في رغباتهن

دفتر النقوط في داريا.. هدايا المناسبات تحفظ بالأسماء وترد بزيادة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا