كان ضوء النهار يحدد وقت الدراسة لدى علي خشفة خلال سنواته في كلية العلوم بجامعة دمشق، فلم يكن منزل أسرته في داريا موصولًا بالكهرباء، وكان يحمل كتبه إلى بساتين الأرض الشرقية، ويجلس بين أشجار الجوز والتين والتفاح والتوت، ويقرأ حتى المغرب أو بعده بقليل، ثم يعود إلى البيت.
بدأ تعلمه عند «الخجا»، وانتقل بين مدارس داريا، ثم قصد دمشق لفترة قصيرة من المرحلة الثانوية، قبل أن يعود مع افتتاح الصفوف الثانوية في بلدته.
وفي عام 1970، كان من طلاب أول دفعة بكالوريا في ثانوية الغوطة الغربية، المدرسة التي سيعود إليها لاحقًا مدرسًا.
ولد خشفة في داريا في شباط عام 1952، وأمضى نحو سبعة وثلاثين عامًا في تدريس الفيزياء والكيمياء والرياضيات، متنقلًا بين مدارس داخل المدينة وخارجها، حتى تقاعده عام 2012.
وبقيت الزراعة جزءًا من حياته إلى جانب التعليم، كما كانت جزءًا من حياة أسرته وبيئته.
في مقابلة مطولة أجرتها معه عنب بلدي، يستعيد الأستاذ علي خشفة مراحل دراسته وعمله، وأسماء معلميه وزملائه وطلابه، وظروف المدارس ونقص المدرسين واتساع تعليم البنات.
ومن خلال هذه السيرة، يعود إلى داريا التي عرفها منذ طفولته، ببيوتها وحاراتها، وكرومها ومجاري مياهها، ومؤونتها وعادات أهلها، وصولًا إلى النزوح خلال الثورة والعودة إلى منزله.
الأستاذ علي خشفة في السبعينيات (عنب بلدي – أرشيف علي خشفة)
لا أريد مالًا.. المهم أن تتعلم
كان والد علي، عبد الرزاق خشفة، قد حصل على الشهادة الابتدائية نحو عام 1943، وفق ما يرجحه ابنه، الذي يذكر أن عدد الناجحين من أبناء داريا آنذاك كان نحو ستة عشر شخصًا.
وحين بدأ علي دراسته، كان والده يحثه على الاستمرار فيها، ولا يريد له أن يترك المدرسة ليتعلم مهنة أو يبدأ العمل في سن مبكرة. وما زال يتذكر قوله: «لا أريدك أن تتعلم صنعة، ولا أريد مالًا، المهم أن تتعلم».
لم يكن هذا موقف جميع الأسر التي عرفها، فقد اكتفى بعضها بأن يتعلم أبناؤها القراءة، ثم تركوا المدرسة بعد الصف الثاني أو الثالث للعمل في الأرض أو في مهنة أخرى.
ويذكر أن بعض الأهالي كانوا يخشون أن يقود التعليم أبناءهم إلى الخدمة العسكرية، بينما حاول آخرون، ممن لم يتمكنوا من إكمال دراستهم، إتاحة هذه الفرصة لأبنائهم.
ومن أبناء حارته الذين عرفهم في المدرسة، يستعيد فايز خولاني، وجاريه محمود وسلمان خولاني، وبشير خولاني، الذي كانت عائلته تُعرف ببيت الشيخ محيي الدين أو «الشيخ محدّين».
بدأ خشفة تعلمه في نحو الرابعة أو الخامسة من عمره عند أم عزات مطر، المعروفة باسم «الخجا»، والتي كانت تقيم إلى جانب مقام النبي حزقيل (تحول لاحقًا إلى جامع حزقيل)، وكانت تستقبل أطفال الحارة وتعلمهم مبادئ القراءة وبعض سور القرآن.
ضمت مجموعته نحو عشرة أطفال، منهم إبراهيم خولاني، من العائلة المعروفة ببيت الشيخ عبد الفتاح، وكان أكبر منهم سنًا وأكثر معرفة بقراءة القرآن.
اعتمد التعليم عند «الخجا» على التلقين والترداد. وكان الأطفال يكررون الحروف والكلمات والسور حتى يحفظوها، وإن لم يفهموا دائمًا معاني ما يرددونه.
ويتذكر أنها كانت تهددهم أحيانًا بأخذهم إلى غرفة وضربهم بالعصي إذا لم يتعلموا.
ولم يقتصر تعليم القرآن في الأماكن التي عرفها على «الخجا»، فقد كانت هناك حلقة لشيخ من بيت حلمي قرب جامع الزاوية، ودروس للشيخ أحمد حلمي في الموقع الذي عُرف لاحقًا بجامع عمر بن عبد العزيز، قرب بيت عائلة الناموس.
ويذكر كذلك الشيخ إبراهيم حلمي وأخاه الشيخ طالب، اللذين اهتما بتعليم القرآن وإعداد الحفظة، ضمن حلقات توزعت على جوامع وحارات مختلفة.
وكان إتمام حفظ القرآن مناسبة يُحتفل بها. ويستعيد خشفة موكبًا يخرج لمن أتم الحفظ من الأطفال أو الشبان، تُرفع فيه الأعلام، وتردد الأناشيد، ويُقرع الطبل، إعلانًا بإتمام أحد أبناء البلدة حفظ القرآن.
وكانوا يطلقون على الاحتفال اسم «النشيدي»، وما تزال حركة المشاركين في الطريق والأعلام التي حملوها حاضرة في ذاكرته.
أزرار المريول ودفاتر لا تُترك فيها صفحة فارغة
انتقل خشفة من التعلم عند «الخجّا» إلى مدرسة أبي مسلم الخولاني، حيث أمضى خمس سنوات، حتى أنهى الصف الخامس الابتدائي. يتذكرها في بناء قديم ذي غرف متواضعة، ويذكر أنها حملت أسماء مختلفة عبر السنوات، وعُرفت لاحقًا باسم مدرسة معن بن زائدة.
ومن مديريها، يستعيد محمد العبار، الذي يصفه بأنه كان رجلًا فاضلًا. ومن زملائه أسامة وحمادي الخطيب، وعلي خولاني ابن أبي سليم، وجودت خولاني، من العائلة المعروفة ببيت السيد.
وبقيت صلات بعض الطلاب بالبيوت والعائلات أوضح في ذاكرته من تفاصيل الصفوف التي جمعتهم.
درّست في المدرسة معلمات، قدم بعضهن من خارج داريا ولم يكن يغطين رؤوسهن. ومنهن سميرة الفقير، التي يصفها بأنها كانت جيدة في التدريس ومتقدمة نسبيًا في السن، ويرجح أنها تولت مهمة تتصل بالإدارة.
ويتذكر معلمًا من آل المالكي، كان الأهالي يسمونه «المالكاني»، درّسه في الصف الرابع أو الخامس. كان شديدًا في متابعة الطلاب، ويأتي أحيانًا بسيارة أجرة.
ولا يتذكر خشفة أسماء جميع معلميه، لكنه يصفهم عمومًا بالإخلاص في عملهم، في وقت كان فيه عدد المعلمين من أبناء داريا محدودًا.
كان التلاميذ يرتدون مريولًا خاكيًا له أزرار بيضاء على الجانب، وما زال يتذكر شكل الأزرار وطريقة إغلاق المريول، مثلما يتذكر أن شراء الملابس، حتى غير المدرسية منها، كان نادرًا.
كان الطفل يحصل على لباس جديد في العيد أو عند بدء العام الدراسي، ويستعمله حتى يضيق عليه أو يبلى، ثم ينتقل ما بقي صالحًا منه إلى أخيه الأصغر، وتُرقع الملابس لإطالة استعمالها.
وامتد الاقتصاد في الإنفاق إلى الدفاتر والمصروف، فكان بعض الأطفال يملؤون الصفحات الفارغة في دفاترهم القديمة قبل طلب دفتر جديد، ويتجنبون طلب مصروف يومي حين يعرفون أن آباءهم لا يملكون مالًا إضافيًا.
ويروي خشفة انتقال الملابس بين الإخوة بوصفه أمرًا مألوفًا لم يشعرهم بالنقص، بل يرى أنه جعلهم أكثر إدراكًا لأوضاع أسرهم وأقل طلبًا لما يفوق قدرتها.
باب المدرسة مفتوح للمطالعة
لم تكن مدرسة أبي مسلم الخولاني تضم صفًا سادسًا، فانتقل خشفة إلى مدرسة الشهيد محمود الدباس في الحارة القبلية لإكمال تعليمه الابتدائي.
ومن معلميها يتذكر فايز الجابر وتيسير اللحام، ويصفهما بالقدرة على التعليم والحرص على الانضباط، مع القسوة في التعامل مع الطلاب.
توزع الدوام على ثلاثة أيام صباحية وثلاثة أيام بعد الظهر، ولم تكن الدراسة تنتهي دائمًا بانتهاء الحصص، فقد ألزم بعض المعلمين الطلاب بالحضور للمطالعة في المدرسة من الخامسة إلى السابعة مساءً، لأن بيوت بعضهم لم تكن تتوفر فيها كهرباء أو غرفة هادئة للمذاكرة.
كان الطلاب يراجعون دروسهم، فيما يحضر المعلم أو يبقى قريبًا للإجابة عن أسئلتهم. والمتغيب عن المطالعة قد يتعرض للعقوبة كما لو أنه غاب عن حصة مدرسية.
ويرى خشفة أن إلزامهم بها ساعدهم على الدراسة في ظل محدودية الإمكانات في منازلهم.
كما كان يقصد بيت الأستاذ محروس الدباس للمطالعة، قاطعًا الطريق من حارة الخولاني إلى حارة الدباس وسط الطين والوحل.
كان الدباس يستقبل الطلاب للدراسة والسؤال والمراجعة، ولا سيما من لم يجدوا في بيوتهم مكانًا مناسبًا.
ويقدّر خشفة عدد الطلاب في مجموعة المطالعة التي يتذكرها بنحو خمسة وعشرين، جاؤوا من حارة الخولاني والحارة القبلية ومناطق قريبة، ومنهم نور الدين نكاش، الذي أصبح لاحقًا معلمًا ابتدائيًا.
بعد إنهاء الصف السادس، تقدم إلى امتحان الشهادة الابتدائية، وكان امتحانًا عامًا يُشترط النجاح فيه للانتقال إلى الصف السابع. ويقارن مكانة امتحان الابتدائية آنذاك بمكانة امتحان الشهادة الإعدادية في السنوات اللاحقة، ويؤرخ نجاحه فيه بعام 1965.
ومن مقررات تلك المرحلة، يستعيد موضوعات عن الصين واليابان والخرائط والمناخ البارد والحار في الجغرافيا، وعن نابليون وفرنسا وإنجلترا والحروب والدولة العثمانية في التاريخ، إلى جانب الحساب وقياس المساحات وقواعد اللغة العربية.
ويذكر أن تلاميذ الصفين الرابع والخامس كانوا يتعلمون جدول الضرب وحساب المساحات وقياس الأراضي، وإعراب الجمل ومواضع كتابة الهمزة على الألف والواو والنبرة.
ويربط ما بقي لديه من هذه المعارف بمتابعة المعلمين وإلزام الطلاب بحفظ دروسهم وأداء واجباتهم.
رياضيات يتقاسم الطلاب براهينها
تابع خشفة دراسته في إعدادية الغوطة الغربية، قرب جامع المنبر في داريا. كانت قائمة، كما يصفها، في دار قديمة مستأجرة تضم الصفوف السابع والثامن والتاسع.
جاء إليها طلاب من داريا وصحنايا والأشرفية، وكان بعض القادمين من البلدتين المجاورتين يقطعون الطريق على الدراجات، وسط المطر والبرد والوحل في الشتاء.
ومن الطلاب الذين يتذكرهم عمر السقا، وفايز وفارس راجح، وأحمد الشربجي. ومن الأساتذة والإداريين، يستعيد محمد قاسمية، وأحمد عليان تبلو، الذي كان منزله قريبًا من جامع النبي حزقيل، وعبد اللطيف اليافي، مدرس العلوم.
في الصف التاسع، لم يجد الطلاب مدرسًا للرياضيات، فتولى عبد اللطيف اليافي مساعدتهم. وزع عليهم النظريات والبراهين، ليحفظ كل طالب جزءًا ويعرضه، بينما يتابع الأستاذ ما يقدمونه ويوضح ما يحتاج إلى شرح. ويقول خشفة إنهم اعتمدوا على هذا التعاون في دراسة المادة، وتمكنوا من النجاح في الامتحان.
لم تكن الدروس الخاصة ودورات التقوية واردة في ذلك الوقت، فقد اعتمدوا على شرح المعلم والقراءة الفردية وتبادل ما يفهمونه من الدروس.
ومن الرياضيات التي بقيت في ذاكرته، طريقة تعلمها في الصف الثامن لاستخراج جذور الأعداد الكبيرة، ويقول إنه ظل يستخدمها في حساباته اليومية بعد نحو ستين عامًا، من دون الحاجة إلى آلة حاسبة.
ويتذكر من مديري المدرسة ممدوح بدران، الذي التقاه بعد سنوات حين كان يعمل مسؤولًا عن البعثات، وفوجئ بأنه ما زال يستعيد أسماء طلاب داريا وعائلاتهم، ومنها الخولاني وخشفة والفحل.
حافلة إلى الحلبوني وثانوية تنتظر أبناء داريا
يؤرخ علي خشفة نجاحه في الشهادة الإعدادية بعام 1968. وبعدها انتقل إلى ثانوية أسعد العبد الله في الحلبوني بدمشق، إذ لم تكن الدراسة الثانوية قد بدأت في داريا آنذاك.
كان يذهب مع زملائه في حافلات قليلة يركبها أيضًا العمال المتجهون إلى معامل دمشق. ويتذكر حافلة صغيرة خضراء تقف قرب السكة، يجتمع عندها الطلاب والعمال في الوقت نفسه، ومع الازدحام والتدافع عند الصعود، كانت ملابس الطالب تتسخ أحيانًا بالوحل قبل وصوله إلى المدرسة.
وبعد الانتظار والبرد ودفع أجرة الطريق، كان عليهم الوصول قبل بدء الدوام.
يتذكر مدير الثانوية عادل الحموي شديدًا في ضبط الحضور، فقد يكون التأخر دقيقتين سببًا لإيقاف الطالب عند الباب وسؤاله، وربما مطالبته بإحضار والده أو شخص يكفله. ولم يكن تأخر الحافلة عذرًا تقبله الإدارة بسهولة.
وإلى جانب الدروس، خضع الطلاب لتدريب الفتوة بإشراف أحد العسكريين، يتذكر خشفة أنه كان ضابطًا، وربما برتبة ملازم.
لم تطل دراسته في الحلبوني. فقد سعى أهالي داريا ومخاتيرها ووجهاؤها، ومنهم مصطفى كشكة ومصطفى أبو الهوى، إلى افتتاح ثانوية تتيح لأبنائهم متابعة الدراسة في البلدة، بدلًا من الذهاب يوميًا إلى دمشق.
ويذكر خشفة أن الأهالي شاركوا في توفير الأرض ومتابعة المشروع، فيما تولت وزارة التربية بناء المدرسة قرب جامع أبي مسلم الخولاني.
وبحسب روايته، كانت الأرض مقبرة قديمة تعود إلى عائلة الخولاني، ووافق أصحابها أو المعنيون بها على تخصيصها للمدرسة. كما يستعيد وجود بيادر للقمح والشعير في الموقع نفسه، كان أبو محمود المزاوي يشرف على تنظيمها.
انتقل خشفة وزملاؤه إلى بناء ثانوية الغوطة الغربية الجديد في الفصل الدراسي الثاني من الصف العاشر، ويؤرخ هذا الانتقال بعام 1968 أيضًا.
ضمت المدرسة في بدايتها نحو خمس غرف صفية، ولم يكن سورها ومرافقها قد اكتملت، وكان عدد طلاب صفه نحو عشرين.
ومع انتقال الدفعة إلى السنة التالية، افتُتح لها الصف الحادي عشر، ثم صف البكالوريا. ويذكر أن المدرسة كانت بحلول عام 1970 تضم الصفوف الثلاثة، وأن دفعته تقدمت في ذلك العام إلى امتحان الشهادة الثانوية.
ومن مدرسي تلك السنوات، يستعيد ممدوح بدران في اللغة العربية، الذي تولى لاحقًا إدارة مديرية التربية، وفايز فنوني في الفيزياء، وعزت زيادة ومحمد المصري في مادة المجتمع العربي، التي تحول اسمها لاحقًا إلى التربية القومية.
بقيت ممتلكات المدرسة في مكانها خلال الصيف، رغم عدم اكتمال السور، ومنها طاولة كرة الطاولة وشبكتها، والشبك المعد للسور. ويقول إن بعض المارة من أبناء البلدة كانوا يتدخلون لمنع العبث بها، وإنها لم تتعرض للسرقة أو التخريب خلال الفترة التي يرويها.
ويربط اهتمام الأهالي بالمدرسة بما عانوه في إرسال أبنائهم إلى دمشق، فقد أتاحت الثانوية الجديدة متابعة الدراسة قرب البيوت، بعد رحلات الحافلات المكتظة وأجرة الطريق والتأخر عند باب المدرسة.
دراسة تحت الأشجار
لم يُنهِ افتتاح الثانوية صعوبات الدراسة، فقد بقي نقص مدرسي الاختصاص حاضرًا في سنوات خشفة فيها.
كان معظم مدرسي المواد الأساسية من خارج داريا، بحسب ما يذكر، ولم تبدأ أعداد المدرسين من أبناء المدينة بالازدياد إلا مع عودة خريجي الجامعات في منتصف السبعينيات.
وفي صف البكالوريا، تولى تدريس اللغة الإنجليزية مدرس يحمل الشهادة الثانوية فقط. يتذكر خشفة أنه صارح الطلاب بمحدودية معرفته بالمادة، واتفق معهم على التعاون وتبادل ما يفهمونه منها لمتابعة الدراسة.
اعتمد الطلاب على القراءة الفردية ومراجعة الدروس مع زملائهم، وسؤال من يستطيع مساعدتهم. ويقول إن الدروس الخاصة ودورات التقوية لم تكن متاحة لهم آنذاك، كما لم يكن في مقدور معظم أسرهم تحمل نفقاتها لو توفرت.
وكانت تجهيزات المدرسة محدودة أيضًا. استُخدم الحطب أو المازوت لتدفئة الصفوف، بحسب المتاح، وشارك الطلاب أحيانًا في تأمين احتياجات التدفئة أو الاهتمام بالمدفأة. وكان البرد يدخل من النوافذ والأبواب، فيجلسون بملابسهم الشتوية، قريبين من المدفأة أو بعيدين عنها بحسب مواقع مقاعدهم.
في مقابل ذلك، يستعيد متابعة المعلمين للدفاتر والواجبات، وإلزام الطلاب بتخصيص دفتر لكل مادة والمحافظة عليه خلال العام الدراسي، ويرى أن انتظام الدراسة وهذه المتابعة ساعداه وزملاءه على التعلم رغم نقص الكوادر والتجهيزات.
وخارج المدرسة، كان يحمل كتبه إلى بساتين الأرض الشرقية، منفردًا أو برفقة زملائه. وقرب الموقع الذي أُقيمت فيه لاحقًا مدرسة الإباء العربي، يتذكر قناة ماء وبساتين تمتد شرقًا حتى أرض تُعرف باسم «خواجة»، قرب منطقة اللوان في كفرسوسة.
توزعت في تلك الأراضي الأشجار ومجاري المياه ومضخات الري، وكان الطلاب يجلسون تحت أشجار الجوز والتين والتفاح والتوت، أو قرب أسوار الكروم، لمراجعة دروسهم.
ولم يقتصر قاصدوها على أبناء داريا، فقد التقى فيها طلابًا من دمشق، منهم طلاب من الميدان وثانوية الكواكبي ومدارس أخرى.
ويقول إن الظل والهدوء وقلة ما يشغلهم ساعدتهم على التركيز، حتى إنهم كانوا، بحسب تقديره، يحفظون بعض الدروس بعد قراءتها مرة أو مرتين.
في عام 1970، تقدم خشفة وزملاؤه إلى امتحان الشهادة الثانوية، ضمن أول دفعة بكالوريا في ثانوية الغوطة الغربية بداريا. ويقدّر عدد المتقدمين بنحو اثنين وعشرين طالبًا، بينهم سبعة أو ثمانية من معضمية الشام، ويرجح أن ثمانية عشر أو تسعة عشر طالبًا نجحوا في الامتحان.
ومن زملائه في الدفعة، يستعيد مصطفى حلمي، وماجد زيادة، وزهير الفحل، وأبي علاء حبيب، الذي يذكر أنه عمل لاحقًا مديرًا في المالية، وحسين اللحام، ومصطفى جمال الدين.
أما طلاب صحنايا الذين درس بعضهم معه في الإعدادية، فيذكر أنهم تابعوا المرحلة الثانوية في منطقتهم بعد توفر صفوف أو مدارس أقرب إليهم.
هندسة حلب التي أبعدته عنها رغبة أمه
أتاحت درجات خشفة في الشهادة الثانوية عام 1970 تسجيله في الهندسة بجامعة حلب، وكان يميل إلى هذا الاختيار، لكن والدته لم ترغب في سفره وإقامته بعيدًا عن الأسرة، فبقي قريبًا من داريا والتحق بكلية العلوم في جامعة دمشق.
درس الرياضيات والفيزياء والكيمياء،(ر ف ك)، ويقول إن اختياره أبقاه في مجال المواد التي كان يحبها، والتي تولى تدريسها لاحقًا.
وفي وصفه للجامعات المتاحة آنذاك، يذكر أن الطلاب من محافظة حمص والمناطق الواقعة جنوبها وصولًا إلى دمشق كانوا يتجهون غالبًا إلى جامعة دمشق، بينما يتجه طلاب المناطق الواقعة شمال حمص حتى حلب إلى جامعة حلب، قبل افتتاح جامعات وفروع أخرى في المحافظات.
كانت امتحانات كلية العلوم تعقد في حزيران وأيلول، وفق نظام يختلف عن الفصول الدراسية التي عُرفت لاحقًا. ويقول إن الطالب الذي يخفق في الامتحان كان يعيد جميع مواده، ومنها المواد التي سبق أن نجح فيها.
ويتذكر أن عدد طلاب سنته الأولى كان نحو 647 طالبًا، نجح اثنان وأربعون منهم في جميع المواد، وكان علي خشفة أحدهم. أما عدد خريجي فرعه عام 1974، فيقدره بنحو خمسة عشر طالبًا.
ومن زملائه يستعيد عمر قنبص، من منطقة الحارّة، وزميلًا من آل المؤذن، من مدينة التل، سافر بعد التخرج إلى الرياض.
واتجه بعض الخريجين إلى العمل في السعودية، بينما قبل آخرون التعيين الحكومي في محافظات سورية مختلفة.
وخلال سنوات الجامعة، استمر خشفة في الدراسة بالبساتين، فكان يخرج إليها صباحًا أو بعد انتهاء محاضراته، ويقرأ حتى المغرب أو بعده بقليل، ثم يعود إلى منزل أسرته، حيث لم تكن الإنارة المتاحة تساعده على مواصلة القراءة طويلًا.
إلى أستاذه من جديد
بعد تخرجه عام 1974، درس خشفة دبلوم التأهيل التربوي في الحلبوني بدمشق، وكان خريجو تلك المرحلة يُعينون مباشرة، بحسب روايته، من دون مسابقة أو مقابلة.
صدر تعيينه في محافظة درعا، ويربط مكان التعيين بترتيبه ودرجاته، ويذكر أن بعض زملائه لم يقبلوا العمل في المحافظات البعيدة. وأمضى نحو ثلاث سنوات في العمل بدرعا، استأجر خلالها غرفة في منطقة يسميها «المطار»، بنحو ستين ليرة شهريًا.
ويتذكر أن أجرة الطريق من دمشق إلى وسط مدينة درعا بلغت في السبعينيات ليرة ونصف ليرة، ثم كان يدفع أجرة إضافية للوصول إلى بعض القرى التي درّس فيها.
ويستعيد هذه النفقات عند مقارنة راتب المعلم بكلفة المعيشة آنذاك، فالرواتب كانت محدودة، لكن الإيجار والطعام والمواصلات كانت أقل كلفة مما أصبحت عليه لاحقًا، ويرى أن تدبير المعيشة ارتبط أيضًا بضبط الإنفاق.
تداخلت تلك السنوات مع خدمته العسكرية والتدريس بالساعات ومحاولاته الانتقال إلى داريا. ويذكر أنه درّس فيها فترة قبل التحاقه بالجيش، ثم عاد إليها بعد احتساب سنوات العمل والخدمة التي قضاها خارج محافظة دمشق.
وخلال عمله في درعا، واجه مسألة في الفيزياء كان لديه تصور لحلها، لكنه لم يكن مطمئنًا تمامًا إلى الجواب، فعاد إلى دمشق للاستفسار عنها من أحد أساتذته في الجامعة، قبل تقديم الحل إلى الطلاب.
زار الأستاذ في منزله بالحلبوني، وعرض عليه المسألة، وناقشا حلها والجزء المتغير فيها حتى توصلا إلى جواب اطمأن إليه. ويتذكر أن الأستاذ كان من آل الجزائري ومن المشاركين في تأليف الكتب.
ويقول إن أستاذه أبدى سروره بعودة أحد طلابه إليه للسؤال بعد التخرج. ويربط خشفة الزيارة بموقفه من التدريس، إذ يرى أن على المعلم مراجعة ما لا يتأكد منه، بالرجوع إلى المراجع أو سؤال من يستطيع مساعدته، قبل تقديمه إلى الطلاب.
يعود إلى مدرسته حاملًا الطباشير
يضع خشفة تجربته في التدريس بالساعات في داريا في منتصف السبعينيات، قبل استقراره في مدارسها.
ومن طلاب تلك المرحلة، يستعيد عبد العزيز الون، ومحمد السيسي، وزكريا الفرخ، وطه ناعسة، وزهير الإمام، الذي عاش لاحقًا في السعودية، ومأمون أسد، ومحمد الجادري، الذي أصبح طبيبًا، والصيدلاني علي الأحمر، والدكتور عبد الحكيم الخولاني.
عاد إلى ثانوية الغوطة الغربية مدرسًا للفيزياء والكيمياء والرياضيات، ولا سيما للصفوف العليا وطلاب الشهادة الثانوية.
ولم يقتصر عمله عليها، فقد درّس في ثانوية البنات والمدرسة الفنية، وفي مدارس بالأشرفية وقطنا، إلى جانب مدارس أخرى داخل داريا وخارجها.
في التسعينيات، كان يومه يتوزع أحيانًا بين أكثر من مدرسة، فينتقل من ثانوية البنات إلى الغوطة الغربية، ثم يذهب بعد الظهر إلى المدرسة الفنية.
وكان نصابه نحو تسع عشرة حصة أسبوعيًا، ثم انخفض مع تقدمه في العمر إلى ثلاث عشرة أو أربع عشرة حصة، مع استمراره في تدريس الصفوف العليا.
عُرض عليه خلال عمله الانتقال إلى التوجيه التربوي، لكنه لم يرغب في تولي المهمة. ويقول إنها كانت تتطلب التنقل بين مناطق مثل الزبداني وقارة ودير عطية، ومتابعة دوام المدرسين وتسجيل مخالفات التأخر، ولو لخمس دقائق.
ويشرح موقفه بمثال عن مدرس يتأخر خمس دقائق لظرف لا يعرفه الموجه، ثم يُطلب منه تسجيل مخالفة بحقه. وقد فضل البقاء في التدريس، حيث يشرح الدروس ويجيب عن أسئلة الطلاب.
كما فعل معلموه معه، كان يطلب من طلابه تخصيص دفتر لكل مادة وتنظيم الواجبات، وألا يجعلوا الدفتر مشتركًا بين أكثر من مادة. وفي تصحيح الواجبات والامتحانات، يقول إنه كان يمنح الطالب العلامة التي يرى أن إجاباته تستحقها، حتى إن لم يتقبلها الطالب.
وكان يسعى إلى إنهاء المنهاج نحو منتصف نيسان من كل سنة، ليترك وقتًا للمراجعة قبل الامتحانات. ويخبر الطلاب بإمكان زيارته في منزله للاستفسار عن المسائل التي لم يفهموها، أو سؤاله حين يلتقونه في الطريق، ويقول إنه لم يكن يتقاضى أجرًا عن هذه المساعدة.
وخلال سنوات عمله، رأى بعض طلابه ينتقلون إلى التعليم والإدارة والتوجيه. ويذكر منهم محمد السيسي وعبد العزيز الون، اللذين توليا إدارة ثانوية الغوطة الغربية، وعبد الرحمن الحسين، الذي عمل في المجال التربوي.
ومن طلابه أيضًا جمال زيادة، والمهندس صبحي زيادة، وكنانة، التي يرجح أنها أصبحت طبيبة أو صيدلانية.
الأستاذ علي خشفة مع طلابه في ثانية الغوطة الغربية (فيسبوك)
«ما حكمة اليوم؟»
إلى جانب القوانين والمسائل، كان خشفة يكتب على اللوح أبياتًا وحِكمًا يختارها استجابة لما يلاحظه في الصف. ويقول إن بعض الطلاب كانوا يسألونه: «ما حكمة اليوم؟».
ومن الأبيات التي يتذكر كتابتها:
وكن رزينًا طويل الصمت ذا فكرٍ
وبالذي عنه لم تُسأل فلا تُجِب
وكذلك:
ومن يعش مضيعًا لفرصته
ذاق العناء وأدمى كفّه الندم
كما كان يكتب العبارة المنسوبة إلى علي بن أبي طالب: «قيمة كل امرئ ما يحسنه».
وكان يختار أحيانًا ما يتصل باستثمار الوقت وفرص التعلم، حين يلاحظ انشغال طالب عن دراسته، ويقول إن بعض طلابه كانوا يستعيدون له هذه العبارات عندما التقوا معه بعد سنوات.
17 طالبة وصف خلف باب المدرسة
حين يعود الأستاذ علي خشفة إلى طفولته، يتذكر أن كثيرًا من البنات في داريا كن يتوقفن عن الدراسة بعد الصف الثالث أو عند نهاية المرحلة الابتدائية. ويعزو ذلك إلى اعتقاد لدى بعض الأسر بأن البنت ستتزوج، فلا حاجة إلى استمرارها في التعليم.
ومن الفتيات من مواليد الخمسينيات اللواتي واصلن الدراسة، يذكر هيام السمرة، التي أصبحت مدرسة للغة الإنجليزية، وأختها سهام، حفيدات الخطاط بدوي الديراني.
وبحسب ما يستعيده، ازداد التحاق البنات بالمرحلة الإعدادية خلال السبعينيات، ثم بدأت أعداد محدودة منهن متابعة الدراسة الثانوية.
وفي عام 1981، درّس خشفة صف الحادي عشر للبنات في داريا، ويصفه بأنه أول مجموعة من البنات تصل إلى المرحلة الثانوية في البلدة.
لم تكن هناك غرفة صفية متاحة لهن في المدرسة بدايةً، فافتُتح لهن صف خلف بابها، ضم نحو سبع عشرة طالبة. ويتذكر منهن أميرة المصري، وليلى العبار، ونجوى زيادة، ونبيلة عواظ، ومريم مراد، وهنادي الحو.
وخلال السنوات التالية، ازدادت أعداد الطالبات في التعليم الثانوي، ويذكر أن بعضهن تابعن الدراسة الجامعية وعملن في الطب والتعليم وإدارة المدارس.
بعد الحصة موعد مع السقاية والقطاف
لم يكن التدريس منفصلًا عن الزراعة في حياة علي خشفة، فقد عمل مع أسرته في الأرض، ضمن الموارد التي اعتمدوا عليها في معيشتهم.
ويقول إن كثيرًا من المعلمين والموظفين في داريا كانوا يجمعون بين الوظيفة والزراعة، فيعودون بعد الدوام إلى أراضيهم للسقاية والقطاف وسائر الأعمال الزراعية.
كانت الأرض توفر للأسر طعامًا أو دخلًا إضافيًا يساعدها في نفقات البناء وتزويج الأبناء، بحسب ما يروي.
وفي حديثه عن أجور التعليم، يذكر أن حصوله على دبلوم التأهيل التربوي أضاف إلى راتبه علاوة تقارب خمس عشرة ليرة، وأن الموظف كان يحصل على زيادة دورية كل سنتين، يقدرها بنحو 7%. وكان أجر الحصة الإضافية نحو سبع ليرات، يُقتطع منها جزء للضريبة.
ويذكر أن راتب المدرس تراوح في مراحل مختلفة من خدمته بين 700 و900 ليرة، ثم ارتفع إلى نحو 1200 أو 1300 ليرة في الثمانينيات.
وحين يصف موارد الأسر، يعود إلى الفرق بين ما تنتجه الأرض وما يتوفر من نقود، فقد يجد أهل البيت ما يأكلونه من القمح والبرغل والحليب والقشطة والخضراوات والفاكهة، بينما يحسبون أجرة الطريق وثمن الدفتر والدواء ضمن نفقات نقدية محدودة.
عند أطراف البيوت تبدأ الكروم
يتذكر خشفة بيوت داريا في طفولته متركزة حول الجامع الكبير وجامع المنبر والحارات القديمة، تبدأ عند أطرافها الكروم والأراضي الزراعية.
وفي ساحات الدور والأراضي المحيطة بها نمت أشجار التين والتوت والتفاح والعنب، إلى جانب النخيل في بعض البيوت.
كان بيت أسرته قرب «النصبة» (خلف الثانوية الشرعية حاليًا) يضم غرفًا مرتفعة السقوف وساحة وأرضًا صغيرة فيها أشجار. ويقدّر ارتفاع بعض غرف البيوت القديمة بنحو خمسة أمتار.
وبُنيت بيوت كثيرة باللّبِن، باستخدام التراب والتبن ومواد متاحة محليًا. ويقارن خشفة كلفة بنائها بما احتاجته البيوت الإسمنتية لاحقًا من مال.
لم تصل الكهرباء إلى جميع أنحاء البلدة في الوقت نفسه، إذ توفرت في بيوت ضمن القسم القريب من الجامع الكبير والبلدية، بينما بقيت المناطق على الأطراف خارج الشبكة أو محدودة الخدمة.
استخدمت الأسر مصابيح الكاز ووسائل إنارة بسيطة، منها «الفانوس نمرة أربعة». ويتذكر أن بلورته كانت تتعرض للكسر أو يتراكم عليها السواد، وأن القراءة الطويلة على ضوئه كانت متعبة.
وقرب الموقع الذي أُقيم فيه مشفى الرضوان لاحقًا، بالقرب من دار محيي الدين خولاني، يتذكر أشجارًا كثيفة تمتد باتجاه الأرض الشرقية. ويصف بعض تلك الأماكن بأنها كانت تشبه الغابة، حتى حجبت الأشجار ضوء الشمس عن الأرض في مواضع منها.
للماء طريق بين الدور وحصة تُقاس بالدقائق
اعتمدت كروم داريا في سقايتها على مياه النهرين الشرقي والغربي، بحسب ما يذكر خشفة، قبل انتشار حفر الآبار ومحركات الضخ. وكانت المياه تصل إلى الأراضي عبر مجارٍ وقنوات، يمر بعضها بين البيوت والأحياء.
وفي وصفه لمسار المياه في حارة الخولاني منذ خمسينيات القرن الماضي، يستعيد مواضع قرب مديرية المنطقة وبيت الزعاويط وأرض النصبة ودار أبي حميد الخولاني، وصولًا إلى دار أبي أنور الخطيب.
وكان البستان القريب من بيت أسرة علي خشفة خلف دار “أبو أنور الخطيب”، وكانت دار عيسى مطر بالقرب من دار أبي أنور الخطيب، في موضع يشير إليه بوصفه مكان الحديقة العامة حاليًا.
ثم يتابع النهر مجراه إلى دار المغمض ودار أبي مظهر الخطيب بالقرب من مدرسة الخطيب، وينعطف نحو دار الشيخ صالح، وصولًا إلى مواضع قرب دار إبراهيم الشربجي مقابل جامع أبي مسلم الخولاني.
وفي زقاق التربة، عند دار أبي هاشم الصباغ، يلتقي هذا المجرى بمجرى آخر قادم من الجهة الشرقية، من ناحية دار أبي عزت ديب سليمان.
ويقول إن أراضي كثيرة كانت تسقى من النهرين، وإن أجزاء من الأرض الشرقية كانت تسقى أحيانًا بمياه النهر الغربي، عبر مسار يمر قرب دار الزردة ويصل إلى منطقة بلاس.
كانت حصص مياه السقاية تقاس بالوقت. حين يأتي دور صاحب الأرض، يفتح المجرى ويوجه المياه إلى أرضه، ثم يتركها لمن يليه. وكان التأخر أو التقدم في تسليم المياه سببًا لخلافات بين الشركاء.
ويروي خشفة قصة رجل من كبار السن في داريا، كان يملك حصة من مياه السقاية في الأرض الغربية، وحين اختلف شركاؤه على توزيع المياه ونحو عشر دقائق من وقت الري، ترك لهم حصته وطلب إليهم تقسيمها بينهم، تجنبًا للدخول في النزاع.
ويصفه بأنه كان من أصحاب الأرض القادرين على المطالبة بحقهم، لكنه تنازل عن حصته تجنبًا للاقتتال.
«أبواب» تُفتح للماء
في وصف العمل الزراعي، يذكر خشفة «المؤتاي»، وهي الأرض المزروعة بنوع من الخضراوات يسمى «الإتا».
كانت تُجهز فيها مجارٍ صغيرة متعرجة تشبه اللولب، وتزرع بذور الخيار أو «الإتا» بحيث تمتد أوراق النبات إلى الطرف الذي لا تصله المياه، تجنبًا لتلفها.
ويقول إن هذا الشكل من السقاية يسمى أيضًا «الأبواب»، ويُستخدم لري الدوالي. ويميزه عن «الطاروق»، الذي يكون بين دوالي العنب بشكل متعرج أيضًا، لكن المساحة التي لا تصلها المياه تكون أوسع منها في «المؤتاي».
بعد امتلاء «أبواب» الدوالي بالماء، ينقله المزارع إلى الجزء التالي عبر فتحة، بإغلاق مجرى وفتح آخر، حتى تصل المياه إلى أجزاء الأرض كلها.
ويقول إن التربة كانت تصبح شديدة الرخاوة بعد السقاية، حتى إن قدم العامل قد تغوص فيها إلى الركبة، ولا سيما حين تكون الأرض محروثة يدويًا بطريقة يسميها «الرفاس»، باستخدام أداة تُعرف باسم «المر»، تشبه «الكريك».
عنب يسبق عنبًا بعشرين يومًا
كانت زراعة العنب واسعة الانتشار في داريا كما يتذكرها خشفة. ضمت معظم البيوت دوالي، إلى جانب الكروم الممتدة في الأرضين الشرقية والغربية.
وكان العنب أكثر انتشارًا في الأرض الغربية، بينما كثرت في الأرض الشرقية أشجار الجوز والتفاح والتين والتوت والمشمش والرمان.
وزُرع الفول والباذنجان وخضراوات موسمية أخرى، فيما امتدت البساتين في الجهة الغربية من قهوة «أبو جبل» حتى بلدة «الجديدة».
وقبل انتشار العرائش، استُخدمت «المساويك» في العناية بالدوالي، وهي قطع يصفها بأنها تشبه الشُّعَب، تستند إليها جذوع الدوالي على ارتفاع نحو عشرين أو ثلاثين سنتيمترًا.
كانت الدوالي تسقى كل خمسة أو ستة أيام وتحمل عناقيد كثيرة. ويقول إنه لم يكن يلاحظ فيها الاصفرار والأمراض التي عرفها في مراحل لاحقة.
واختلف موعد نضج العنب بين جهات داريا، ففي المناطق الشرقية والجنوبية كان ينضج قبل عنب الأرض الغربية بنحو عشرين يومًا، وفق تقديره. ويربط تأخر النضج كلما اتجهت الكروم غربًا باختلاف الموقع والمياه والجو.
كما يتذكر ربط بعض ثمار الرمان أو رفعها بالحبال، وترك ثمار يستطيع الأطفال والمارة الأكل منها، ضمن حدود متعارف عليها تراعي حق صاحب الأرض.
قطعة خبز ليوم في البساتين
كانت البساتين من الأماكن التي يقضي فيها الأطفال أوقاتهم.
يتنقلون بين أشجار التوت والمشمش والتفاح والرمان والعنب، ويأكلون من ثمارها خلال النهار، وفي الشتاء، يبحثون عن حبات الجوز التي جرفتها المياه أو استقرت في مجاريها.
ويقول خشفة إن الطفل كان يحمل أحيانًا قطعة خبز يابسة، ويقضي يومه خارج البيت، يأكل مما يجده من الثمار، من دون الحاجة إلى شراء طعام.
ومن الصور التي يستعيدها «جرن»، أو حوض، أمام جامع أبي مسلم الخولاني، كان بعض العائدين من الكروم يضعون فيه عنبًا للفقراء والمحتاجين.
ويتذكر أن العنب قد يبقى فيه أيامًا، وأن المار يأخذ قدر حاجته ويترك الباقي لغيره. ويستشهد بهذا المشهد حين يتحدث عن القناعة ومراعاة الآخرين.
ومن المحاصيل التي زرعها والده البطاطا في منطقة «بلاس». ويتذكر نقل أكثر من عشرين حملًا منها إلى البيت على ظهور الدواب، ثم مجيء الناس لشراء حاجتهم، فيختار بعضهم الحبات الكبيرة، وآخرون الصغيرة.
اعتمد نقل المحاصيل والحراثة على الدواب والأدوات التقليدية، قبل بدء انتشار الجرارات الزراعية في السبعينيات، بحسب ما يستعيده.
ويقدّر ثمن كيلو البطاطا في بداية الثمانينيات بنحو ربع ليرة، أي خمس ليرات لعشرين كيلوغرامًا، ويتذكر أكياسًا تزن عشرين أو ثلاثين كيلوغرامًا.
وكانت الأسرة تشتري أحيانًا كيسين يكفيانها معظم الشتاء، وتعد البطاطا بطرق مختلفة، إلى جانب الحبوب والبقول والخضراوات المحفوظة.
«طحنة» لثلاثة أشهر و«أورما» على رغيف ساخن
يتذكر خشفة أن أسرًا كثيرة في داريا كانت تؤمّن جانبًا من طعامها من الزراعة وتربية الحيوانات حتى تسعينيات القرن الماضي.
كانت تزرع القمح والشعير والبطاطا والباذنجان والبامية والفاصولياء، وتحصل على الحليب والقشطة واللحم من الحيوانات التي تربيها.
وفي موسم المؤونة، كانت النساء يُعددن «المكدوس» و«الكشك» و«العصائر»، أي المربيات، ويجففن البامية والفاصولياء والباذنجان. كما كان الجوز والرمان والبطاطا يُخزن لاستهلاكه لاحقًا.
لم تكن أسرته تشتري الخبز يوميًا، فكانت تطحن حاجتها من القمح، ثم تعد الخبز في البيت. ويقول إن «الطحنة» كانت تكفي نحو ثلاثة أشهر.
كانت الأسرة تجهز الحبوب وتحملها إلى طاحونة يديرها رجل مسيحي اسمه حنا الكسواني. وكان أهالي داريا يقصدونها لطحن القمح وجرش البرغل وحبوب أخرى، ثم يعودون بما جهزوه إلى بيوتهم لإعداد الطعام والخبز.
يتذكر خشفة الطريق إلى الطاحونة، والناس يحملون الأكياس وينتظرون أدوارهم، وصاحبها جالسًا معهم ومباشرًا العمل بنفسه، ويصفه بالتواضع.
أما اللحم، فكانت الأسرة تذبح خروفًا أو خروفين وتحفظه على هيئة «أورما».
ويتذكر والدته تضع في الصباح ملعقة منها على رغيف ساخن خارج من التنور، ويصفها بأنها من الوجبات التي كان يفضلها.
ولم تكن زراعة الزيتون واسعة في داريا، بحسب ما يذكر، رغم انتشار الأشجار المثمرة الأخرى. وكان بعض الأهالي يقصدون مناطق خارج البلدة لالتقاطه أو شرائه، ثم يعودون به ويعصرونه ويحفظون الزيت لاستهلاكه خلال السنة.
هكذا كانت بيوت تخزن ما يكفيها معظم الشتاء من الطحين والبرغل و«الكشك» و«المكدوس» والزيتون والخضراوات المجففة وغيرها، مع ما يتوفر لها من الحليب واللحم.
ويربط خشفة ذلك بقلة حاجتها إلى الشراء المتكرر من السوق، رغم محدودية النقود المتاحة لديها.
نصف فرنك عند البدوي
يتذكر خشفة دكان علي البدوي صغيرًا ومحدود السلع بالقرب من جامع الخولاني في الخمسينيات.
كان يبيع الفستق والبذر والقضامة، ومنها المكسرة والمملحة والمغطاة بالسكر، ويقصده الطفل ومعه مبلغ صغير يقدره بنصف فرنك، ليشتري مقدارًا من التسالي.
كما كان يبيع الهريسة، التي كانت تسمى «سميد»، وكانت العائلات تشتريها منه بالصواني. ويذكر أن سعر الكيلو بلغ ليرة ونصف ليرة في الستينيات والسبعينيات.
أما الطحين والبرغل، فلم يكن أصحاب الدكاكين يحتاجون إلى بيعهما بكميات كبيرة، بحسب روايته، لأن كثيرًا من الأسر كانت تنتجهما أو تخزنهما في البيت، وتقصد الدكان للحصول على بعض ما ينقصها.
وكان كبار السن في الحي يجلسون عند علي البدوي في الصباح ويشربون الشاي مع الكعك.
وقرب البلدية، يستعيد محلًا قديمًا يُعرف باسم «مكتبة الأحمر»، كان الطلاب يشترون منه الدفاتر والأدوات المدرسية، وفي السبعينيات كانوا يشترون منه الملابس المدرسية أيضًا.
ويربط المكتبة، بحسب ما تسعفه الذاكرة، باسم «حسين الأحمر»، ابن عبد اللطيف الأحمر، أو بأحد أفراد الأسرة.
كما يتذكر محلًا آخر للعائلة نفسها قرب المكتبة، يعمل في بيع الزجاجيات، كان يقصده معظم سكان البلدة.
طبيب وصيدلية
من الخدمات التي يتذكرها خشفة عيادة طبيب مسيحي اسمه جوزيف كسّاب، كان يعمل قرب بيت عائلة الناموس في منتصف الستينيات تقريبًا.
يصف طريقته في مخاطبة المرضى باللطف. كان يسألهم عن الأعراض، ويصف العلاج، ثم يطلب إليهم العودة بعد يومين أو ثلاثة لمتابعة حالتهم.
كما يتذكر شخصًا فلسطينيًا كانت لديه صيدلية قبالة البلدية، ويرجح أنه من عائلة الماضي. وكان صاحب الصيدلية أو العامل فيها يفتحها بعد العصر حتى المغرب.
ويقدّر أجرة الكشف عند الطبيب بليرة أو ليرة وربع، ويذكر أدوية كانت تُباع في ظروف أو قناني بأسعار بلغت ربع ليرة أو نصف ليرة.
وكان العلاج من النفقات التي تحتاج إلى نقود، حتى لدى الأسر التي تؤمّن جانبًا من طعامها من الأرض.
طعام للمارة قرب الجامع
كانت أسر في داريا تبيع الحليب من بيوتها، مستفيدة من الأبقار والأغنام التي تربيها، وكان المشتري يقصد بيت الفلاح ويأخذ الكمية التي يحتاج إليها. ويقدّر خشفة ثمن الكيلو في الستينيات بنحو أربعة فرنكات.
وإلى جانب البيع، كان بعض الأهالي يوزعون الحليب صدقة، ولا سيما يوم الجمعة أو في رمضان.
ويذكر نساء في الحارة كن يقدمن الحليب والطعام للجيران والمحتاجين، منهن مريم خولاني، وإن لم يستعد أسماءهن جميعًا.
كما يتذكر مجالس للرجال قرب الجامع، يُقدم فيها الشاي، ويحمل بعض المشاركين طعامًا يأكل منه الحاضرون. وفي رمضان، كان القادم من العمل أو من جهة المغرب يشاركهم الطعام، بحسب روايته.
ومن المرتبطين بخدمة الجامع، يستعيد «الحج علي» من آل اللحام، الذي كان يؤذن في جامع أبي مسلم الخولاني في السبعينيات، ويقدر مدة خدمته فيه بنحو ثمانية وأربعين عامًا.
ويقول إن «الحج علي» جاء من كفرسوسة واستقر في داريا قبل إجراء المسح العقاري. وحين جرى المسح، مُسحت له مساحة من الأرض مقدارها «مُد» في موضع إقامته، وظل يسكن هناك حتى وفاته.
600 ليرة مهر و100 غرام ذهب
يتذكر خشفة بيوتًا في داريا جمعت الأب والأم والأبناء وزوجاتهم وأطفالهم، وكانت تقيم في البيت الواحد أحيانًا خمس أسر صغيرة في غرف متجاورة، وتتشارك الساحة والمطبخ وأعمال المنزل، وبقيت هذه الظاهرة حتى التسعينيات من القرن الماضي.
حين يتزوج أحد الأبناء، كان الآباء يجهزون له غرفة في البيت نفسه. ويقول إن طلب المسكن المستقل لم يكن شائعًا بالقدر الذي عرفه لاحقًا، ويربط ذلك باتساع البيوت القديمة وقلة متطلبات التجهيز، إلى جانب ما يراه من قدرة أفراد الأسرة على التفاهم.
ولم تكن قيمة المهر واحدة بين الأسر، بل اختلفت باختلاف أوضاعها المادية. ويذكر أن زواجًا أُقيم عام 1958 بلغ مهره 600 ليرة سورية، وفي منتصف السبعينيات، يذكر مبالغ تراوحت بين 3000 و5000 ليرة حينها.
واختلفت كمية الذهب أيضًا، ويذكر مقادير تصل إلى 100 أو 120 غرامًا، مؤكدًا أن ما تقدمه كل أسرة ارتبط باستطاعتها.
وإلى جانب المهر والذهب، شملت نفقات الزواج تجهيز غرفة العروسين.
وكانت بعض الأسر تؤمن هذه النفقات من محصول الأرض أو بيع جزء من ممتلكاتها، بينما تلجأ أسر أخرى إلى الاقتراض.
ومع حديثه عن فترات لاحقة، يستعيد ارتفاع تكاليف المسكن والأثاث وما ترتب عليها من ديون. وينقل عن الأستاذ بشير شعيب قصة رجل ظل يسدد دين زواجه حتى بلغ ابنه الصف الأول في مطلع الألفية الثالثة، أي بعد نحو سبع سنوات من زواجه، بحسب الرواية.
خلافات تجد طريقها إلى كبار الحارة
في العلاقات داخل الحارة، يتذكر خشفة أن المعلمين كانوا يعرفون أسر طلابهم، وأن متابعة سلوك الأطفال لم تكن تقتصر على الوالدين أو المعلمين، فإذا أخطأ طفل، كان رجل كبير ينبهه، وإن لم يكن من أقاربه، ويقول إن الطفل كان يستجيب له.
وامتد تدخل كبار السن والأشخاص الذين يحظون بالاحترام إلى تسوية خلافات بين الإخوة أو العائلات، وكانوا يستمعون إلى الأطراف ويحاولون إنهاء النزاع. ويتذكر أن كثيرًا من هذه الخلافات حُل بهذه الطريقة، من دون اللجوء إلى محامٍ أو تقديم شكوى.
وفي الخلافات الزوجية، يقول إن أهل المرأة كانوا يحاولون تهدئتها وإصلاح الخلاف حين تعود إلى بيتهم غاضبة، وقد تعود إلى منزلها بعد يوم أو يومين.
وينقل عن والده قصة امرأة شكت زوجها إلى أبيها، فأعادها الأب إلى بيتها بكلام حاسم، بعدما رأى أن الخلاف لا يستدعي الانفصال.
ويرى خشفة أن تدخل الأهل وكبار الحارة ساعد على احتواء بعض المشكلات، ويقارن ذلك بخلافات لاحقة يعتقد أنها اتسعت بسبب التشدد في المواقف.
حين طفا الفراش داخل البيت
ينقل خشفة روايات عن سيل ضرب داريا في أربعينيات القرن العشرين، قبل ولادته. ارتفعت المياه، بحسب ما سمعه، أكثر من متر في بعض المواضع، ودخلت البيوت وأغرقت ساحاتها وتسببت في انهيار جدران.
ومن الأماكن المتضررة التي يذكرها دار الشيخ خليل خولاني والبيوت المحيطة بها في حارة الخولاني. ويروي أن رجلًا من الأسرة، يرجج أنه يوسف الشيخ خليل أو أحد إخوته، حاصرته المياه داخل بيته وطفا فراشه، قبل أن ينقذه أحد أبناء الحارة.
ويقول إن بعض الأسر التي تضررت بيوتها انتقلت إلى جهة طريق المعضمية وبنت هناك بيوتًا جديدة، وإن الأهالي جلبوا أعمدة من المزة لاستخدامها في إعادة البناء.
أما في الخمسينيات، فيتذكر سيلًا آخر أقل قوة. حينها رأى الناس المياه مقبلة، وشرعوا في تدعيم الجدران وإقامة سواتر من التراب والحجارة.
ويقول إن ذلك ساعد على توزيع المياه وتخفيف اندفاعها، فلم تتكرر الأضرار بالحجم الذي سمع عنه في السيل السابق.
ويستعيد مشاركة أبناء الحارة في حماية البيوت وإنقاذ من حاصرتهم المياه، ثم في الترميم.
أعلام وطبول تتقدم بعض الجنازات
شاهد خشفة خلال طفولته في الخمسينيات أشخاصًا يسيرون أمام النعش، يحملون الأعلام ويقرعون الطبول فيما يُعرف بـ«النوبة». يتذكر رؤيتها أكثر من مرة في داريا، لكنها لم تكن تخرج في جميع الجنازات.
كانت أدواتها وأعلامها محفوظة في قبة جامع أبي مسلم الخولاني، ويتولى إخراجها واستخدامها أشخاص يعرفون طريقة القرع.
ومن العبارات المكتوبة على الأعلام، يستعيد «لا إله إلا الله» و«محمد رسول الله».
ودخل، وهو طفل، مع خمسة أطفال إلى المكان الذي كانت تُحفظ فيه، ويقدّر عمر بعض الأعلام بأكثر من مئة سنة، لكنه لا يعرف مصيرها لاحقًا.
كما يربط «النوبة» ببيت مرداش، أو بشخص يتذكره باسم “أبو أيمن مرداش”. ولا يجزم باستخدامها في الأعراس أو النذور، فما يتذكر مشاهدته هو خروجها أمام بعض الجنازات.
في داريا مجددًا.. بيت وثلاث عرائش
تقاعد علي خشفة عام 2012، بعد نحو سبعة وثلاثين عامًا في التعليم. ومع تصاعد العمليات العسكرية في داريا، غادر مع أسرته إلى منطقة الجديدة، حيث أقاموا في غرفتين بنوهما على أرض يملكونها.
ويقول إنهم كانوا يبحثون عن مكان أكثر أمانًا، من دون تخطيط للاستقرار خارج بلدته.
وحين تمكن من العودة إلى منزله، وجده متضررًا، وقد سُرق أثاثه وأجزاء من تجهيزاته. وينسب سرقة الأثاث إلى عناصر الجيش الذين كانوا موجودين في المنطقة.
في داريا، حيث أجرت معه عنب بلدي هذه المقابلة، يقيم خشفة اليوم في منزله، ويعمل مع أبنائه في أرضه، متوليًا السقاية والعناية بالمزروعات.
والبساتين التي كانت مكانًا للدراسة في شبابه ما زالت حاضرة في حديثه، بأشجارها ومجاري مياهها وأسماء أصحابها.
أما عنب البيت، فتأكل الأسرة اليوم من ثلاث عرائش يعتني بها قرب منزله، منها الأحمر الزيني والبلدي.