يستعيد سوق الموبيليا في مدينة داريا حضوره تدريجيًا بعد عودة عدد من الورشات والمعارض إلى المدينة، لكن الحركة التجارية ما تزال دون المستوى الذي عرفه السوق قبل عام 2011، وفق أصحاب معارض قالوا إن السوق عاد إلى العمل، إلا أن الانتعاش الكامل لم يتحقق بعد.
وبحسب مقابلات أجرتها عنب بلدي مع عدد من أصحاب معارض الموبيليا في داريا، فإن السوق استعاد جزءًا من نشاطه، وعادت إليه ورشات كانت قد غادرته خلال سنوات الحرب، كما عاد إليه زبائن من داخل المدينة ومن محافظات أخرى، لكن الإقبال ما يزال أضعف بكثير من السابق، وسط تأثيرات مستمرة لارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية، وتبدل طبيعة السوق نفسها.
يقول أصحاب المعارض إن داريا كانت قبل عام 2011 واحدة من أبرز وجهات الموبيليا في سوريا، وكان السوق فيها معروفًا على مستوى المحافظات، ومقصودًا من الزبائن والتجار بسبب الجودة وتنوع المعروضات.
ويصف أنس شعيب، صاحب معرض موبيليا، السوق بأنه كان “كثير حامي” قبل الثورة، إلى درجة أن القطعة كانت تُباع أحيانًا فور تجهيزها أو قبل اكتمال تفصيلها.
ويرى عدنان تبلو، صاحب معرض موبيليا، أن السوق كان قبل عام 2011 ممتدًا بالكامل تقريبًا بصالات الموبيليا من أوله إلى آخره، وكان مقصدًا لزبائن من مختلف المحافظات.
أما اليوم، فيقول إن السوق لم يعد كما كان، بعدما دخلت إليه أنشطة تجارية أخرى، مثل محلات الخضار والألبسة والحلويات والمواد الغذائية، ولم يعد محصورًا بالموبيليا كما في السابق.
عودة جزئية للورشات والزبائن
رغم هذا التغير، يقول أصحاب المعارض إن السوق لم يفقد اسمه بالكامل.
فمحمد شقرا، صاحب معرض موبيليا، يرى أن داريا ما تزال تحتفظ بسمعتها بوصفها “أم الموبيليا”، مشيرًا إلى أن زبائن من خارج المدينة ما زالوا يقصدونها، وأن تجارًا من حمص ودير الزور وحماة واللاذقية يسحبون موبيليا من داريا حتى اليوم.
ويقول راتب عديلة، صاحب معرض موبيليا، إنه يعمل في هذا القطاع منذ عام 2000، مضيفًا أن السوق كان معروفًا بالجودة والبضاعة والصدق في التعامل، وكان الزبائن من مختلف المحافظات السورية يأتون إليه.
ومع اندلاع الثورة، تفرق أصحاب المهنة وتوقف السوق، وانتقل بعضهم إلى مناطق مثل الكسوة (ريف دمشق) والسويداء (جنوبي سوريا)، قبل أن تعود الورشات تدريجيًا إلى داريا في السنوات الأخيرة.
وتشير هذه الشهادات إلى أن ما عاد إلى داريا ليس السوق القديم بحجمه نفسه، بل نواة سوق تستعيد مكانها على مهل، مع عودة بعض المنتجين والحرفيين والمعارض، واستمرار الطلب من خارج المدينة، لكن من دون أن يصل ذلك إلى مستوى الانتعاش الذي كان قائمًا قبل سنوات.
حركة موجودة.. لكنها بعيدة عن السابق
يتفق معظم أصحاب المعارض الذين التقتهم عنب بلدي على أن الحركة الحالية ليست معدومة، لكنها ما تزال محدودة إذا قيست بما كانت عليه في السابق.
ويقدر أنس شعيب أن السوق اليوم لا يتجاوز نحو 20% من حجمه قبل الثورة، موضحًا أن هناك تحسنًا مستمرًا، لكنه بطيء ويحتاج إلى “نفس طويل”.
وتتكرر هذه الصورة في شهادات أكثر من صاحب معرض. فزياد تويم يقول إن السوق ما يزال مقصودًا من دمشق وريفها، لكن الأسعار المرتفعة أضعفت الحركة.
أما عمر العبار، فيصف الحركة بأنها مقبولة، إذ “فيه ناس رايحة وفيه ناس جاية”، لكنها ليست مثل أيام زمان. ويربط ذلك بكون البلد خارجة من دمار، معتبرًا أن تراجع الحركة في هذه المرحلة أمر طبيعي، مع بقاء التفاؤل بتحسن تدريجي لاحق.
ويقول فراس نكاش إن السوق “ماشي حاله” بشكل مقبول نسبيًا، لكن ليس كما يجب، مرجعًا ذلك إلى التضخم الذي أفقد الأسعار قيمتها الفعلية.
ويضرب مثالًا بغرفة نوم كانت تباع سابقًا بنحو 30 ألف ليرة سورية (نحو 600 دولار حين كان الدولار بحدود 50 ليرة قبل 2011)، بينما تباع اليوم بنحو 9.5 إلى 12 مليون ليرة سورية (أي ما يعادل نحو 800 إلى 1000 دولار على أساس 12 ألف ليرة للدولار اليوم)، ومع ذلك تبقى القيمة الشرائية لهذه الأسعار، في رأيه، أقل مما كانت عليه سابقًا.
التضخم يضغط على السوق
وتظهر شهادات أصحاب المعارض أن هناك علاقة مباشرة بين ضعف الحركة وارتفاع الأسعار.
فالمشكلة، وفق ما يقولونه، لا ترتبط فقط بتوفر المعروض أو عودة الورشات، بل أيضًا بقدرة الزبون على الشراء.
فحين ترتفع أسعار غرف النوم والكنب والطاولات والخزائن، يصبح الإقبال أبطأ، ويتحول قرار الشراء إلى قرار مؤجل أو محسوب بدقة.
ولا تبدو هذه المشكلة منفصلة عن واقع اقتصادي أوسع، فالسوق الذي كان يعتمد في جزء من نشاطه على زبائن يأتون من محافظات عدة، وعلى طلب نشط داخل المدينة وخارجها، بات اليوم يعمل في بيئة أكثر حذرًا، يتقدم فيها سؤال السعر على كثير من الاعتبارات الأخرى، حتى مع بقاء السمعة الحرفية لداريا حاضرة لدى قسم من الزبائن.
عاد السوق.. لكن الانتعاش مؤجل
ما يقوله أصحاب المعارض في داريا لا يشير إلى سوق متوقف، بل إلى سوق عاد إلى العمل من دون أن يستعيد ثقله السابق بعد.
الورشات عادت، والمعارض فتحت أبوابها، والزبائن ما زالوا يقصدون المدينة، إلا أن السوق القديم الذي كان يصفه التجار بأنه “نار” لم يعد بالزخم نفسه حتى الآن.
وبين عودة الورشات واستمرار الطلب من بعض المحافظات، وبين ضعف القدرة الشرائية وارتفاع الأسعار، تبدو الموبيليا في داريا أمام مرحلة استعادة بطيئة، يعود فيها الاسم أولًا، بينما يبقى الانتعاش الكامل مؤجلًا إلى ظروف اقتصادية وتجارية أكثر استقرارًا.