بعد عودة السكان إلى داريا… ماذا بقي من المدينة التي عرفها أهلها؟

أبنية سكنية مأهولة ما تزال تحمل آثار الدمار في مدينة داريا - 6 تموز 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

شهدت مدينة داريا خلال العامين الماضيين عودة متزايدة لسكانها، ترافقت مع افتتاح محال جديدة، واستئناف أعمال البناء، وتحسن تدريجي في بعض الخدمات، إلا أن كثيرًا من الأهالي يرون أن المدينة لم تستعد بعد الحياة التي عرفتها قبل النزوح الجماعي أواخر عام 2012.

وبالنسبة لمن تحدثت إليهم عنب بلدي، لا يقاس تعافي المدينة بعدد الأبنية التي أُعيد ترميمها أو المحال التي فتحت أبوابها، بل أيضًا بعودة العلاقات الاجتماعية التي كانت تميز داريا، إلى جانب تحسن الخدمات الأساسية التي تنعكس على تفاصيل الحياة اليومية.

الأسواق عادت.. لكن بإيقاع مختلف

ترى بيان، وهي من أبناء داريا، أن المدينة تعيش اليوم مرحلة إعادة بناء، لكنها تختلف كثيرًا عن المرحلة التي سبقت الحرب.

وتقول لعنب بلدي إن كثيرًا من العائدين وجدوا أنفسهم منشغلين بإعادة ترميم منازلهم، وتأمين مصادر دخلهم، وترتيب حياتهم بعد سنوات من النزوح، ما جعل الاهتمام بالاحتياجات الأساسية يتقدم على العلاقات الاجتماعية التي كانت أكثر حضورًا في السابق.

وتضيف أن داريا التي اشتهرت يومًا بكروم العنب وصناعة المفروشات لم تستعد بعد مستوى نشاطها الاقتصادي السابق، لكنها تشهد حركة عمرانية وتجارية متزايدة انعكست على افتتاح مطاعم ومحال جديدة، وتحريك سوق العقارات، وانتشار مشاريع مرتبطة بالطاقة الشمسية، نتيجة الحاجة إلى بدائل عن ضعف مصادر الطاقة التقليدية.

وترى أن المدينة استعادت جزءًا من حركتها، لكنها ما تزال تعيش مرحلة انتقالية فرضتها آثار الحرب والدمار.

الناس تغيروا قبل أن تتغير المدينة

حين تتحدث أم حاتم عن داريا قبل النزوح، لا تبدأ بالأبنية أو الشوارع، بل بالناس.

تصف المدينة بأنها كانت “جنة”، ليس بسبب أشجارها فقط، وإنما بسبب طبيعة العلاقات بين سكانها، إذ كان الجار يبادر إلى مساعدة جاره دون انتظار طلب.

وتستذكر أن أحد الجيران وفر لها المياه اللازمة لبناء منزلها دون مقابل، كما تتذكر عاملًا كان يوزع المازوت ولاحظ ذبول شجرة الليمون في منزلها، فاقترح تطعيمها وساعدها حتى استعادت إنتاجها.

وتقول إن مثل هذه المواقف كانت جزءًا من الحياة اليومية، بينما أصبح كثير من الناس اليوم، بحسب وصفها، منشغلين بظروفهم الخاصة وهمومهم المعيشية.

وترى أن هذا التحول بدأ خلال سنوات النزوح التي فرقت أبناء المدينة، قبل أن تزيد الضغوط الاقتصادية بعد العودة من انشغال الناس بأنفسهم.

الحرب بدلت أسلوب الحياة

لا يختلف أبو محمد السيد عمر، صاحب محل نجارة قرب جامع المصطفى، كثيرًا مع هذه الرواية، لكنه يرى أن الحرب غيرت نمط الحياة أكثر مما غيرت شكل المدينة.

ويقول لعنب بلدي إن داريا استعادت جزءًا من حركتها، إلا أن العلاقات بين الناس لم تعد كما كانت، لأن سنوات الحرب لم تدمر الأبنية فقط، بل غيرت طريقة عيش الناس.

ويضيف أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة جعلا الأولوية لدى كثيرين تأمين احتياجات أسرهم، وهو ما انعكس على الزيارات والتواصل ومظاهر التعاون التي كانت مألوفة قبل الحرب.

ولا يحمّل أبو محمد هذا التغير مسؤولية أحد، بل يعتبره نتيجة طبيعية لسنوات طويلة من النزوح والظروف الاقتصادية التي ما تزال مستمرة.

الخدمات جزء من التعافي

لا يفصل سكان داريا بين واقع الخدمات وتعافي المدينة.

وتقول أم حاتم إن مياه الفيجة كانت تصل قبل الحرب بصورة أكثر انتظامًا، بينما ما تزال خدمات المياه اليوم أقل استقرارًا، رغم التحسن الذي شهدته بعض القطاعات.

أما أبو محمد، فيرى أن وتيرة إعادة تأهيل البنية التحتية ما تزال أبطأ من توقعات السكان، مشيرًا إلى استمرار مشكلات في الطرق والصرف الصحي والخدمات العامة.

ويستشهد بأعمال صيانة “الريكار” قرب محله، إذ بقيت الرمال ومخلفات الحفر بعد انتهاء العمل، ما تسبب، بحسب قوله، بصعوبة مرور السيارات، خصوصًا مع ضعف الإنارة.

وتتفق بيان مع أن المدينة ما تزال بحاجة إلى تطوير خدماتها الأساسية لتواكب الزيادة المستمرة في عدد السكان، معتبرة أن البنية التحتية لم تلحق بعد بوتيرة العودة والإعمار.

روح المدينة ما تزال حاضرة

ورغم هذه الملاحظات، لا يرى السكان أن داريا فقدت هويتها.

ويقول أبو محمد إن المدينة تمر بمرحلة “إعادة تشكل”، موضحًا أن روحها لم تختف، وإنما تراجعت تحت ضغط الحرب والظروف الاقتصادية، مع ظهور مؤشرات إيجابية مثل عودة الحركة التجارية وافتتاح مزيد من المحال.

ويتفق معه أبو سمير مراد، صاحب محل تجاري في شارع الوحدة، الذي يرى أن عودة السكان أعادت جزءًا من الحياة إلى المدينة، حتى وإن لم تستعد كل تفاصيلها السابقة.

ويقول إن الحرب والتهجير أثرا في جيل كامل، لكنهما لم يلغيا القيم التي عُرف بها أبناء داريا، مضيفًا: “ابن الأصل يبقى ابن أصل”.

ويعتقد أن روح التماسك ما تزال موجودة بين أبناء المدينة، لكنها أصبحت أقل ظهورًا تحت ضغط الظروف المعيشية، معربًا عن أمله في أن تستعيد داريا تدريجيًا ما فقدته خلال سنوات الحرب.

التعافي أكثر من إعادة إعمار

تكشف آراء السكان الذين تحدثت إليهم عنب بلدي أن المدينة استعادت جزءًا مهمًا من حياتها مع عودة الأهالي وافتتاح المحال واستئناف أعمال البناء، لكنها لم تستعد بعد الإيقاع الذي عرفته قبل عام 2012.

فبالنسبة لهم، لا يكتمل التعافي بإعادة بناء الأبنية وحدها، بل يحتاج أيضًا إلى استقرار الخدمات، وتحسن الظروف المعيشية، وعودة العلاقات الاجتماعية التي شكلت لسنوات أحد أبرز ملامح الحياة في المدينة.

 

مقالات ذات صلة

حدائق ومقاهٍ جديدة في داريا.. شابات يجدن متنفسًا وأخريات يفضلن دمشق

«الديراني لحق الدبور».. أمثال وحكايات من ذاكرة الجدات في داريا

«بتستر صاحبها».. راتب الحافي يتحدث عن تربية الأبقار في داريا