يقبل طلاب الشهادتين الإعدادية والثانوية في داريا على الدروس المكثفة مع اقتراب امتحانات حزيران 2026، في ظل شكاوى متزايدة من ضعف الكوادر التدريسية في بعض المدارس، وتأخر إنهاء المنهاج، واستمرار تبدل بعض المدرسين خلال العام الدراسي.
وبدأت معاهد خاصة وبعض المدارس العامة استقبال الطلاب خلال شهر نيسان الحالي، فيما انطلقت دورات أخرى قبل نحو أسبوع، وسط توجه متزايد من الطلاب إلى هذه الدروس بوصفها فرصة لمراجعة المنهاج واستدراك النقص قبل الامتحانات النهائية.
ويبدو إقبال الطلاب مدفوعًا بالحاجة إلى تثبيت المعلومات وتحسين التحصيل في المرحلة الأخيرة قبل الامتحان، ومن جهة أخرى، بتراجع ثقة بعض الطلاب والأهالي بقدرة المدارس وحدها على تغطية المنهاج في الوقت المناسب.
المعاهد الخاصة تستقطب الطلاب
بحسب المعلومات التي جمعتها عنب بلدي، يوجد في داريا ما لا يقل عن خمسة معاهد بدأت تقديم الدروس المكثفة لطلاب الشهادتين، إلى جانب وجود دروس استدراك مكثفة في بعض المدارس العامة.
ولا تتوفر أرقام دقيقة عن أعداد الطلاب المسجلين في هذه الدورات، لكن ما رصدته عنب بلدي في “معهد البيان” أظهر وجود نحو 15 طالبًا في الصف الواحد تقريبًا، ضمن أربعة صفوف شوهدت داخل المعهد.
ويتركز الإقبال على طلاب الصف التاسع والبكالوريا معًا، فيما تحظى المواد العلمية، إلى جانب اللغات، بطلب أكبر من بقية المواد.
ولا يبدو هذا المشهد استثنائيًا هذا العام، إذ يتكرر في كل سنة مع اقتراب الامتحانات، حين يلجأ عدد كبير من الطلاب إلى الدروس المكثفة خلال الفترة التي تسبق الامتحان النهائي.
وقال حسام الوادي، وهو مدرس لغة عربية في الدورات المكثفة بمعهد المعالي، إن مدة الدورة المكثفة تمتد عادة بين شهر وشهر ونصف، وتكتسب أهميتها خصوصًا بالنسبة إلى الطالب المقصر خلال العام الدراسي، لأنها تعيد مفردات المنهاج كاملة، وتمنحه فرصة للحاق بالطلاب الذين تقدموا خلال السنة.
الطلاب: نفهم في المعاهد أكثر
بالنسبة إلى ملاك همج، وهي طالبة في البكالوريا العلمي، لم تعد المدرسة وحدها كافية للتحضير للامتحان.
وقالت إن فقدان الكوادر الجيدة في المدارس، وضعف الشرح، واختزال بعض الأفكار، جعل اختيار المعهد أفضل بالنسبة إليها، لما يوفره من تنظيم في المنهاج، ومعرفة أوضح بالمواد التي يجب دراستها بانتظام، إلى جانب وضوح الشرح.
وفي المقابل، ترى أن المدارس تفتقر إلى المتابعة والحزم من جانب بعض المدرسين.
وفي الصف التاسع، اختارت روان عجم الدروس المكثفة في المعهد بدلًا من المدرسة، لأنها وجدت أن الكادر التدريسي أفضل، إلى جانب توفر وسائل تعليمية مساعدة وبيئة أكثر راحة.
وقالت إنها كانت تعاني ضعفًا في الفيزياء والكيمياء والرياضيات، لكنها تحسنت في هذه المواد بعد انقطاعها عن المدرسة من أجل حضور الدروس المكثفة في المعهد، معربة عن أملها في النجاح لزملائها في المرحلة الإعدادية.
الدروس المكثفة تسحب الطلاب من المدارس
الصورة نفسها تطرحها غادة بكري باشا، وهي طالبة في الصف التاسع، إذ تقول إنها اختارت الدروس المكثفة لأن فيها تركيزًا على الدروس والوظائف والحلول في جميع المواد، بينما لا تجد في المدارس كادرًا ملتزمًا بالدوام.
وأضافت أنه رغم التحضير الجيد، يشعر الطلاب حاليًا بالتوتر، مشيرة إلى وجود ضعف في مادة اللغة العربية داخل المدارس، وأن وضعها الدراسي أصبح أفضل بعد الالتحاق بالدروس المكثفة.
ولا يقتصر هذا الاتجاه على حالات فردية، إذ تشير المعطيات المتوفرة إلى أن بعض الطلاب يتركون المدرسة فعلًا خلال هذه المرحلة من أجل التركيز على الدروس المكثفة، في ظل قناعة متزايدة بأنها أكثر فائدة من الدوام المدرسي في الفترة التي تسبق الامتحان.
وقال مدير معهد الآفاق، علي سويد، لعنب بلدي، إن أهمية الدورات المكثفة لطلاب الشهادتين تتمثل في إعادة المنهاج للطالب، وترتيب أفكاره، وتقديم التوجيهات اللازمة له.
وبحسب سويد، فالطالب الذي قصر خلال السنة يكون أحوج إلى هذه الدورات، بينما يستطيع الطالب المجتهد أن يراجع من المنزل من دون حاجة ضرورية إلى الالتحاق بها.
وأضاف أن الدورات المكثفة تبدو أكثر فائدة للطالب المقصر، في حين يلتحق بها بعض الطلاب المتفوقين من باب التأكيد والسعي إلى تحصيل العلامة التامة.
الضائقة المادية تحد من التسجيل
وأشار سويد إلى أن الرغبة في التسجيل موجودة، لكن الضائقة المادية تحد من قدرة كثير من العائلات على إلحاق أبنائها بهذه الدورات، موضحًا أن بعض المعاهد تقدم حسومات للأيتام وأبناء الشهداء، إلى جانب تسهيلات تراعي الظروف المادية للطلاب، في وقت قال فيه إن فرض بعض الرسوم يبقى ضروريًا لتغطية تكاليف المدرسين.
وتقول أم عمر جاموس، التي تقيم في حي الشاميات في داريا، إنها اختارت لابنتها، التي تدرس البكالوريا حاليًا، مدارس خارج داريا، لكنها ترى أن الدروس المكثفة لا بد منها، خصوصًا لطلاب الفرع العلمي، لأن المدارس لا تنهي المنهاج.
وأضافت أن الدورات بدأت مع بداية شهر نيسان الحالي، لذلك اضطرت ابنتها إلى ترك المدرسة والالتحاق بالدروس المكثفة.
وتكشف شهادة أم عمر جانبًا آخر من المشكلة، إذ لا تتعلق المسألة فقط برغبة الطلاب في رفع المعدل، بل أيضًا بعدم قدرة بعض المدارس على إنهاء المواد في الوقت المناسب، ما يجعل الدروس المكثفة خيارًا شبه إلزامي لدى كثير من الأسر.
كلفة إضافية على العائلات
تفرض هذه الدروس أعباء مالية إضافية على الأهالي، إذ تبلغ كلفة المادة الواحدة نحو 25 ألف ليرة سورية، فيما ذكر بعض الطلاب أن كلفة الدروس الشهرية لطلاب الصف التاسع قد تصل إلى 300 ألف ليرة سورية.
وبحسب حسام الوادي، فإن كلفة كامل منهاج الصف التاسع تصل في بعض الحالات إلى 750 ألف ليرة سورية، بينما تتقاضى بعض المعاهد نحو مليون ليرة، في حين تبلغ كلفة ثلاث مواد نحو 300 ألف ليرة.
وأشار إلى وجود مبادرات داخل بعض المدارس تدعم الدورات المكثفة بأسعار مخفضة للطلاب، إلا أن هذه المبادرات لا تبدو كافية لتخفيف العبء عن جميع الأسر.
خيار يتوسع مع اقتراب الامتحانات
تبدو الدروس المكثفة بالنسبة إلى عدد متزايد من طلاب داريا جزءًا أساسيًا من التحضير للامتحانات النهائية، لا خيارًا إضافيًا فقط.
ويتكرر الإقبال على الدروس مع اقتراب امتحانات الشهادتين، مدفوعًا بضعف الكوادر في المدارس العامة وتأخر إنهاء المنهاج في عدد منها، مقابل كلفة إضافية تتحملها العائلات قبل الامتحانات.