لإلهاء الأطفال وتهدئتهم.. سيدات في داريا يروين تجاربهن مع استخدام أبنائهن للهواتف

طفلة تشاهد رسومًا متحركة عبر هاتف محمول داخل منزل في مدينة داريا - 27 آب 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

ما إن تعطي أم سامر نصار هاتفها لابنها، البالغ ست سنوات، حتى يهدأ ويجلس أمامه ساعات، بحسب وصفها، فالطفل كثير الحركة، بينما لا تجذب أفلام الكرتون على التلفاز انتباهه طويلًا.

يوفر الهاتف للأم، البالغة 22 عامًا، وقتًا لرعاية أطفالها الثلاثة، خصوصًا رضيعها الذي يحتاج إلى بقائها بجانبه، لكنها تواجه صعوبة عندما تريد استعادة الجهاز من ابنها.

وتختلف طريقة التعامل مع الهاتف بين ثلاث أسر تحدثت إليها عنب بلدي في داريا.

تستخدمه أم سامر أحيانًا لإشغال طفلها عندما تحتاج إلى الاهتمام برضيعها وأعمال المنزل، بينما تقيد أم زينة استخدام ابنتها له وتوفر لها الكتب والألعاب، في حين أصبح الهاتف سببًا لخلافات متكررة بين اثنين من أبناء أم هيثم.

الهاتف يهدئه.. واستعادته أصعب

لا تجد أم سامر من يساعدها في رعاية أطفالها، ولذلك تلجأ إلى الهاتف عندما تحتاج إلى إبقاء ابنها الأكبر منشغلًا لتتمكن من رعاية رضيعها أو إنجاز أعمال المنزل.

وتحاول مراقبة ما يشاهده الطفل عندما تكون إلى جانبه، وتختار له مقاطع عبر «يوتيوب»، كما تستخدم خيارات فلترة المحتوى لتقليل ظهور المقاطع التي لا تريد أن يشاهدها، لكنها تقول إن مسؤولياتها لا تسمح لها بمتابعته طوال الوقت.

وتبدأ المشكلة عندما تطلب منه إعادة الهاتف. تقول أم سامر إنه يغضب ويضيق ويتشاجر أحيانًا مع شقيقه الأصغر، وقد تعيد الجهاز إليه لأنها لا تجد وسيلة أخرى لتهدئته في ذلك الوقت.

وتلاحظ الأم أيضًا شرود ابنها وقلة تركيزه أثناء الدراسة، إلى جانب العنف أحيانًا خلال اللعب مع شقيقه، لكنها لا تعرف ما إذا كان استخدام الهاتف هو سبب هذه التصرفات.

أما شقيقه الأصغر، فلا يظهر الاهتمام نفسه بالجهاز، بحسب الأم، ويفضل الخروج واللعب مع أطفال الجيران.

ساعة للتلفاز والهاتف للتعليم

في منزل أم زينة قريطم، 34 عامًا، لا تحصل ابنتها زينة، البالغة أربع سنوات، على الهاتف للترفيه.

تقول الأم إنها تسمح باستخدامه عندما تريد عرض مادة تعليمية على ابنتها، بينما تختار بنفسها الرسوم المتحركة التي تشاهدها عبر التلفاز، وتحدد وقت المشاهدة بساعة.

وعندما تريد تشغيل أغنية لزينة، تشغل الصوت من دون الفيديو.

وفي بقية الوقت، توفر لها الدمى والألعاب والكتب الملونة، إلى جانب أنشطة حركية تمارسها الطفلة مع أمها وخالاتها، كالركض والرقص واللعب.

وتستخدم الأم الكتب لتعليم زينة كلمات باللغة الإنجليزية، منها أسماء أفراد العائلة والفواكه. وتقول إن ابنتها أصبحت تحضر الكتاب بنفسها عندما تشعر بالملل وتطلب منها قراءة الكلمات الموجودة فيه.

وتخشى أم زينة من آثار الاستخدام المبكر والمطول للهاتف على طفلتها، ولذلك تحاول منذ صغرها تعويدها على خيارات أخرى لقضاء وقتها.

الهاتف مقابل تنفيذ الطلبات

في منزل أم هيثم السمرة، 49 عامًا، تحول استخدام الهاتف إلى سبب لخلافات متكررة بين ابنها الأصغر وإحدى بناتها.

تقول الأم، وهي أم لأربع بنات وصبيين، إن الاثنين يمضيان وقتًا طويلًا على الهاتف ويتشاجران عليه. وحاولت تغيير كلمة المرور لمنعهما من استخدامه، لكنهما كانا يتمكنان من معرفتها مجددًا.

ويشترط ابنها أحيانًا الحصول على الهاتف مقابل مساعدتها في إحضار احتياجات المنزل، بحسب الأم، التي تقول إنها توافق في أحيان كثيرة لأنها تحتاج إلى مساعدته.

ويستخدم الابن الجهاز للألعاب ومتابعة حسابات أصدقائه وتصوير نفسه وإضافة الأغاني إلى صوره، بينما تفضل ابنته مشاهدة المسلسلات والأغاني.

وقد يبقى هاتف أم هيثم مع ابنتها طوال النهار ولا تستعيده إلا عندما يردها اتصال. وتقول إن بعض أفراد الأسرة يجيبون أحيانًا عن الرسائل التي تصل إليها من دون علمها، وهو أمر يزعجها إلى جانب الخلاف المتكرر على استخدام الجهاز.

الوقت وحده لا يحدد أثر الشاشة

تقول الأخصائية النفسية مرح صبح لعنب بلدي إن تقييم استخدام الأطفال للشاشات يرتبط بعمر الطفل ومدة الاستخدام ونوع المحتوى وطريقة تفاعله معه، ولا يمكن النظر إلى جميع أشكال استخدام الشاشة بالطريقة نفسها.

فمتابعة الألعاب الإلكترونية، وفق صبح، تختلف عن مشاهدة قصة أو استخدام الشاشة لتعلم كلمات أو ألوان جديدة.

وترتبط زيادة الوقت أمام الشاشات، بحسب الأخصائية، بمشكلات محتملة في النوم وتنظيم الانفعالات والسلوك، كما يمكن أن تأخذ من الوقت المخصص للعب والتفاعل مع الآخرين والتعلم من البيئة المحيطة.

لكن صبح تنبه إلى عدم افتراض أن الشاشة هي سبب أي مشكلة تظهر لدى الطفل لمجرد أنه يستخدمها كثيرًا، فبعض الأطفال الذين لديهم أصلًا صعوبات سلوكية أو نمائية أو في تنظيم انفعالاتهم قد يلجؤون إلى الشاشات أكثر لأنها توفر لهم تفاعلًا أسهل من أنشطة أخرى.

ولهذا تفضل استخدام تعبيري «فرط الاستخدام» أو «سوء الاستخدام» بدل وصف الطفل بأنه «مدمن على الشاشات».

بدائل وقواعد داخل المنزل

ترى صبح أن تنظيم استخدام الشاشات يحتاج إلى توفير أنشطة أخرى للطفل، من دون اعتبار شعوره بالملل مشكلة يجب على الأهل حلها بإعطائه الهاتف في كل مرة.

ويمكن إشراك الطفل، بحسب الأخصائية، في أعمال يومية بسيطة، مثل المساعدة في المطبخ أو إعداد المائدة، إلى جانب اللعب مع أطفال آخرين وقراءة القصص واستخدام الألعاب المناسبة لعمره وممارسة الأنشطة الحركية.

وتنصح بتحديد أوقات واضحة لاستخدام الشاشة وإشراك الطفل في اختيارها. فإذا قررت الأسرة تخصيص ساعة، يمكن أن يختار الطفل توقيتها ضمن الحدود التي يضعها الأهل، مع تجنب استخدامها قبل النوم وبعد الاستيقاظ مباشرة وأثناء تناول الطعام.

ولا تعتبر صبح عدد الساعات وحده كافيًا للحكم على الاستخدام، إذ يختلف المحتوى الذي يكتفي الطفل بمشاهدته عن محتوى يتعلم من خلاله أو يتحرك ويتفاعل معه.

وتشير أيضًا إلى سلوك الوالدين أنفسهم، إذ يصعب مطالبة الطفل بتقليل استخدام الهاتف بينما يرى والديه يقضيان وقتًا طويلًا أمام أجهزتهما.

الشاشات لا تسبب التوحد

وتنفي صبح وجود دليل علمي يثبت أن كثرة استخدام الشاشات تسبب اضطراب طيف التوحد.

وتوضح أن الالتباس قد ينشأ لأن بعض الأطفال الذين لديهم صعوبات نمائية أو سلوكية يستخدمون الشاشات أكثر من غيرهم، وهو ما قد يؤدي إلى الخلط بين السبب والنتيجة.

وبحسب الأخصائية، قد يرتبط الإفراط في استخدام الشاشات خلال الطفولة المبكرة بتأخر أو صعوبات في بعض جوانب التطور النمائي أو السلوكي، لكن ذلك لا يعني أنه يسبب التوحد.

ولا ترى صبح أن منع التكنولوجيا بالكامل حل عملي، مع استخدامها في التعليم وتعلم اللغات ومجالات أخرى، وتوصي بدلًا من ذلك بتنظيم وقت الشاشة، واختيار المحتوى، وتوفير وقت كافٍ للنوم واللعب والحركة والتفاعل مع الأسرة.

مقالات ذات صلة

في انتظار المواليد.. خمس أفراس عشار على أطراف داريا

حدائق ومقاهٍ جديدة في داريا.. شابات يجدن متنفسًا وأخريات يفضلن دمشق

«الديراني لحق الدبور».. أمثال وحكايات من ذاكرة الجدات في داريا