استضاف المركز الثقافي في مدينة داريا، الجمعة 17 نيسان، محاضرة بعنوان “كيف تبني ملكتك في العلوم الشرعية؟”، قدمها مدير مؤسسة “رؤية للفكر”، الدكتور حذيفة عكاش، بحضور مهتمين من المدينة، في فعالية دعت إليها مؤسسة وأكاديمية “رؤية للفكر”.
وركزت المحاضرة على فكرة “بناء الملكة” في العلوم الشرعية، عبر التمييز بين جمع المعلومات وحفظها، وبين امتلاك منهجية وقواعد كلية تمكن طالب العلم الشرعي من فهم المسائل وترجيح الأقوال والحكم عليها بصورة منضبطة.
كما حضر في شهادات المشاركين حديث متكرر عن أهمية تفعيل المركز الثقافي في داريا، وضرورة أن يكون له دور منتظم في تنظيم المحاضرات والأنشطة الثقافية والعلمية.
بناء الملكة بدل تكديس المعلومات
الدكتور حذيفة عكاش قال لعنب بلدي إن الجلسة جاءت بعنوان “كيف نبني الملكة في العلوم الشرعية”، انطلاقًا من ملاحظة يراها حاضرة لدى عدد من الشباب المتحمس لطلب العلوم الشرعية، تقوم على الاعتماد على قراءة هذه العلوم وجمع المعلومات فيها، دون التركيز بما يكفي على بناء الملكات العلمية.
وأوضح أن المحاضرة تناولت نقد الاقتصار على “تكديس المعلومات”، مقابل السعي إلى بناء “الملكات” في تلك العلوم، مشيرًا إلى أن المقصود بالملكات هو “المنهجية والعقلية والقواعد الكلية”، أي الأدوات التي تمكن طالب العلم من التعامل مع المسائل بطريقة منضبطة.
وأضاف أن تحصيل هذه الملكات لا يتم بمجرد القراءة، بل يحتاج إلى حفظ قواعد العلم، والتدرب على التطبيقات العملية، والاستمرار في المران والممارسة.
وذكر أن كثرة التدريب العملي تجعل لدى طالب العلم الشرعي قدرة على التمييز بين الأقوال الضعيفة والقوية، ثم تتطور هذه القدرة في مراحل متقدمة حتى يصبح بإمكانه النظر في المسائل غير المنصوص عليها.
وبحسب عكاش، فإن هذه الملكة العلمية تأتي ضمن مسار طويل، وتظهر بصورة أوسع في مراحل الدراسات العليا، ولا سيما في الماجستير والدكتوراه، حين ينتقل الطالب من تحصيل المعلومات إلى امتلاك أدوات النظر والحكم.
المحاضرة تناولت أصول العلم ومراحله
شامل عربي، وهو أحد الحضور، قال لعنب بلدي إن المحاضرة كانت “قيمة جدًا”، لأنها تناولت أصول العلم الشرعي، ومراحل تطوره، ومعنى العلم نفسه، وما الذي ينبغي على الشخص فعله ليكون لديه “المرجعية الأساسية للعلم”.
وأضاف أن أهمية مثل هذه المحاضرات لا ترتبط بموضوعها العلمي فقط، بل أيضًا بكونها تفتح بابًا أمام الشباب لبدء طريقهم بصورة صحيحة، معتبرًا أن وجود مركز ثقافي يحتضن هذا النوع من الفعاليات يمكن أن يترك أثرًا واضحًا في داريا إذا استمر وتوسع.
أما يوسف المنجد، أحد الحضور، فقال إن المحاضرة دارت حول تكوين “الملكة الفقهية”، وركزت على المقارنة بين شخص يحفظ المعلومات، وآخر يمتلك منهجًا يستطيع من خلاله “محاكمة الأمور” والوصول إلى الرأي الأرجح.
وأضاف أن الفكرة الأساسية كانت أن الملكة لا تتشكل من كثرة المحفوظات وحدها، بل من امتلاك منهجية محددة لها خطواتها ووسائلها.
ورأى المنجد أن أهمية هذا الطرح تكمن في أنه ينقل الاهتمام من مجرد تلقي المعلومات إلى كيفية التعامل معها، وهو ما يجعل طالب العلم أقدر على فهم المسائل والحكم عليها وفق أصول واضحة.
فايز العبار، من الحضور أيضًا، وصف المحاضرة بأنها “قيمة”، وقال إنها تفتح آفاقًا أمام المختصين في طريقة تلقي المعلومة، والحفاظ عليها، وتطويرها، وتحسينها.
وأضاف أن الفائدة منها لا تقتصر على جانب نظري، بل تمتد إلى طريقة بناء المعرفة نفسها، معربًا عن أمله في أن يتم الاستفادة منها “لأقصى حد”.
دعوة إلى تفعيل المركز الثقافي في داريا
إلى جانب مضمون المحاضرة، حضر في شهادات المتحدثين تركيز واضح على دور المركز الثقافي في المدينة، وضرورة أن يستعيد حضورًا أكبر في تنظيم الأنشطة العلمية والثقافية.
الدكتور حذيفة عكاش قال إن المراكز الثقافية هي “مراكز إشعاع للعلم والفكر والوعي”، وتشكل مكانًا لالتقاء النخب الفكرية بعامة الناس وطلاب العلم والثقافة.
وأضاف أن تشجيع هذه الأنشطة ضروري، لأن قوة المعلومة الصحيحة والفكرة الصحيحة لا تأتي فقط من صوابها، بل أيضًا من قدرتها على الانتشار، معتبرًا أن المراكز الثقافية تؤدي هذا الدور في نشر العلم والوعي داخل المجتمعات.
يوسف المنجد قال بدوره إن تفعيل المركز الثقافي مهم جدًا، مضيفًا أن كثيرين كانوا يأسفون لأن دوره في فترات سابقة كان شبه غائب، باستثناء أنشطة كانت تنفذها بعض المنظمات ضمن برامجها الخاصة.
واعتبر أن المركز الثقافي ينبغي أن يكون له دور ذاتي في طرح البرامج الثقافية والمحاضرات، لأن وجود المؤسسات والجهات المنفذة لا يلغي، برأيه، الدور الأساسي الذي يفترض أن يقوم به المركز نفسه.
فايز العبار شدد أيضًا على أهمية تفعيل المركز الثقافي، وقال إن هذا الدور ضروري لرفع سوية الثقافة لدى الناس، ولا سيما الكوادر وأهل الاختصاص في المجالات العملية. وأضاف أن المدينة بحاجة إلى نخب من أهل العلم تعمل على تطوير نفسها، ونقل المعلومة الصحيحة إلى عامة الناس.
أما شامل عربي، فاعتبر أن وجود مركز ثقافي ينظم المحاضرات والفعاليات التي توعي الشباب مسألة مهمة، لأنها تساعدهم على بدء مشوارهم بالطريقة الصحيحة، مقترحًا أن تشهد داريا فعاليات أكثر داخل المركز خلال الفترة المقبلة.
حضور علمي ورسالة ثقافية
أظهرت المحاضرة، بحسب مضمونها وشهادات الحضور، اهتمامًا بفكرة التأسيس العلمي المنهجي في دراسة العلوم الشرعية، كما أعادت إلى الواجهة مطلبًا محليًا يتعلق بتنشيط الدور الثقافي للمركز في داريا، عبر محاضرات وفعاليات منتظمة تخاطب طلاب العلم والمهتمين والجمهور الأوسع في المدينة.
وركزت المحاضرة على بناء الملكة في العلوم الشرعية، فيما دعا عدد من الحضور إلى توسيع الفعاليات الثقافية وتفعيل دور المركز الثقافي في داريا.