تفرض المقاهي حضورها في داريا خلال الفترة الأخيرة، مع افتتاح مشاريع جديدة أو التحضير لأخرى، في مشهد يعكس عودة الحركة إلى المدينة وتبدلًا تدريجيًا في تفاصيل الحياة اليومية فيها.
فبعد سنوات لم يكن هذا النوع من الأماكن حاضرًا فيها إلا بشكل محدود جدًا، بدأت المقاهي تجد لنفسها موقعًا أوضح داخل السوق المحلية، مدفوعة بتغير حاجات السكان، ولا سيما الشباب والعائلات، إلى أماكن للقاء والراحة، وأحيانًا للدراسة أو العمل.
ولم تكن المقاهي سابقًا جزءًا واضحًا من المشهد المحلي في داريا، سواء بسبب طبيعة المدينة أو الظروف التي مرت بها.
كما أن هذا النوع من المشاريع كان ينظر إليه أحيانًا بوصفه أمرًا ثانويًا أو غير ضروري.
لكن عودة السكان تدريجيًا، وتحسن الحركة في بعض الأحياء، فتحا المجال أمام مشاريع جديدة تحاول الاستفادة من هذا التحول، وتقديم مساحات باتت تجد لنفسها حضورًا أوسع في المدينة.
مخاطرة مبكرة وسوق تتشكل
ضمن هذه التجارب، افتتح أنس حليوا مقهى “ع مزاجك” بعد تحسن الأوضاع في داريا وعودة النشاط إلى شوارعها، رغم عدم امتلاكه تجربة سابقة مباشرة في هذا المجال.
واعتمد في خطوته على خبرة بسيطة تعرف إليها خلال فترة إقامته في دمشق بعد النزوح، عبر أصدقاء يعملون في هذا القطاع، قبل أن يقرر خوض التجربة داخل مدينته.
ولم تكن الخطوة مضمونة، لأن المقاهي لم تكن منتشرة في داريا، كما أن بعض الناس كانوا ينظرون إليها بوصفها مضيعة للوقت أو مشروعًا غير أساسي.
لكن الإقبال، وفق تجربته، تحسن تدريجيًا مع مرور الوقت، وباتت الفترة المسائية أكثر نشاطًا من الصباحية، خاصة بعد انتهاء الناس من أعمالهم، فيما ترتفع الحركة في عطلة نهاية الأسبوع إلى حد تصبح معه الحجوزات شبه ممتلئة.
وبلغت تكلفة المشروع نحو 16 ألف دولار، ويصف صاحبه النتائج اليوم بأنها جيدة ومربحة، رغم وجود منافسة بين عدة مقاهٍ في المدينة، إذ يرى أن لكل مكان جمهوره الخاص.
ولا يقتصر نشاط “ع مزاجك” على المشروبات والأراكيل، بل خصص أيضًا فترة صباحية للدراسة من الساعة العاشرة حتى الثالثة من دون أراكيل، بنظام دفع على الساعة تصل تكلفته إلى نحو 3000 ليرة في حال عدم الطلب.
وبحسب صاحب المقهى، لا يرتبط تكرار الزيارة فقط بما يقدمه المكان من خدمات، بل أيضًا بالأجواء التي يحاول توفيرها وطريقة التعامل مع الزبائن، إلى جانب مراعاة بعض الظروف المعيشية عبر التسهيل في الدفع عند الحاجة.
لكن التحديات لا تتوقف عند الإقبال أو المنافسة، إذ يبرز موضوع الأراكيل مع صغار السن بوصفه من أكثر المسائل الحساسة، في ظل محاولات بعض الزبائن دون السن القانونية طلبها، وما يرافق ذلك من تنبيهات رقابية.
مشاريع تراهن على الاسم لا الربح السريع
في تجربة أخرى، يحاول “شام كافيه” تثبيت موقعه داخل سوق لا تزال في بداياتها.
عامر قدرة، صاحب المشروع، انطلق من ملاحظة أن داريا بدأت من “شبه الصفر”، وأن غياب المقاهي سابقًا لا يعني غياب الحاجة إليها اليوم، خاصة مع وجود عائدين من الخارج أو من مناطق أخرى اعتادوا على هذا النوع من الأماكن.
هذا التقدير شجعه على خوض التجربة رغم المخاطرة، فافتتح المقهى قبل نحو ستة أشهر، بكلفة وصلت إلى قرابة 30 ألف دولار من دون احتساب الإيجار.
وحتى الآن، لا يصف صاحبه الإقبال بأنه مرتفع، بل متوسط، ويربط ذلك بكون المقاهي ما تزال تعد من الكماليات بالنسبة إلى كثيرين في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
ورغم ذلك، لا يبدو التركيز منصبًا حاليًا على الربح المباشر بقدر ما هو على بناء اسم “شام كافيه”، تمهيدًا للتوسع مستقبلًا عبر افتتاح فروع جديدة داخل المدينة.
وفي محاولة لاستقطاب شرائح مختلفة، يضم المكان قسمًا للشباب وآخر للعائلات، مفصولين عن بعضهما، كما يقدم إلى جانب المشروبات وجبات خفيفة مثل الشاورما والسندويشات والبطاطا، وهي خدمات يرى صاحبه أنها ليست متوفرة على نطاق واسع في مقاهي داريا.
وأكثر ما يواجه المشروع، بحسب هذه التجربة، لا يتعلق فقط بضعف الإقبال الصباحي، بل أيضًا بصعوبة تأمين يد عاملة تملك الخبرة الكافية، وهو تحد يتكرر في مشاريع ناشئة أخرى داخل المدينة.
مشاريع قيد الافتتاح وطموح بطابع عائلي
وفي مشهد آخر من هذا القطاع الناشئ، لا يزال مشروع “درج الورد” في مرحلة التجهيز، مع استقبال محدود للزبائن قبل الافتتاح الرسمي.
محمد فاروق، صاحب المشروع، يربط الفكرة برغبة في الإسهام في “زيادة الطابع الحضاري” للمدينة، معتبرًا أن داريا تحتاج إلى مثل هذه المشاريع لما تضيفه من حيوية وحركة داخل الأحياء.
والمشروع مخصص للعائلات وليس لفئة محددة، مع تركيز على خلق أجواء هادئة ومريحة.
ورغم أن صاحبه لم يحدد تكلفة دقيقة، فإنه يتحدث عن مردود متوقع، مقرونًا بالتشديد على أهمية التروي قبل إطلاق أي مشروع جديد وعدم التسرع فيه.
وحتى الآن، تقتصر الخدمات على المشروبات الساخنة والباردة وخدمة الإنترنت، ما يجعل المكان مناسبًا للدراسة أو العمل، على أن يجري تطوير قائمة الخدمات لاحقًا.
وفي نظر صاحبه، لا تبدو المنافسة الهاجس الأساس، إذ يفضل النظر إلى المشاريع الأخرى من زاوية أن لكل مشروع فرصته، خاصة أن المشروع نفسه لم يكتمل بعد من حيث الهوية والتميز.
كما يشير إلى أن ردود فعل الجيران كانت إيجابية، مع ترحيب بوجود المشروع لما يضيفه من حركة للمنطقة، إلى جانب تأكيده أن الأسعار ستكون مناسبة وفي متناول الزبائن.
حضور شبابي بتجربة مختلفة
ومن بين التجارب اللافتة أيضًا، تبرز تجربة عزت العبار، البالغ من العمر 17 عامًا، والذي افتتح مشروعه في داريا بدافع تقديم نوع مختلف من المقاهي غير المتوفرة في المنطقة.
ويقدم المكان مشروبات حديثة مثل اللاتيه والأمريكانو والفانيلا لاتيه والكراميل لاتيه، إلى جانب حلويات مصنوعة يدويًا، مثل الكوكيز والسينابون والتشيز كيك والتارت.
واختيار داريا لم يأت صدفة، بل انطلق من ملاحظة غياب هذا النوع من المشاريع فيها، مع إقبال يصفه صاحبه بالجيد، خاصة من فئة الشباب والفتيات اللواتي يجدن في المكان أجواء مريحة.
وبلغت تكلفة المشروع بين 3 و4 آلاف دولار، بعد نحو شهرين من انطلاقه، فيما تبدو النتائج، وفق ما يصفه، جيدة من دون أن تكون أعلى أو أقل من المتوقع.
وفي هذه التجربة، يبرز تحد مختلف يتعلق بالتعامل مع الزبائن، خاصة مع كونه جديدًا في المنطقة، رغم امتلاكه تجربة سابقة في الأردن.
المقاهي كمساحة للراحة لا كمجرد رفاهية
على مستوى الزبائن، لا تبدو المقاهي بالنسبة إلى بعض روادها مجرد موضة جديدة، بل مساحة للراحة واللقاء بعد سنوات صعبة مرت على المدينة.
عمر العلاف، أحد رواد “شام كافيه”، ينظر إليها بوصفها فكرة “جميلة جدًا”، ويرى أن من حق سكان داريا الترفيه عن أنفسهم، وأن هذه الأماكن لا تمثل مضيعة للوقت بقدر ما توفر فرصة للاجتماع بالأصدقاء وأخذ قسط من الراحة.
وفي الانطباعات المتصلة بالمكان الاجتماعي لهذه المشاريع، يلفت أيضًا إلى أن الفكرة ليست جديدة بالكامل، إذ كانت موجودة سابقًا بشكل محدود، لكن الخدمات المتاحة اليوم والراحة التي توفرها هذه الأماكن جعلت حضورها أوضح.
أما على مستوى الجوار، فلا يسجل أبو أحمد، وهو صاحب محل تجاري قرب أحد المقاهي، أي مضايقات ناتجة عن الزبائن أو أصحاب المشاريع، ما يعكس درجة من القبول المحلي لهذا التوسع.
وفي رصد أجرته عنب بلدي على مواقع التواصل الاجتماعي، بينها “فيسبوك”، برز أيضًا توجه آخر داخل هذا السوق الناشئ.
ففي منشور لإحدى السيدات قالت إنها تعمل على مشروع مقهى تقترح فيه أن يكون المكان مخصصًا بالكامل للنساء، لكنها أشارت إلى أن الفكرة تصطدم حاليًا بنقص الكادر الخدمي النسائي اللازم لاستكمال المشروع.
وجاءت التعليقات، وفق الرصد، مؤيدة جدًا للفكرة من حيث المبدأ، بما يوحي بأن التوسع لا يقتصر على عدد المقاهي، بل يمتد إلى محاولات اختبار صيغ جديدة تناسب شرائح مختلفة داخل المدينة.