لم تكن داريا وجهة متوقعة لشاب مصري يبحث عن بداية جديدة، فالطريق المعتاد، كما يقول جمال محمد، كان يسير غالبًا بالعكس: سوريون يذهبون إلى مصر للعمل أو الاستقرار، لا مصري يأتي إلى سوريا ليفتح مشروعًا صغيرًا في مدينة خرجت من سنوات حرب ودمار.
جمال، ابن منطقة المطرية في القاهرة، اختار أن يجرب طريقًا مختلفًا. جاء إلى داريا قبل نحو عام، ومعه فكرة بسيطة، دكان صغير للمواد الغذائية يبدأ منه رزقه، ويكبره خطوة خطوة.
في مصر، كان الشاب يعمل في التوصيل بواسطة دراجة نارية، متنقلًا بين المطاعم والمنازل والشركات ضمن شركة شحن.
وقبل ذلك عمل في محطة وقود، لكنه وجد، كما يقول لعنب بلدي، أن دخله اليومي لم يعد يكفي أمام ارتفاع الأسعار والإيجارات وتكاليف المعيشة.
يقول جمال إن الظروف في مصر أصبحت صعبة، خصوصًا لمن لا يملك مشروعًا خاصًا أو دخلًا ثابتًا جيدًا.
كان يعمل، ثم يجد أن ما يحصل عليه يذهب إلى الإيجار والطعام والمصاريف الأساسية، من دون قدرة حقيقية على الادخار أو بناء مستقبل أفضل.
لم يأت القرار سريعًا. بقي نحو شهرين يناقش الفكرة مع زوجته، وهي سورية من داريا، مترددًا بين البقاء في مصر أو الانتقال إلى سوريا، لكنه كان يبحث عن فرصة يملك فيها عمله اليومي، بدل أن يبقى مرتبطًا بوظيفة أو دخل لا يكفي.
يقول إنه استخار الله كثيرًا، ثم بدأت الأمور تتيسر. وفي أيار من العام الماضي وصل إلى داريا، المدينة التي يعرفها من خلال عائلة زوجته، لكنه لم يكن قد عاش فيها أو عرف سوقها عن قرب.
كانت البداية من مشروع صغير، إذ افتتح دكانًا محدودًا للمواد الغذائية، يبيع فيه البسكويت، والسجائر، وبطاقات رصيد الاتصالات، وبعض الحاجات اليومية.
لا يصف جمال مشروعه بأكثر من حجمه الحقيقي: “على قدّه”، لكنه يرى فيه بداية قابلة للنمو.
في الأيام الأولى، لم يكن التحدي في البيع وحده، إذ احتاج إلى بيت ومحل ومعرفة بالسوق والموزعين.
يقول جمال إن حماه (والد زوجته) وقف إلى جانبه، وساعده في الاستقرار والبدء بالمشروع، إلى جانب عدد من التجار والموزعين الذين دعموا خطواته الأولى.
أصعب ما واجهه جمال، كان البحث عن منزل للإيجار، فأسعار البيوت في داريا بدت له مرتفعة جدًا مقارنة بمساحاتها وحالتها، إذ طلب بعض المؤجرين مبالغ بالدولار أو ملايين الليرات، مع اشتراط دفع مبالغ مسبقة لعدة أشهر.
ورغم هذه الصعوبة، وجد جمال في داريا استقبالًا خفف عنه شعور الغربة.
يقول إن الناس عاملوه جيدًا، وإن عائلة زوجته تعاملت معه كواحد من أبنائها، لا كغريب جاء من بلد آخر.
لكن لهجته المصرية بقيت تسبقه إلى الزبائن. فكلما دخل أحدهم إلى محله وسمع طريقة كلامه، سأله مباشرة: “أنت مصري؟”.
بالنسبة إلى كثيرين، كانت الفكرة غير مألوفة: مصري يعيش في داريا ويفتح مشروعًا فيها.
يضحك جمال من هذا الاستغراب. يعرف أن السوريين اعتادوا السفر إلى مصر، لكن تجربته جعلته في الاتجاه المقابل.
ومع الوقت، اعتاد الزبائن لهجته، كما بدأ هو بتعلم اللهجة السورية التي عرفها منذ ارتباطه بزوجته.
لم تكن اللغة حاجزًا كبيرًا. يقول إنه تعلم كثيرًا من الكلمات الشامية، وإن احتكاكه اليومي بالناس ساعده على فهم اللهجة أكثر.
بقيت لكنته المصرية واضحة، لكنها تحولت إلى جزء من شخصية الدكان، لا عائقًا أمام العمل.
ما ترك أثرًا أكبر في نفسه كان مشهد الدمار الذي شاهده في داريا. كان يسمع في مصر عما جرى في سوريا، ويتأثر بالأخبار والصور، لكنه عندما وصل إلى داريا ورأى آثار الحرب بعينه، شعر أن الأمر مختلف.
المدينة، كما يقول، طيبة بأهلها، لكنها تحتاج إلى وقت حتى تستعيد عافيتها.
يقول جمال إن الأسعار في سوريا غير ثابتة، وإن السوق يمشي على تبدلات سعر الصرف، لكنه، رغم ذلك، يرى أن مشروعه يمنحه فرصة لم تكن متاحة له بالشكل نفسه في مصر. ففي داريا عمله بيده، ودخله من محله، ويرى أن مشروعه الصغير سيكبر مع الوقت.
لا يقدم جمال تجربته كقصة نجاح مكتملة، فهو ما يزال في البداية، يبيع حاجات يومية في دكان صغير، ويراقب حركة الزبائن والأسعار، ويحاول أن يثبت نفسه في مدينة جديدة عليه، لكنه يرى في هذه البداية ما يستحق المحاولة.
بين القاهرة وداريا، قطع جمال مسافة لا تشبه رحلات العمل المعتادة. فهو لم يأت إلى مدينة مستقرة تمامًا، بل إلى مكان يتعافى ببطء.
ومع ذلك، وجد في داريا أهلًا يستقبلونه، وسوقًا يجرب فيه، ونافذة صغيرة على رزق يأمل أن يكبر.