من المبادرات الصغيرة إلى العمل المنظم.. نقاش في داريا حول دور المجتمع المدني

عبد الكريم بكار خلال الجلسة الحوارية حول دور مؤسسات المجتمع المدني في داريا - 24 أيلول 2026 (عنب بلدي - نغم لحام)

تستطيع مؤسسات المجتمع المدني أن تبدأ عملها بفكرة صغيرة أو جهد تطوعي محدود، لكن أثر هذا العمل يرتبط بقدرتها على فهم احتياجات الناس وتنظيم جهود المشاركين فيه.

كانت هذه من أبرز الأفكار التي ناقشتها جلسة حوارية في مدينة داريا حول دور المؤسسات المدنية في النهوض بسوريا، وسط حديث عن تشجيع الشباب على التطوع، وترميم النسيج الاجتماعي، وتحديد أولويات العمل وفق واقع كل منطقة.

ونظمت مؤسسة «فكر وبناء»، بالتعاون مع مركز مقاربات للتنمية، الجلسة مساء الخميس 24 من أيلول، في مركز الشهيد يحيى شربجي بداريا، وقدمها الدكتور عبد الكريم بكار.

وتناول النقاش التحديات التي تواجه العمل المدني، والأفكار التي يمكن البدء بها في المرحلة الحالية، ودور المؤسسات والمبادرات في بناء الإنسان وتعزيز المشاركة المجتمعية.

من أين يبدأ العمل؟

قال مدير مؤسسة «فكر وبناء»، محمد خير النعال، لعنب بلدي، إن سوريا تعيش بداية مرحلة نهوض يفترض أن تشمل مجالات مختلفة بعد الدمار الذي طال البلاد، وإن الحاجة لا تقتصر على إعادة بناء الحجر، بل تشمل الإنسان والبيئة أيضًا.

وأوضح النعال أن المؤسسة دعت الدكتور عبد الكريم بكار للحديث عن دور منظمات المجتمع المدني في هذه المرحلة، بهدف طرح أفكار يمكن الانطلاق منها في أعمال النهوض والتنمية، ومناقشة التحديات التي قد تواجه المؤسسات خلال عملها.

وكان العاملون في المؤسسات والمنظمات المدنية الفئة المستهدفة أساسًا من اللقاء، إلى جانب المهتمين بالشأن العام، لكن النعال وصف حضور ممثلي المؤسسات بأنه «متواضع»، وعزا ذلك إلى بعد المسافة وصعوبة الطرق المؤدية إلى داريا.

وقال إن اللقاء عقد رغم ذلك، وناقش المشاركون خلاله المحاور والأفكار التي كان مقررًا طرحها.

مبادرات صغيرة قابلة للتوسع

من الأفكار التي استوقفت عددًا من الحاضرين إمكانية البدء بمبادرات محدودة بدل انتظار توفر مشروع كبير أو موارد واسعة.

وقال مؤيد حبيب لعنب بلدي إن المبادرة قد تبدأ بفكرة تبدو صغيرة، ثم تتطور إلى مشروع أكبر مع مرور الوقت، ويرى أن أهمية مؤسسات المجتمع المدني تظهر في قدرتها على إعادة الحيوية إلى المجتمع والمساهمة في ترميم نسيجه.

وربط حبيب الحاجة إلى هذا الدور بما وصفه بتفكك أصاب النسيج الاجتماعي خلال حقبتي حكم حافظ الأسد وبشار الأسد، معتبرًا أن المؤسسات تستطيع العمل في مجالات متعددة، مثل التربية والصحة والتشجير، مع أهمية تكامل جهودها بدل بقائها مبادرات متفرقة.

واهتمت مؤمنة مطر أيضًا بفكرة البدء بالإمكانات المتاحة. وقالت لعنب بلدي إنها حضرت إلى داريا للاستفادة من خبرة بكار ورؤيته، وإنها مهتمة بتطوير معرفتها بالعمل المدني، ولا سيما ما يتعلق بالرؤية والاستراتيجية.

وترى مطر أن المؤسسات المدنية والمشاريع الوقفية تستطيع القيام بأدوار مساندة للدولة، وأن محدودية الموارد أو صغر المبادرة في بدايتها لا ينبغي أن يمنعا أصحابها من الانطلاق.

واستشهدت بتجربة مؤسسة مجدي يعقوب في مصر، وفكرة المساهمات المالية الصغيرة التي قالت إنها تعرفت إليها من خلال مقابلة تناولت نشأة المؤسسة، معتبرة أن العمل يمكن أن يبدأ بإمكانات محدودة ثم يتوسع تدريجيًا.

بيئة تشجع الشباب على التطوع

وصل محمد جمال الدين إلى الجلسة بعدما شاهد إعلانها على «فيسبوك»، مدفوعًا أيضًا باهتمامه بكتب بكار وأفكاره.

وقال لعنب بلدي إن المحاضرة تناولت التطوع إلى جانب النظم السياسية والاستراتيجيات، وإن الأمثلة المرتبطة بالعمل التطوعي كانت من الأفكار التي استوقفت انتباهه.

ويرى جمال الدين أن نشر ثقافة التطوع بين الشباب يحتاج إلى بيئة تساعدهم على الانخراط فيه، وليس إلى دعوتهم للمشاركة فقط.

واقترح فتح جمعيات خيرية، إلى جانب جمعيات ومراكز تعنى بالمحاضرات والثقافة السياسية وثقافة التطوع، مستشهدًا بمركز يحيى شربجي بوصفه مساحة تستضيف لقاءات ومحاضرات من هذا النوع.

وبحسب جمال الدين، يمكن لهذه المساحات أن تشجع الشباب على الحضور والمشاركة، ثم الانتقال من الاهتمام بالأفكار إلى العمل ضمن مبادرات وأنشطة مدنية.

احتياجات المنطقة تحدد الأولويات

بالنسبة إلى طارق معترماوي، لا يمكن تحديد دور واحد يصلح لجميع مؤسسات المجتمع المدني، إذ يرى أن عمل كل مؤسسة ينبغي أن ينطلق من واقع المنطقة التي تعمل فيها، والمشكلات التي يواجهها سكانها، إلى جانب قدراتها وإمكاناتها.

وقال لعنب بلدي إن العمل المدني، الذي وصفه بأنه كان مغيبًا خلال حقبتي حكم الأسد وحزب البعث، بدأ يظهر في مجالات العمل الخيري والتوعية والمبادرات المجتمعية.

ويرى معترماوي أن مؤسسة «فكر وبناء» في داريا تستطيع، على سبيل المثال، تحديد أولوياتها بالنظر إلى احتياجات المدينة، سواء تعلقت ببناء الإنسان أم بالمكان.

ويأمل أن تتحول الأفكار التي ناقشها المشاركون في الجلسة إلى مبادرات تنفذ على أرض الواقع، وأن يعمل كل مشارك في المجال الذي يستطيع المساهمة فيه.

من هو عبد الكريم بكار؟

عبد الكريم بن محمد الحسن بكار أكاديمي وكاتب سوري، تتركز مؤلفاته ونشاطاته في قضايا التربية والفكر والنهضة.

حصل على البكالوريوس من كلية اللغة العربية في جامعة الأزهر عام 1973، ثم الماجستير عام 1975 والدكتوراه في أصول اللغة عام 1979.

بدأ مسيرته الأكاديمية في السعودية عام 1976، وعمل في جامعتي الإمام محمد بن سعود الإسلامية والملك خالد، وحصل على درجة الأستاذية عام 1992، قبل أن يستقيل من العمل الجامعي عام 2002 ويتفرغ للتأليف والعمل الثقافي والفكري، واستمرت مسيرته الأكاديمية 26 عامًا.

ولبكار أكثر من 40 كتابًا في مجالات الفكر والتربية والحضارة، إلى جانب مشاركته في محاضرات وندوات وبرامج إعلامية، ومن مؤلفاته «مقدمات للنهوض بالعمل الدعوي»، و«مدخل إلى التنمية المتكاملة»، و«تكوين المفكر»، و«ثقافة العمل الخيري».

 

مقالات ذات صلة

بعد نحو 40 عرضًا دوليًا.. «غاندي الصغير» يصل إلى داريا

جناح ريف دمشق في معرض دمشق الدولي.. داريا من المظاهرات إلى التهجير

ناجيات وعائلات مفقودين في داريا يطالبن بكشف المصير وجبر الضرر