تعاني مدارس في مدينة داريا خلال العام الدراسي 2025-2026 ضعفًا في توفر الوسائل التعليمية داخل الصفوف، وسط تفاوت بين مدرسة وأخرى في وجود أجهزة العرض والمخابر والمكتبات، بحسب رصد ميداني أجرته عنب بلدي وشهادات لطلاب وأهالٍ ومسؤولين تربويين.
ويقول متحدثون لعنب بلدي إن هذا النقص ينعكس على فهم بعض المواد التي تحتاج إلى شرح عملي أو بصري، خاصة في المرحلتين الإعدادية والثانوية.
ولا تبدو الصورة موحدة في جميع مدارس المدينة، إذ تشير الشهادات إلى توفر جزئي لوسائل الإيضاح في بعض المدارس والمعاهد، مقابل غيابها شبه الكامل في مدارس أخرى.
كما يربط معنيون بالشأن التربوي هذا الواقع بمحدودية الإمكانات، وعدم تجهيز بعض الأبنية المدرسية بالمخابر أو القاعات المناسبة.
وسائل التعليم بين الحاجة والواقع
تعد الوسائل التعليمية من الأدوات التي تساعد الطلاب على فهم المواد الدراسية بصورة أوضح، ولا سيما تلك التي تحتاج إلى شرح عملي أو أمثلة بصرية.
كما تسهم، بحسب شهادات حصلت عليها عنب بلدي، في تنشيط التفاعل داخل الصف وتخفيف الاعتماد على أساليب الشرح التقليدية.
وقال نبيل رهواني، وهو طالب في البكالوريا العلمي في ثانوية الغوطة الغربية، لعنب بلدي، إن التحضير الدراسي يسير بشكل جيد في مدرسته، موضحًا أنها تضم مخبرًا وشاشة وجهاز عرض تستخدم في شرح بعض الدروس.
وأضاف أن المدرسة تحتوي أيضًا على خرائط ومجسمات لمادة العلوم، إلى جانب مكتبة متاحة للطلاب، لكنه أشار إلى أن الكتب والموضوعات فيها ما تزال محدودة.
وأكدت مديرة ثانوية الغوطة الغربية أن المدرسة تضم وسائل تعليمية حديثة، بينها جهاز عرض وقاعة مجهزة بشاشة عرض ذكية، جرى تجهيزها بدعم من إحدى المؤسسات التنموية، وتستخدم في شرح بعض المواد العلمية.
وأضافت أن هذا الدعم أسهم في توفير تجهيزات لا تتوافر بالقدر نفسه في كثير من مدارس داريا، إلى جانب مخبر مدرسي ولوحات تعليمية ومكتبة متاحة للطلاب، إلا أن المكتبة ما تزال بحاجة إلى مزيد من الكتب وتنوع أكبر في موضوعاتها.
وسائل بدائية وتفاوت في التجهيز
بحسب رصد عنب بلدي لعدد من مدارس داريا، تبدو الوسائل التعليمية في معظمها محدودة وبسيطة، وتميل في كثير من الحالات إلى الطابع البدائي أكثر من كونها تجهيزات حديثة ومتكاملة.
ففي بعض المدارس، تقتصر الوسائل على لوحات تعليمية مرسومة يدويًا ومثبتة على الألواح أو الجدران. وتشمل هذه اللوحات رسومات تشريحية وعلمية أُعدت بجهد محلي، من دون وجود تجهيزات عرض أو مخابر متكاملة.
كما تظهر في الثانوية الشرعية مكتبة نصف فارغة، تضم عددًا محدودًا من الكتب والدفاتر. ويعكس ذلك ضعف المحتوى القرائي المتاح للطلاب.
وحتى في ثانوية الغوطة الغربية، التي تبدو أفضل من غيرها نسبيًا بسبب الدعم الذي حصلت عليه، فإن المشاهدات لا توحي ببيئة حديثة فعلًا.
إذ تظهر فيها رفوف ووسائل بسيطة، ومكتبة ملونة لكنها محدودة ومتناثرة المحتوى، إلى جانب مخبر يضم أدوات ومجسمات ولوحات تعليمية أكثر تنظيمًا من مدارس أخرى.
ومع ذلك، تبقى هذه التجهيزات أقرب إلى أدوات أساسية ومحاولات تحسين جزئية، لا إلى بنية تعليمية متطورة.
وتلفت شفاء، وهي والدة طالبة في الثانوية الشرعية، إلى الدور الذي تؤديه الوسائل التعليمية في تحسين فهم الطالبات للدروس، موضحة أن وجودها يخلق تفاعلًا داخل الصف ويساعد على إيصال المعلومات بطريقة أسرع وأبسط.
وتضيف أن مدرسة ابنتها تضم جهاز عرض ومكتبة وبعض اللوحات التعليمية، لكنها ما تزال تفتقر إلى وسائل أكثر حداثة، رغم أنها تبقى، من وجهة نظرها، أفضل من مدارس أخرى في هذا الجانب.
تفاوت بين المدارس
في مدارس حكومية أخرى، تبدو الصورة أقل تجهيزًا.
وتقول تقى كناكرية، وهي طالبة في الصف الحادي عشر في الثانوية العامة للبنات، إن المدرسة لا تضم وسائل تعليمية أو مجسمات، مشيرة إلى وجود مكتبة مخصصة للقراءة فقط.
وفي مدرسة الحكمة للبنات، تنقل غادة كساح، وهي والدة طالبة، صورة مشابهة، إذ تقول إن المدرسة لا تستخدم وسائل الإيضاح بالقدر المطلوب، وإن متابعة الدراسة تبقى معتمدة بدرجة كبيرة على الأهل، في ظل حاجة الطالبات إلى وسائل تساعدهن على استيعاب المعلومات ورفع مستوى التحصيل العلمي.
وتعكس هذه الشهادات تفاوتًا في واقع المدارس داخل داريا، سواء من حيث التجهيزات الأساسية أو من حيث تفعيل ما هو متوفر منها. كما تشير إلى أن الحديث عن الوسائل التعليمية في المدينة لا يمكن تعميمه بصيغة واحدة، بل يرتبط بإمكانات كل مدرسة، وطبيعة المبنى، ومستوى الدعم الذي تلقته.
المعاهد الخاصة أفضل تجهيزًا
في شهادة مختلفة عن واقع بعض المدارس، قالت دانا قريطم، وهي طالبة بكالوريا في معهد السعادة، إن الوسائل المستخدمة في المعهد “ممتازة جدًا”، موضحة أن جهاز العرض والمخبر يساعدان طلاب الشهادة على فهم المعلومات بشكل أفضل، وعلى الحفظ بصورة أسرع، ما ينعكس على التحصيل والعلامات في الامتحانات.
وأضافت أن الفرق يبدو واضحًا إذا ما قورن ذلك بالمدارس التي درست فيها سابقًا، إذ كانت وسائل التعليم فيها شبه غائبة أو محدودة جدًا. وتفتح هذه الشهادة باب المقارنة بين المعاهد الخاصة وبعض المدارس الحكومية، من حيث قدرة كل جهة على تأمين أدوات الشرح الحديثة أو تخصيص مساحة أفضل للعملية التعليمية.
نقص الإمكانات يفسر المشكلة
يرتبط ضعف الوسائل التعليمية في عدد من مدارس داريا، وفق شهادات حصلت عليها عنب بلدي، بمحدودية الإمكانات المتاحة، إلى جانب غياب التجهيز المسبق لبعض الأبنية المدرسية، سواء من حيث المخابر أو القاعات المخصصة للشرح العملي.
وفي هذا السياق، يقول محمد دغموش، وهو طالب في الصف التاسع، إن مدرسته الشرعية تفتقر إلى مخبر وجهاز عرض يساعدان في شرح المواد الدراسية، ما يجعل بعض الدروس أكثر صعوبة بالنسبة إلى الطلاب، خاصة حين تكون المادة بحاجة إلى تطبيق أو مشاهدة مباشرة.
وتتكرر الملاحظة نفسها لدى بعض مديري المدارس في داريا، الذين أشاروا إلى أن الوسائل التعليمية غير موجودة في أغلب المدارس، وأن المدارس تعاني عمومًا نقصًا في الإمكانات والتجهيزات.
وأوضح بعضهم أن بعض المدارس لا تضم سوى جهاز عرض واحد جرى توزيعه سابقًا من قبل مؤسسة “غراس”، فيما تفتقر مدارس أخرى إلى مخبر أو قاعة مطالعة، بل وحتى إلى مكاتب إدارية مناسبة.
وتظهر هذه الإفادات أن النقص لا يقتصر على الوسائل التعليمية الحديثة فقط، بل يمتد في بعض الحالات إلى البنية المدرسية الأساسية، بما يحد من قدرة المدارس على توفير بيئة تعليمية أكثر تكاملًا.
تجهيزات موزعة لكن الحاجة أكبر
من جهته، قال عامر شماشان، مدير المجمع التربوي في الغوطة الغربية، لعنب بلدي، إنه جرى في بداية العام الدراسي توزيع أجهزة لابتوب وأجهزة عرض على جميع مدارس داريا، بالتعاون مع مؤسسة “غراس” التنموية.
وأضاف أن بعض المدارس الجديدة التي افتتحت مؤخرًا لم تحصل على أجهزة عرض حتى الآن، لأنها مدارس حديثة العهد، وذكر منها مدارس “محمد سعيد الشيخ خليل” و”داريا المحدثة الغربية بنين” و”رواد المستقبل”.
وتوضح هذه الإفادة أن جزءًا من الوسائل جرى تأمينه بالفعل، لكن ذلك لم ينهِ المشكلة بصورة كاملة، إما بسبب حداثة بعض المدارس، أو بسبب اتساع الحاجة مقارنة بما هو متوفر. كما أن وجود الجهاز بحد ذاته لا يعني بالضرورة اكتمال البيئة التعليمية المطلوبة، ما لم يترافق مع مخابر وقاعات وتجهيزات مساندة.