توسع تجاري في داريا.. محال وأسواق جديدة تنشط المدينة تحت ضغط الغلاء

منتجات غذائية معروضة داخل أحد المتاجر الحديثة في داريا - 16 نيسان 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

تشهد الفعاليات التجارية في داريا توسعًا ملحوظًا خلال الفترة الحالية، مع افتتاح محال جديدة وأسواق حديثة أعادت جزءًا من الحركة إلى أسواق المدينة، رغم استمرار تأثير ارتفاع الأسعار وتقلب سعر الدولار على القدرة الشرائية للسكان.

ويقول أصحاب هذه المشاريع لعنب بلدي إن افتتاحها يلبي حاجة فعلية داخل المدينة، في وقت يرى فيه سكان أن وجودها خفف عنهم أعباء التنقل إلى دمشق، من دون أن يلغي مشكلة الغلاء التي ما تزال تحد من الإقبال.

محال تبحث عن موطئ قدم في السوق

مع بداية شهر رمضان، افتتح إبراهيم أبو خالد مشروعه لبيع السجاد في داريا، بعد أن قرر توسيع نشاطه التجاري من خلال فرع جديد إلى جانب محله في جديدة عرطوز.

ويقول إنه اختار المدينة لأنها “عاصمة الغوطة” ومنطقة أساسية تستحق الاستثمار، رغم أنه قادم من إدلب.

ولم يكن اختياره، بحسب حديثه، مرتبطًا بالموقع فقط، بل بطبيعة المدينة وأهلها أيضًا، فهو يرى أن “شعب داريا جبار ويحب أرضه”، مضيفًا أن ذلك شجعه على بدء المشروع رغم التحديات.

ويصف أبو خالد الإقبال بأنه “مقبول”، لكنه يربطه مباشرة بارتفاع الأسعار وتقلب سعر الدولار، موضحًا أن ذلك أثر بوضوح على حركة السوق.

ومع ذلك، يبدي تفاؤلًا بتحسن المبيعات تدريجيًا، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء الذي يشهد عادة زيادة في الطلب على السجاد.

وفي محل آخر، تبدو تجربة أبو أحمد الفرا، صاحب محل الأقمشة والستائر، أكثر حذرًا.

فالمشروع الذي افتتحه حديثًا في داريا انطلق، كما يقول، بدافع الانتماء إلى المنطقة وإيمانه بأن المدينة “بحاجة لكل مصلحة وكل مشروع”، لكن هذا الدافع، بحسب حديثه، يصطدم بواقع معيشي صعب.

وقال: “العالم ما عم تقدر تشتري… الأمور صعبة”.

وأضاف أن طموحاته عند الافتتاح كانت أكبر مما يراه اليوم في السوق، مشيرًا إلى أن استمرار الوضع على ما هو عليه قد يدفعه إلى التفكير بإغلاق المشروع.

وربط أبو أحمد بدوره الأسعار بتقلب الدولار، مضيفًا: “إذا بدي قول للزبون سعر البرداية مليونين، لح يقلي بحطهن بشي أبدا”.

نموذج الماركت يدخل السوق المحلي

إلى جانب المحال التقليدية، بدأت محال الأغذية الحديثة “الماركت” تفرض حضورها في داريا، مقدمة نمط تسوق مختلفًا يقوم على الخدمة الذاتية وتعدد الخيارات في مكان واحد.

نذير رجب، مدير ماركت “البيم”، قال إن الانطلاقة كانت جيدة قبل أن تتراجع الحركة بسبب تقلبات الدولار، وأضاف: “اليوم ممكن تبيع بسعر، وبكرا تخسر لأنك رح تشتري أغلى”.

ويوضح رجب أن فكرة الماركت لاقت قبولًا من بعض السكان، خاصة العائدين من تركيا الذين اعتادوا هذا النمط من التسوق ويجدون فيه ما يحتاجونه.

ويعتمد المشروع على الخدمة الذاتية، وهو نموذج لا يزال حديثًا نسبيًا في السوق المحلي، ويمنح الزبون حرية اختيار احتياجاته مباشرة من بين أصناف متعددة.

ورغم أن أكثر من 90% من البضائع، بحسب رجب، محلية، فإن تسعيرها يبقى مرتبطًا بسعر الدولار، ما يجعل الحفاظ على استقرار الأسعار أمرًا صعبًا.

أما محمد الصغير، صاحب ومدير “ون هايبر ماركت”، فيقول إن مشروعه، وهو الفرع السادس ضمن سلسلة “ون هايبر ماركت”، استطاع خلال ثلاثة أشهر فقط أن يحقق حضورًا ملحوظًا في داريا.

ويعزو الصغير ذلك إلى العروض المستمرة وتنوع المنتجات بما يناسب شرائح مختلفة من الزبائن، وقال: “نحاول نوفر بضاعة تناسب الكل، سواء اللي معه أو اللي وضعه محدود”.

ويشرح أن الماركت يوفر تجربة تسوق متكاملة تشمل المواد الغذائية، والألبان، والمجمدات، والمنظفات، بحيث يتمكن الزبون من شراء احتياجاته من مكان واحد.

ويقول إنه يرى في داريا فرصة لهذا النوع من الاستثمارات، لافتقادها سابقًا لفكرة وجود مكان يجمع المستلزمات الأساسية كلها.

ومع ذلك، لا ينفي أن تقلبات الدولار تفرض تحديات يومية على التسعير، وتدفعه أحيانًا إلى تقليل هامش الربح للحفاظ على الزبائن.

السكان: راحة أكبر لكن الكلفة مرتفعة

في مقابل حديث أصحاب المشاريع عن فرص السوق وصعوباته، تنقل شهادات السكان أثر هذه الفعاليات على حياتهم اليومية، بين الترحيب بتوفر الاحتياجات داخل المدينة والشكوى من ارتفاع الأسعار.

محمد محمود، وهو عامل، يرى أن هذه المشاريع تسهم في تنشيط داريا وتخفيف الأعباء عن الأهالي، وقال إن وجودها يسهل على الناس تلبية احتياجاتهم، “بدل ما يضطر الواحد يروح عالشام ويدفع أجور نقل كبيرة”.

أما سليمان، وهو طالب جامعي، فيربط الفائدة بحدود السعر، وقال: “البضاعة لما توصل لداريا، بيكون كل تاجر ربح عليها، فتصل بسعر عالي … الموضوع بيرجع لضمير التاجر ونسبة الربح اللي بيحطها”.

ويضيف أن هذه الفعاليات توفر الجهد والوقت، وتمنح المدينة حيوية أكبر، وتترك أثرًا على شكل السوق المحلي في مدينة عانت لسنوات من دمار واسع.

ومن زاوية مختلفة، ترى ميرا، التي عادت من الأردن، أن الماركت الحديث يمثل نقلة مريحة على مستوى التسوق اليومي، وقالت: “فكرة إنك تلاقي كل شي بمكان واحد مريحة كتير، وما تضطري تلفي على مية محل”، مضيفة أنها تشبه، بشكل بسيط، ما اعتادت عليه في الغربة.

لكنها لا تفصل ذلك عن الواقع المعيشي، وتقول: “بس الأسعار غالية، يا ريت يعملوا عروض أكتر”.

انتعاش تجاري تحت ضغط المعيشة

تعكس هذه المشاريع التجارية عودة واضحة للنشاط داخل أسواق داريا، سواء عبر محال صغيرة افتتحت بدافع التوسع أو الانتماء، أو عبر أسواق حديثة تحاول تغيير شكل التسوق المحلي.

لكن هذه الحركة، كما تظهرها الشهادات، لا تنفصل عن ضغوط الأسعار وتراجع القدرة الشرائية، ما يجعل استمرارها مرتبطًا بقدرتها على التكيف مع سوق غير مستقرة، ومع سكان يوازن كثيرون منهم بين الحاجة والقدرة على الشراء.

مقالات ذات صلة

مشاريع تجارية تتعثر في داريا.. لماذا تغلق بعض المحلات أبوابها بعد افتتاحات صاخبة؟

دبس الرمان في داريا.. ساعات من العمل لـ«مونة» تتقاسمها العائلة

من السجاد المستعمل إلى مدافئ الحطب.. كيف تستعد الأسر في داريا للشتاء؟