رفع قرار تعديل الرسوم الجمركية في سوريا أسعار سلع مستوردة ومواد أولية تدخل في التصنيع المحلي، ما انعكس مباشرة على حركة الشراء في أسواق داريا، وسط مخاوف تجار من ركود أوسع، وحديث آخرين عن حاجة الدولة إلى عوائد تنظم السوق وتدعم الاقتصاد.
وقال صاحب معرض كهربائيات في داريا، أيهم راجح، لعنب بلدي، إن القرار أثر بشكل واضح على مشتريات المستهلكين، بعد ارتفاع كلفة القطع الكهربائية نتيجة الزيادة في القيمة الجمركية.
وأوضح راجح أن طن الأدوات المنزلية كان يكلف نحو ألف دولار رسومًا، قبل أن ترتفع الكلفة إلى 1500 دولار، أي أن كل كيلوغرام انتقلت رسومه من دولار إلى دولار ونصف.
وبحسب راجح، فإن هذه الزيادة أضافت مثلًا نحو 25 دولارًا على كلفة الغسالة التي يبلغ وزنها قرابة 45 كيلوغرامًا، ما يعني أن قطعة كان المستهلك يسأل عنها بسعر 300 دولار باتت كلفتها تقارب 325 دولارًا.
حماية الصناعة الوطنية أم تحميل الكلفة للمستهلك؟
يرى راجح أن تفسير رفع الرسوم يرتبط بمحاولة حماية المنتج الوطني، بعدما أصبحت البضائع الأجنبية قريبة السعر من المنتجات المحلية نتيجة انخفاض الرسوم الجمركية سابقًا.
لكنه اعتبر أن هذا التبرير يحتاج إلى نقاش، لأن السوق “مفتوحة”، ولأن دعم الصناعة الوطنية لا يجب أن يتحول إلى عبء مباشر على المستهلك، خصوصًا عندما تكون القطعة الأجنبية أرخص من المنتج المحلي.
وأضاف أن المعامل الوطنية تتحمل كلفة تشغيل مرتفعة، تشمل الآلات والعمال والتوزيع والتصنيع، بينما تنتج المعامل الأجنبية كميات أكبر بكثير، ما يخفض كلفة القطعة الواحدة لديها.
وقال إن معملًا محليًا قد ينتج 50 برادًا يوميًا، مقابل ألف براد في معمل أجنبي، ما يجعل توزيع المصاريف على الإنتاج مختلفًا، “وفي النهاية يتحمل المواطن فرق السعر”.
مستلزمات الإنتاج مستوردة أيضًا
أبو شمس معضماني، صاحب معرض كهربائيات، قال لعنب بلدي إن رفع الرسوم لا يطال السلع الجاهزة فقط، بل ينعكس أيضًا على المواد الأولية الداخلة في التصنيع.
وأوضح أن معظم مستلزمات الإنتاج مستوردة، مثل حبيبات البلاستيك، والنحاس، وأنابيب الألمنيوم المستخدمة في البرادات، إضافة إلى البراغي والمسامير، مشيرًا إلى غياب تصنيع محلي كافٍ لهذه المواد.
وبحسب معضماني، ارتفعت أسعار بعض المواد بأكثر من 35%، بينما زادت كلفة بعض القطع الأوروبية بين 50 و100 دولار، تبعًا لقيمتها الأساسية.
وقال إن توقيت القرار “غير مناسب”، لأن السوق تعاني أصلًا من ضعف في البيع، مضيفًا أن التجار كانوا ينتظرون موسم الصيف لتعويض خسائر الشتاء، لكن ارتفاع الأسعار زاد حالة التردد لدى الزبائن.
الألمنيوم: كلفة مضاعفة وحركة أضعف
تاجر الألمنيوم، أبو عمر، قال لعنب بلدي إن التأثير الأكبر وقع على المستهلك، إذ ارتفع سعر متر الألمنيوم المصنع من نحو عشرة دولارات إلى 15 دولارًا، نتيجة زيادة كلفة المواد والإكسسوارات.
وأضاف أن المعامل الوطنية قد تتضرر أيضًا، لكن ضررها سيكون أقل من ضرر المستورد، بينما يبقى المستهلك الحلقة الأضعف في سلسلة الارتفاع.
وأشار إلى أن كلفة الطن ارتفعت بنحو 400 دولار، ما أدى إلى تراجع الحركة وخلق حالة خوف لدى الزبائن، خصوصًا في أعمال مثل كسوة الشبابيك، التي قد ترتفع كلفتها من 500 دولار إلى نحو ألف دولار في بعض الحالات.
عوائد للدولة وصورة لم تكتمل
تاجر المواد الغذائية، أبو عبيدة، قال لعنب بلدي إن أي نظام اقتصادي يحتاج إلى ضرائب ورسوم، وإن تعديل التعرفة الجمركية يحمل إيجابيات وسلبيات في الوقت نفسه.
وأوضح أن بعض القطاعات تضررت سريعًا، مثل الألمنيوم، بسبب ارتفاع سلاسل الإمداد والتوريد وكلفة الطاقة، لكنه أشار إلى أن الرسوم تعود في النهاية إلى خزينة الدولة وقد تساعد في تحسين الاقتصاد إذا أديرت بشكل صحيح.
وقال أبو عبيدة إن الصورة لن تتضح قبل مرور نحو ثلاثة أشهر، لافتًا إلى أن بعض المواد خفضت رسومها، بينما رفعت على مواد أخرى.
وأضاف أن المشكلة لا تتعلق بالضرائب وحدها، بل بانتقال السوق من اقتصاد قائم على الفساد والرشاوى إلى نظام يفترض أن يكون أكثر تنظيمًا، معتبرًا أن الصدمة الحالية مرتبطة أيضًا بقدم القوانين وعدم تحديثها لسنوات طويلة.
وضرب مثالًا بزيت القلي، إذ فرضت رسوم على استيراد زيت دوار الشمس، لكن بعض المعامل رفعت أسعارها بدل زيادة الإنتاج، ما ضاعف أثر القرار على المستهلك.
وبينما يرى بعض التجار في الرسوم الجديدة مصدرًا محتملًا لدعم خزينة الدولة وحماية الإنتاج المحلي، تكشف شهادات السوق أن الكلفة وصلت سريعًا إلى المستهلك، في وقت لم تتضح بعد الآلية التي ستمنع تحول حماية الصناعة الوطنية إلى موجة أسعار جديدة.