يقف فراس اللحام، أحد سكان مدينة داريا، صباحًا عند الطريق القريب من دوار الشهداء (دوار الباسل)، بانتظار سرفيس متجه إلى دمشق. تمر المركبات واحدة تلو الأخرى دون أن تتوقف، إذ تكون قد امتلأت بالركاب منذ انطلاقها من الموقف الرئيسي.
بعد انتظار قد يمتد إلى أكثر من نصف ساعة، يضطر أحيانًا إلى متابعة الطريق سيرًا باتجاه الموقف، على أمل إيجاد سرفيس فارغ.
يقول فراس لعنب بلدي إن هذا المشهد يتكرر يوميًا تقريبًا، ولا يقتصر عليه وحده، بل يشمل عشرات الأهالي القاطنين في الأحياء البعيدة عن نقطة الانطلاق، حيث تصبح محاولة الصعود إلى السرفيس جزءًا من معاناة التنقل اليومية، خاصة في ساعات الصباح.
هذه المعاناة لا تنفصل عن واقع النقل العام في داريا، المدينة التي عاد إليها عشرات آلاف السكان خلال السنوات الأخيرة، بينما لا تزال منظومة المواصلات فيها تعمل بقدرات محدودة، يعود جزء منها إلى ظروف ما بعد الحرب، وجزء آخر إلى تنظيم الخطوط وطبيعة الخدمة.
مدينة عادت.. ليس كما كانت
لم تكن داريا دائمًا على هذا الحال، فبحسب تقارير سابقة نشرتها عنب بلدي، توقفت المواصلات العامة في المدينة بشكل كامل خلال سنوات الحرب بين عامي 2012 و2016، عقب الدمار الواسع والنزوح الجماعي. ولعدة سنوات، بقيت داريا بلا سرافيس أو باصات نقل عام، وبلا أي ربط يومي مع دمشق.
وفي تموز 2019، أعلنت محافظة ريف دمشق إعادة تفعيل خط سرفيس دمشق–داريا بعد انقطاع دام نحو سبع سنوات، استجابة لعريضة قدمها أهالي المدينة العائدون، وفق ما نقلته حينها عنب بلدي عن مصادر رسمية.
في تلك المرحلة، لم يكن في داريا سوى بضعة آلاف من السكان، وتم تشغيل باصين للنقل الداخلي ونحو 20 سرفيسًا فقط، شكلت النواة الأولى لعودة المواصلات العامة.
لاحقًا، تغيرت المدينة، وعاد عشرات الآلاف من الأهالي، واتسعت الأحياء السكنية، واستُعيدت الحياة تدريجيًا، بينما بقيت المواصلات العامة تتحرك بوتيرة أبطأ من النمو السكاني المتسارع.
110 سرافيس على الخط
رصدت عنب بلدي واقع خدمة النقل على خط دمشق–داريا ذهابًا وإيابًا، حيث تعمل السرافيس ضمن طاقتها الاستيعابية، مع ندرة وجود مركبات فارغة في المناطق البعيدة عن الموقف الرئيسي عند ساحة العلم (مفرق التربة) في داريا، أو موقف الفحامة (اتحاد الفلاحين) في دمشق.
ويعمل على الخط مزيج من السرافيس الحديثة إلى جانب باصات قديمة تظهر عليها علامات التهالك، مع تفاوت ملحوظ في مستوى النظافة والحالة الفنية بين مركبة وأخرى، وفق شهادات ركاب وسائقين.
وبحسب إفادات مراقبي الخط وتصريحات سابقة لرئيس مجلس مدينة داريا، نشرت في وسائل إعلام محلية، يبلغ عدد السرافيس المرخصة على الخط نحو 110 سرافيس، إلا أن عددًا منها متوقف عن العمل بسبب الصيانة أو يعمل على خطوط المدارس، ما يجعل العدد الفعلي الذي يخدم الأهالي يتراوح بين 70 و80 سرفيسًا.
وقال عبدو يوسف العبار، مراقب خط دمشق–داريا في موقف الفحامة (اتحاد الفلاحين)، لعنب بلدي، إن الدور يُسجل بشكل منظم، ويبدأ العمل على الخط من الساعة الخامسة صباحًا وحتى الثانية عشرة ليلًا، بما في ذلك أيام الجمعة، مؤكدًا وجود مراقبين صباحًا ومساءً للإشراف على انتظام الحركة.
يصل ممتلئًا
رغم هذا التنظيم، تبقى المشكلة الأبرز، بحسب الأهالي، في امتلاء السرافيس قبل وصولها إلى الأحياء البعيدة عن الموقف الرئيسي.
يقول فراس اللحام إن السرافيس تكون قد امتلأت عند وصولها إلى دوار الشهداء، ما يضطر الركاب للانتظار بين نصف ساعة وثلاثة أرباع الساعة، وقد يمتد الانتظار إلى ساعة أو أكثر خلال أوقات الذروة.
ويضيف أن طريق العودة لا يقل صعوبة، إذ تصل السرافيس من موقف الفحامة ممتلئة أيضًا، ما يدفع بعض الأهالي إلى الاستعانة بسيارات خاصة عند توفرها.
بدوره، قال سارية الشربجي، أحد سكان داريا القاطنين على طريق دمشق، لعنب بلدي، إنه يضطر أحيانًا إلى المشي باتجاه الموقف الرئيسي للعثور على سرفيس فارغ، أو اللجوء إلى سيارات الأجرة، ما يشكل عبئًا ماليًا إضافيًا مقارنة بالراتب الشهري.
في المقابل، يرى بعض السائقين أن عدد السرافيس المتوفر على الخط كاف نسبيًا.
وقال مالك المصري، وهو سائق على خط دمشق–داريا، لعنب بلدي، إن عدد السرافيس يقارب 100 سرفيس، معتبرًا أن هذا العدد يجعل الخدمة متوفرة على مدار اليوم، وأن مدة الانتظار في الموقف الرئيسي لا تتجاوز بضع دقائق حتى تتم التعبئة والانطلاق.
ويُرجع سائقون امتلاء السرافيس قبل وصولها إلى الأحياء البعيدة إلى اعتمادهم على تعبئة المركبة بالكامل من نقطة الانطلاق لضمان تحصيل الأجرة كاملة، في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والصيانة.
سرافيس داريا تنتظر الركاب في موقف الفحامة – 5 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
طريق متهالك
تشير غالبية شهادات الأهالي إلى أن سلوك القيادة على خط دمشق–داريا لا يتسم بالتهور، مقارنة بخطوط أخرى في ريف دمشق.
وقال فراس اللحام إن السائقين “أكثر التزامًا” ويميلون إلى التروي أثناء القيادة، ما يمنح شعورًا نسبيًا بالأمان.
في المقابل، يبرز سوء حالة الطريق بوصفه التحدي الأهم، حيث تنتشر الحفر وأضرار الإسفلت على طول المسار، ما يؤدي إلى اهتزازات شديدة داخل المركبات.
وقالت ريم الصباغ، من سكان حي الشاميات وسط داريا، لعنب بلدي، إنها تفضل السرافيس الصغيرة على الباصات الأكبر حجمًا، لكونها أسرع وأسهل في الصعود والنزول وأخف من حيث الاهتزازات، مشيرة إلى أن المشكلة تتفاقم خلال فترات هطول الأمطار.
وأكد خالد، وهو سائق على خط دمشق–داريا، أن سوء حالة الطريق يتسبب بأعطال متكررة، ويؤدي إلى خروج بعض السرافيس من الخدمة لأغراض الصيانة.
سرفيس ينزل الركاب العائدين من دمشق عند ساحة العلم بمدينة داريا – 5 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
داريا وصحنايا والمعضمية.. تعرفة متقاربة
بحسب قرارات صادرة عن محافظة ريف دمشق ووزارة النقل، تبلغ تعرفة الركوب على خط داريا–دمشق 4000 ليرة سورية للرحلة الواحدة، على أن ينتهي الخط عند منطقة الفحامة، ما يضطر الركاب لاستخدام وسيلة نقل إضافية للوصول إلى وسط دمشق.
في المقابل، تشير بيانات رسمية نشرتها صحيفة الثورة وتقارير ميدانية لعنب بلدي إلى أن تعرفة الركوب من صحنايا إلى دمشق تصل إلى نحو 4500 ليرة سورية للراكب الواحد، فيما تبلغ تعرفة خط صحنايا–نهر عيشة نحو 3500 ليرة سورية.
أما في مدينة معضمية الشام، فتتراوح تعرفة الركوب إلى دمشق بين 3500 و4500 ليرة سورية، بحسب المسار، حيث يسمح للخط بالوصول مباشرة إلى البرامكة، وفق قرارات صادرة عن مجلس المدينة، ما يخفف عن الركاب كلفة التبديل مقارنة بداريا.
ورغم اختلاف التعرفات، تجمع شهادات الأهالي في المناطق الثلاث على أن كلفة النقل تستهلك جزءًا “معتبرًا” من الدخل الشهري، لا سيما لدى الطلاب والموظفين.
تعرفة الركوب من داخل سرفيس دمشق- داريا – 5 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)
خطط تنظيمية قيد التنفيذ
مراقب الخط، عبدو العبار، قال لعنب بلدي إن وزارة النقل أقرت خطة تنظيمية تقضي بانطلاق السرافيس مع إنقاص عدد الركاب، إضافة إلى تطبيق آليات تنظيمية جديدة، تبدأ اعتبارًا من نهاية كانون الثاني 2026، بهدف تخفيف الاكتظاظ وتحسين توزيع الخدمة.
ووفق تصريحات رسمية نقلتها عنب بلدي سابقًا، تعمل وزارة النقل ومحافظة ريف دمشق على تعميم أنظمة التتبع (GPS) على السرافيس، وربط تزويد الوقود بعدد الرحلات المكتملة، لضمان التزام السائقين بخط السير الكامل.
وحاولت عنب بلدي الحصول على تصريح مع رئيس بلدية داريا الجديد، للاستفسار عن آليات معالجة مشكلة بُعد المواقف الرئيسية للسرافيس عن الأحياء، لكنه لم يكن متاحًا عند إعداد التقرير.
رحلة مفتوحة على الانتظار
مع غياب بدائل نقل عامة فعالة داخل المدينة، تبقى السرافيس الخيار العملي الوحيد لغالبية الأهالي، رغم ما يرافقها من انتظار طويل وكلفة مرتفعة.
وبين الوقوف اليومي على الطريق، والمشي نحو الموقف، أو اللجوء إلى سيارات الأجرة، تبقى رحلة داريا إلى دمشق اختبارًا يوميًا للصبر، في انتظار حلول تخفف هذا العبء عن آلاف السكان الذين بات التنقل جزءًا أساسيًا من واقعهم الخدمي اليومي.
السرافيس المتجهة إلى دمشق تنتظر ركابها في ساحة العلم وسط داريا – 5 شباط 2026 (عنب بلدي – رزان أبو رشيد)