بعد انتهاء دوامه في المدرسة، كان عبد الكريم العبار يعود إلى أرضه في داريا لزراعة الخضراوات والعناية بالخراف والأبقار.
لم يكن راتبه من التعليم يكفي لتلبية احتياجات أسرته، فاستعان بالزراعة التي عرفها منذ طفولته، وظل يجمع بين العملين سنوات طويلة، من دون أن يرى تعارضًا بين مهنة التعليم والعمل في الأرض.
بدأ عبد الكريم العبار، المولود عام 1949، تعليمه جالسًا على الحصير في كُتّاب الشيخ عبد اللطيف الأحمر، ثم انتقل إلى مدرسة صغيرة تضم أربع غرف، كان التلاميذ يحضرون إليها الحطب لتدفئتها شتاءً. وبعد المرحلة الابتدائية، تابع دراسته في دمشق، متنقلًا إليها بالحافلات القديمة، ثم بالدراجة الهوائية، قبل أن يعود إلى داريا معلمًا وموظفًا في مدارسها.
أمضى أكثر من ثلاثة عقود في التعليم، تنقل خلالها بين التدريس والتوجيه التربوي وأمانة المكتبة وأمانة السر. وشهد خلال تلك السنوات توسع المدارس وازدياد أعداد الطلاب، لكنه واجه أيضًا انقطاع بعضهم عن الدراسة بسبب حاجة أسرهم إلى مساعدتهم في الزراعة والمهن، إلى جانب ضعف الموارد المتاحة للمدارس ورواتب العاملين فيها.
في السويد، حيث يقيم حاليًا، استعاد العبار، خلال مقابلة مع عنب بلدي، تفاصيل طفولته ودراسته وعمله، وأسماء معلمين ومديرين وزملاء وطلاب، إلى جانب ذكريات عن الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية في داريا، وخروجه من سوريا خلال سنوات الثورة والحرب، ثم زيارته البلاد بعد سقوط نظام الأسد.
وتوثق شهادته جانبًا من تاريخ التعليم في داريا منذ خمسينيات القرن العشرين، بدءًا من الكتاتيب والمدارس الصغيرة، وصولًا إلى المدارس الثانوية التي استقبلت أبناء المدينة والبلدات المجاورة، وما رافق ذلك من تغير في نظرة الأهالي إلى التعليم وعلاقته بالعمل.
من الكُتّاب إلى المدرسة
وُلد عبد الكريم العبار في داريا في الأول من كانون الأول عام 1949، ونشأ في أسرة اعتمدت، مثل كثير من أسر المدينة، على الزراعة مصدرًا أساسيًا للعيش. ومع أن العمل في الأرض كان جزءًا من حياة الأسرة، فإنها لم تنظر إليه بوصفه بديلًا عن التعليم؛ فقد كان جده ووالده وعمه من المتعلمين، ودرس أحد أعمامه اللغة الإنجليزية، ولذلك حرصت الأسرة على تعليمه منذ سن مبكرة.
بدأ تعليمه في كُتّاب الشيخ عبد اللطيف الأحمر، القريب من منزل أسرته في حارة الأحمر. وأُقيم الكُتّاب في غرفة واسعة داخل بيت الشيخ، حيث جلس الصبيان والبنات الصغار على الحصير، يتعلمون الحروف العربية ويحفظون السور القصيرة من القرآن الكريم.
استخدم الشيخ وسيلة تعليمية تُعرف باسم «الصُبّرة»، تضم حروف اللغة العربية التي يتعلمها الأطفال منفردة، قبل الانتقال إلى تركيبها لتكوين الكلمات. ويصف العبار هذه الطريقة بأنها «تركيبية»، ويقارنها بالطريقة «التحليلية» التي عرفها لاحقًا في المدارس، حين يبدأ المعلم بالكلمة ثم يجزئها إلى حروفها.
ويرى، استنادًا إلى خبرته التربوية، أن الكتاتيب أدت دورًا في تهيئة الأطفال للانتقال إلى التعليم النظامي.
أما حفظ القرآن، فاعتمد على الترداد الجماعي، إذ كان الأطفال يكررون السورة مرات كثيرة حتى يتمكنوا من حفظها قبل نهاية اليوم. وكان الأهالي يتابعون ما يتعلمه أبناؤهم، ويهتمون بحفظهم القرآن بوصفه جزءًا أساسيًا من التعليم في تلك المرحلة.
بقي منزل الشيخ حاضرًا في ذاكرة العبار بتفاصيله. فقد ضم مساحة تشبه حديقة صغيرة، وكانت غرفة الشيخ تقع إلى يمين المدخل، وامتلأت بالكتب والمخطوطات. واشترى أبناء الشيخ لاحقًا منزلًا مجاورًا من الجهة اليمنى، على الطريق المؤدي إلى مؤسسة الكهرباء.
ولم يقتصر اهتمام عبد اللطيف الأحمر بالكتب على قراءتها والاحتفاظ بها، فقد كانت بعض المساجد ترسل إليه مصاحف تمزقت أوراقها أو أصابها التلف، فيعيد ترتيب صفحاتها وترميمها بالصمغ العربي، لتصبح صالحة للاستعمال مجددًا.
تولى الشيخ إمامة الجامع الكبير في داريا، إلى جانب تعليم الأطفال، وقصده الأهالي للاستفسار عن شؤون العبادات والإرث وغيرها من المسائل الفقهية. ويصفه العبار بأنه أدى دورًا قريبًا من دور المفتي، وإن لم يحمل هذه الصفة رسميًا، وكان واسع الاطلاع على المذاهب الفقهية المختلفة.
ومن الروايات التي بقيت في ذاكرة العبار أن الشيخ تعرض للعتاب لأنه لم يكن يفتي وفق مذهب واحد، فأجاب، بحسب الرواية، بأنه يستند إلى المذاهب المختلفة ما دامت تلتقي عند ما يحقق صحة العبادة.
ويصفه العبار بأنه كان «بحرًا من العلم»، ويذكر أنه تلقى العلم عن والده أحمد الأحمر، الذي ينقل عما سمعه أنه كان مفتيًا في قطنا خلال مرحلة سابقة، ثم دفن في داريا.
كانت للشيخ صلة بالزراعة أيضًا، لكن أبناءه تولوا شؤون الأرض، ما أتاح له التفرغ للإمامة وتعليم الأطفال واستقبال الأهالي. وعامل الصغار معاملة أبنائه، وإن لجأ أحيانًا إلى الشدة لدفعهم إلى سرعة الحفظ، ولا سيما عند تعليم الحروف العربية.
مدارس داريا في الخمسينيات
انتقل العبار إلى المدرسة الابتدائية وهو في نحو السادسة من عمره. ولم تكن أعمار التلاميذ متقاربة دائمًا، فقد يجلس طفل في السادسة إلى جانب آخر في التاسعة أو العاشرة، بسبب تأخر التحاق بعض الأطفال بالتعليم ومحاولات توسيع الدراسة ومواجهة الأمية.
ويتذكر أن سن القبول أصبح أكثر انتظامًا بعد سنة أو سنتين، واستقر عند نحو سبع سنوات.
التحق بمدرسة عرفها الأهالي باسم «مدرسة الخطيب»، ويعزو تسميتها إلى إقامتها على أرض تعود إلى آل الخطيب. وكانت المدرسة قد حملت اسم «أبي مسلم الخولاني» في فترة أقدم، قبل خمسينيات القرن العشرين، ثم عرفت باسم «داريا الثالثة» خلال الخمسينيات والستينيات، مع استمرار تداول اسم «مدرسة الخطيب» بين الأهالي.
وفي مرحلة لاحقة، بعد افتتاح مدرسة البنات، حملت اسم «معن بن زائدة». وكان الاسم قد أُطلق قبل ذلك على مدرسة أخرى قرب مبنى البلدية، تحول بناؤها لاحقًا إلى ثانوية للبنات.
لم تضم مدرسة الخطيب سوى أربع غرف صفية، فلم يتمكن تلاميذها من إكمال المرحلة الابتدائية فيها. وبعد الصف الرابع، انتقل العبار إلى مدرسة أخرى لمتابعة دراسته.
ومن معلمي مدرسة داريا الثالثة وحيد اللحام، وهو من أبناء المدينة، ويصفه العبار بالطيبة والاحترام، ومعلم من آل الزهر لم يعد يتذكر اسمه. وعمل فيها أيضًا محمد العبار، المعروف بأبي أيمن، الذي تولى إدارتها لاحقًا، ومعلم فلسطيني الأصل من آل عمايري، يرجح أنه كان يقيم في داريا.
استعانت المدارس آنذاك بمعلمين يعملون بصفة وكلاء، بسبب قلة الكوادر التعليمية المؤهلة. وتفاوتت أساليب تعاملهم مع الطلاب، فقد جمع بعضهم بين الكفاءة والشدة، بينما ترك آخرون أثرًا طيبًا بسبب أسلوبهم في التعليم والتعامل.
خلال العدوان الثلاثي على مصر عام 1956، صرفت إدارة المدرسة التلاميذ قبل انتهاء الدوام، وطلبت إليهم حجب الضوء المتسرب من النوافذ أو طلائها، حتى لا يظهر ليلًا.
وبقيت الحادثة في ذاكرة العبار بوصفها إحدى أولى الوقائع التي ربطت طفولته المدرسية بالأحداث السياسية والعسكرية خارج داريا.
تولى أمين أبو النعاج إدارة المدرسة في تلك المرحلة، وعرف بشدته مع التلاميذ. ويتذكر العبار أنه كان يقدم برنامجًا لغويًا أو إخباريًا عبر الإذاعة، وكان سماع الطلاب اسم مديرهم في المذياع يزيد هيبته في نفوسهم.
ومع استدعاء عدد من الرجال إلى الخدمة الاحتياطية خلال العدوان الثلاثي، حدث تغيير في إدارة المدرسة، فتولت فاطمة الفقير إدارتها بعد أبي النعاج، وفق ما يتذكره العبار. وفي عهد الوحدة بين سوريا ومصر، عملت مدرسات مصريات في مدارس المنطقة.
وينقل العبار عن أشخاص يكبرونه بنحو عشرة أعوام روايات عن معلم أو مدير يدعى عبد الرؤوف، لا يعرف اسم عائلته، اشتهر بقسوته في معاقبة التلاميذ. وكان بعض من درسوا عنده يشيرون إلى ظهورهم عند الحديث عنه، قائلين إن آثار الضرب بقيت عليهم.
ولم يعش العبار هذه التجربة بنفسه، وإنما سمعها من أبناء الجيل السابق، كما يذكر أن عبد الرؤوف لم يكن من أبناء داريا.
ومن واقع عمله اللاحق في التربية، يرى العبار أن الضرب والخوف قد يفرضان انضباطًا ظاهريًا، لكنهما لا يساعدان على بناء علاقة سليمة بين الطالب ومدرسته.
امتد اليوم الدراسي في المرحلة الابتدائية على فترتين، أربع حصص قبل الظهر، ثم استراحة للغداء، تعقبها حصتان حتى نحو الرابعة عصرًا. أما يومَا الاثنين والخميس، فاقتصر الدوام فيهما على أربع حصص.
ولم يكن اليوم الدراسي الطويل يعفي أبناء الأسر الزراعية من العمل، فقد ذهب بعض الطلاب خلال الاستراحة إلى الأرض لمساعدة آبائهم في نقل شيء أو إنجاز عمل سريع، ثم عادوا إلى المدرسة.
ولم تكن الأسر قادرة دائمًا على دفع أجور العمال، فاعتمدت على أبنائها في الكروم والحقول.
وخلال الاستراحة، كان أقارب أسرة العبار من آل الشيخ عبد الفتاح خولاني يستضيفونه أحيانًا، بدلًا من عودته إلى منزل أسرته البعيد.
الأستاذ عبد الكريم العبار في مكتبه في ثانوية الغوطة الغربية في أواخر التسعينيات (عنب بلدي – عبد الكريم العبار)
التعليم بين المدرسة والعمل في الأرض
لم يكن دخول المدرسة يعني بالضرورة الاستمرار فيها، فقد واجه التعليم النظامي في داريا ممانعة لدى بعض الأسر، لأسباب اجتماعية واقتصادية ودينية.
وينقل العبار عمن سبقوه أن الشرطة والمخاتير كانوا يذهبون إلى الكتاتيب ويأخذون الأطفال إلى المدارس لإلزام أسرهم بتعليمهم، بينما أخفى بعض الأهالي أبناءهم أو سمحوا لهم بالهرب في اليوم التالي.
خشي بعض الآباء أن يؤدي تعليم الابن إلى سوقه لخدمة عسكرية طويلة، أو تعيينه موظفًا في منطقة بعيدة، في وقت ارتبطت فيه أسر كثيرة ببيوتها وأراضيها ولم ترغب في مغادرة أبنائها المدينة.
واعتقد آخرون أن المدرسة النظامية لا تعلّم الدين، وربما تبعد الطفل عن قيم أسرته. ويربط العبار هذه النظرة جزئيًا بالصورة التي خلفتها المرحلة الاستعمارية لدى بعض الأهالي عن المدارس.
أما الحاجة الاقتصادية، فكانت سببًا مباشرًا لانقطاع كثير من الطلاب، فقد يطلب الأب من ابنه ترك واجب أو امتحان ليذهب معه إلى الأرض، باعتبار أن ما فاته في المدرسة يمكن تعويضه، بينما لا يمكن تأجيل العمل المطلوب في الكرم أو الحقل.
ومع مرور السنوات، تغيرت هذه النظرة تدريجيًا، وازداد إقبال الأهالي على التعليم، حتى أصبحت الأبنية القائمة عاجزة عن استيعاب الأعداد الجديدة.
بعد الصف الرابع، خُير عبد الكريم العبار بين الانتقال إلى المدرسة المجاورة لمبنى البلدية ومدرسة محمود الدباس، فاختار الثانية.
كانت المدرسة تعرف أولًا باسم «داريا الثانية»، ثم حملت اسم الشهيد محمود الدباس، وهو ضابط من أبناء داريا قُتل في معركة “التوافيق”، التي دارت بين القوات السورية والإسرائيلية ليلة 31 كانون الثاني وفجر 1 شباط 1960، في القطاع الجنوبي من الجبهة السورية قرب بحيرة طبريا.
أدار المدرسة محمود صالح هاني، الذي يصفه العبار بأنه كان «من أرقى الناس». وفي الصف الخامس، بدأ الطلاب يتلقون المواد من معلمين متعددين، بدلًا من أن يتولى معلم واحد تدريسها جميعًا.
درّس فايز الجابر اللغة العربية، ويرجح العبار أنه من أبناء السويداء. وعرف بشدته، لكنه ترك أثرًا واضحًا في مستوى الطلاب باللغة العربية، ويصفه العبار بأنه كان معلمًا متميزًا درست على يديه أجيال كثيرة.
كما يتذكر معلمًا من آل اللحام جاء من كفرسوسة، وربما كان اسمه عدنان اللحام، وتولى تدريس مواد منها الرياضيات والاجتماعيات.
ساعد تفوق العبار الدراسي على تجنب كثير من العقوبات التي تعرض لها زملاؤه، لكنه ظل يستعيد اجتماع الكفاءة والقسوة في شخصية بعض معلمي تلك المرحلة.
وكانت الشهادة الابتدائية تنتهي لدى الجيل السابق له عند الصف الخامس، ثم امتدت في مرحلته إلى الصف السادس.
يشبّه العبار مسار التعليم في داريا آنذاك بهرم عريض القاعدة يضيق كلما ارتفع، فقد كان عدد الداخلين إلى الصفوف الأولى كبيرًا مقارنة بمن يصلون إلى المراحل اللاحقة، حتى إن طلاب المرحلة الثانوية كانوا محدودين ويمكن عدّهم على أصابع اليد، وفق وصفه.
وفي مراحل لاحقة، أصبحت مدارس داريا تضم نحو خمسين شعبة في الصفوف الأولى، بينما لم يتجاوز عدد طلاب إحدى شعب البكالوريا العلمي أحيانًا 25 طالبًا.
حظي التعليم باهتمام داخل أسرة العبار، رغم حاجتها إلى مساعدته في الزراعة. وعندما تعارضت الدراسة مع العمل، حاولت الأسرة تدبير شؤون الأرض بما يتيح له متابعة دراسته.
الطريق إلى دمشق
افتُتحت في داريا خلال الستينيات مدرسة إعدادية صغيرة داخل بيت مستأجر، يرجح العبار أنه كان من بيوت آل خشفة، وضمت شعبة واحدة لكل صف من السابع والثامن والتاسع، واعتمدت بدرجة كبيرة على مدرسين وافدين أو وكلاء، بسبب قلة مدرسي الاختصاص من أبناء المدينة.
اختارت أسرة عبد الكريم العبار إرساله إلى مدرسة دمشق الوطنية الخاصة، في شارع خالد بن الوليد، بعدما سمعت عن مدرسين معروفين يعملون فيها، بينهم توفيق قشلان، مدرس الرياضيات ومؤلف الكتب، وعبد الله حمود، مدرس اللغة العربية، ومدرس آخر ألّف كتابًا في العلوم، لم يعد يتذكر اسمه.
رأت الأسرة أن وجود هؤلاء المدرسين يجعل المدرسة خيارًا أفضل من الإعدادية الجديدة محدودة الإمكانات في داريا، فأصبح عبد الكريم يتنقل يوميًا إلى دمشق.
يصف تلك الرحلات بكلمة «مآسٍ»، ويقول إن وجود وسائل لتصويرها آنذاك كان سيكشف مقدار ما عاناه الطلاب في المواصلات.
كان باص داريا يقف قرب مبنى البلدية، ولا يدخل بعيدًا في أحياء المدينة. ولضمان الحصول على مكان، سار بعض الطلاب إلى محطات تسبق الموقف الرئيس، كي يصعدوا قبل امتلاء الحافلة، في ظل قلة الباصات وقدمها وعدم كفايتها لأعداد الركاب.
بلغت أجرة الرحلة إلى دمشق نحو قرشين ونصف القرش، ومثلها للعودة. وكان العبار يحمل نحو ربع ليرة، يقتطع منها أجرة الذهاب والإياب، ثم ينفق ما يتبقى خلال يومه.
ولم يكن امتلاك الأرض يعني بالضرورة توافر المال، فقد تملك الأسرة أرضًا زراعية ولا تجد مبلغًا زائدًا تمنحه للطفل كل صباح. ولذلك، احتاج تأمين ربع ليرة للمواصلات والمصروف إلى حساب لدى بعض الأسر.
لم تقتصر كلفة الدراسة في دمشق على أجرة الطريق، فقد احتاج الطلاب إلى ملابس مناسبة للذهاب إلى مدرسة في المدينة.
وفي مواسم العنب، جمع العبار بعد انتهاء القطاف العناقيد الصغيرة أو المتبقية التي يتركها أهله، ثم باعها وادخر ثمنها لشراء لباس المدرسة.
ويصف تلك الأيام بأنها ذكريات «مرّة، لكنها حلوة»، بسبب الحاجة والعمل ومشقة الطريق من جهة، وما تعلمه من تقدير المال والعلم من جهة أخرى.
درس في مدرسة دمشق الوطنية عدد من أبناء داريا، بينهم محمد قريطم، الذي كان في صف البكالوريا حين كان العبار في الصف الثامن، ثم أصبح محاميًا. كما يذكر مظهر سيد سليمان، الذي عمل في تعقيب المعاملات.
وكان محمد فاروق الخطيب يدرس في المدرسة نفسها، وأصبح من أقرب أصدقاء العبار، رغم أنه يكبره بنحو عام.
انتقل الخطيب لاحقًا إلى مدرسة حكومية في دمشق، بينما عاد العبار إلى الدراسة في داريا بعد افتتاح الصف العاشر في ثانوية الغوطة الغربية.
ثانوية الغوطة الغربية.. الدفعة الأولى
افتُتح الصف العاشر في ثانوية الغوطة الغربية خلال النصف الثاني من ستينيات القرن العشرين، وكان عبد الكريم العبار من طلاب الدفعة الأولى. وكان ذلك نحو عام 1967، قبل ثلاث سنوات تقريبًا من حصوله على الشهادة الثانوية عام 1970.
تولى عبد اللطيف اليافي، وهو مدرس علوم من دمشق، إدارة المدرسة في تلك المرحلة. ومن العاملين فيها إسماعيل دقو، المعروف بأبي أمين، وصالح جعنينة، الذي عمل في الجهاز الإداري.
ضمت شعبة الصف العاشر نحو 25 طالبًا، كان نحو عشرة منهم من داريا، فيما جاء الباقون من المعضمية وصحنايا وأشرفية صحنايا.
ولم تكن مدارس البلدات المجاورة توفر جميع المراحل، لذلك قصد طلابها داريا للدراسة في المرحلتين الإعدادية والثانوية. وافتُتحت لاحقًا إعداديات في المعضمية وغيرها من البلدات، لكن طلابها استمروا في الالتقاء عند الصف العاشر في ثانوية الغوطة الغربية.
اعتمدت المدرسة على مدرسين قادمين من دمشق ومناطق أخرى، بسبب قلة مدرسي الاختصاص من أبناء داريا.
ومن أبناء المدينة الذين عملوا فيها عبد القادر العبار، المعروف بأبي غياث، الذي درّس الجغرافيا للصف العاشر.
ولا ينتقص العبار من جهود المدرسين الوافدين، بل يصف كثيرًا منهم بالكفاءة والحرص على الطلاب، رغم صعوبة وصولهم إلى داريا. لكنه كان يشعر بالحزن لأن مدينة بهذا الحجم لم تكن تملك مدرسين من أبنائها في جميع الاختصاصات.
ورأى بعض المدرسين القادمين من دمشق أو غيرها العمل في داريا مرحلة تسبق نقلهم إلى مدارس المدينة، ولذلك اضطرت الإدارة في بداية بعض الأعوام إلى البحث عن مدرسين للفيزياء أو الرياضيات أو العلوم أو اللغة العربية.
وبذل إبراهيم البطل جهودًا لاستقطاب المدرسين المتميزين، فإذا سمع بمدرس جيد في أحد الاختصاصات، حاول إقناعه بالقدوم إلى داريا.
ومن المدرسين الذين يذكرهم العبار في مراحل لاحقة مصطفى الجزائري وياسين سمرة ونصوح دوجي.
ويربط وجود مدرسين متمكنين في أواخر السبعينيات بتحسن نتائج بعض الشعب والتحاق عدد من طلابها بكليات الطب والهندسة والاختصاصات العلمية، وفق روايته.
كان العبار جيدًا في الفيزياء والكيمياء، وشجعه بعض مدرسيه على متابعة الفرع العلمي، لكنه لم يكن بالمستوى نفسه في الرياضيات، فاختار الفرع الأدبي بعد نجاحه في الصف العاشر.
ويعزو صعوبته مع الرياضيات إلى طريقة تدريسها أكثر من صعوبة المادة نفسها. ويقدّر، من واقع تجربته، أن ما يسميه «عقدة الرياضيات» كان حاضرًا لدى نحو 70% من طلاب داريا، وهو تقدير شخصي لا يستند إلى إحصاء مدرسي.
ويرى أن الطالب يستطيع فهم الرياضيات إذا وجد من يحببه بها، كما يفهم الفيزياء والكيمياء والعلوم، أما إذا قُدمت إليه على هيئة «طلاسم»، فمن الصعب أن يقبل عليها.
إلى جانب ذلك، مال العبار إلى اللغة والكتابة، وحاول نظم بعض القصائد، وكان يرسل ما يكتبه إلى فاروق الخطيب، طالبًا منه مراجعة الأوزان الشعرية والتأكد من سلامتها.
ويتذكر ممازحات دارت بينهما حول البحور الشعرية، بينها وصف بحر الرجز بأنه «حمار الشعراء» لكثرة استعمال الناظمين له.
ومن المدرسين الذين بقيت لهم مكانة في ذاكرته أكرم الشربجي، الذي درّس الفيزياء. فقد كان الطلاب يشاغبون في حصصه لأنه من أبناء داريا، وتعاملوا معه بألفة لم يتيحوا لأنفسهم إظهارها مع المدرسين القادمين من خارج المدينة.
لكن العبار يؤكد أن ذلك لم يكن ناتجًا عن ضعف كفاءته، ويستدل على تمكنه بحادثة وقعت بعد سنوات، حين أصبح العبار موجّهًا تربويًا.
أعطاه أحد طلاب البكالوريا العلمي مسألة في الفيزياء، وقال إن مدرسه في مدرسة حكومية بدمشق لم يتمكن من حلها.
حمل العبار المسألة إلى أكرم الشربجي، وصادفه عند باب إحدى الغرف في البناء القديم، فعرضها عليه، ولم يحتج، وفق روايته، إلى أكثر من دقيقتين ليقدم الحل.
ويقول إن مدرسي الاختصاص القادمين من دمشق كانوا يقدرون كفاءة أكرم الشربجي، لكنه يقر بأن طلاب داريا كانوا «يطمعون» أحيانًا في مدرسهم ابن المدينة.
من اليمين الأستاذ عدنان الصيصي، والأستاذ جودت زيادة، والأستاذ صالح جعنينة، في ثانوية الغوطة الغربية في أواخر التسعينيات (أرشيف عبد الكريم العبار)
إلى ثانوية الثقفي بالدراجة
بعد نجاحه في الصف العاشر واختياره الفرع الأدبي، انتقل العبار إلى ثانوية الثقفي في منطقة المالكي بدمشق.
رافقه إليها عزت حمودة وياسين رجب، وهما من أبناء داريا، وكان الثلاثة يقطعون الطريق يوميًا على دراجاتهم الهوائية.
لم يكن خط باص داريا يصل إلى المدرسة، إذ انتهى مساره في جهة كفرسوسة والفحامة، بينما تطلب الوصول إلى الثانوية المرور بمنطقة الجمارك وساحة الأمويين، ثم الصعود باتجاه كيوان.
واستغرق استخدام أكثر من وسيلة نقل وقتًا طويلًا، فاختار الطلاب الذهاب بالدراجات رغم مشقة الطريق.
تجاوزت الرحلة ساعة، وكان عليهم مغادرة داريا قبل بدء الدوام بوقت طويل، ومواجهة المطر والبرد وأعطال الدراجات. وإذا تعطلت دراجة أحدهم، اضطر إلى الركوب خلف أحد رفيقيه.
وكثيرًا ما وصلوا بعد بداية الحصة الأولى. وبعد تكرر تأخرهم، تعرف إليهم آذن المدرسة، وعرف أنهم يأتون من مكان بعيد، فأصبح يسمح لهم بالدخول.
ضمت ثانوية الثقفي طلابًا من الهامة وقدسيا ومناطق أخرى من ريف دمشق، إلى جانب طلاب يقيم آباؤهم في العاصمة. كما يتذكر العبار وجود طلاب بعثات من بلدان مختلفة، بينها مالي وإريتريا والصومال.
وقبل استقراره في ثانوية الثقفي، جرب مدرسة أخرى ليوم واحد، يتذكر أنها كانت ثانوية ابن الأثير قرب جسر الثورة، وكان بناؤها قديمًا وتغلب عليه العناصر الخشبية.
أما ثانوية الثقفي، فكانت من المدارس المعروفة في دمشق، وتولى إدارتها نهاد طرز، مدرس الفيزياء والكيمياء ومؤلف الكتب.
وضمت المدرسة نحو خمس شعب للفرع العلمي، مقابل شعبة واحدة للفرع الأدبي الذي اختاره العبار.
أكمل فيها العامين الأخيرين من المرحلة الثانوية، ونال الشهادة الثانوية عام 1970. ويصف علاماته بأنها كانت متواضعة نسبيًا، لكنها أتاحت له التسجيل في كلية الحقوق، قبل أن تقوده الظروف الاقتصادية للأسرة إلى مسار أقصر ينتهي بوظيفة في التعليم.
من الحقوق إلى إعداد المعلمين
كانت «التربية الوطنية» إحدى مواد البكالوريا عندما حصل العبار على الشهادة الثانوية عام 1970، قبل أن يتغير اسمها في مراحل لاحقة إلى «التربية القومية».
ويذكر أنها تناولت موضوعات وطنية واجتماعية مختلفة، ويقدّر أنه نال فيها نحو 12 درجة من أصل 20، وأن علامته فيها كانت من العوامل التي أتاحت له التسجيل في كلية الحقوق.
كما يشير إلى أن الكلية شهدت آنذاك عزوفًا نسبيًا عن الالتحاق بها، ولذلك تمكن من دخولها رغم أن مجموعه العام لم يكن مرتفعًا.
لم يستمر في دراسة الحقوق طويلًا. ولم يكن تركه الكلية ناتجًا عن عدم رغبته في الدراسة، بل عن قرار عائلي ارتبط بوضع الأسرة الاقتصادي وحاجتها إلى أن يسلك طريقًا مهنيًا أقصر.
رأى أحد أعمامه، إلى جانب أقارب ومعلمين مقربين من الأسرة، أن التحاقه بـ«الصف الخاص» لإعداد المعلمين سيتيح له الحصول على وظيفة خلال مدة أقصر.
ويذكر في هذا السياق عزت العبار، الذي كان يعمل معلمًا، وإسماعيل دقو، المعروف بأبي أمين، وكان صديقًا لوالده.
احتاجت دراسة الحقوق إلى سنوات عدة، بينما أتاح الصف الخاص التأهل للعمل في التعليم بعد برنامج قصير، كما كانت الأسرة بحاجة إلى مساعدة العبار في أراضيها الزراعية خلال الصيف.
ولم يكن النظام يسمح له بالجمع بين كلية الحقوق وصف إعداد المعلمين، فاختار الأخير، وشُطب قيده من كلية الحقوق.
التحق بالصف الخاص عام 1971 أو 1972، وكان مقره قرب ساحة الأمويين في دمشق.
لم يُفتح باب التسجيل في البرنامج كل عام، بل أُعلن عنه مرة كل سنتين أو ثلاث، تبعًا لحاجة المدارس إلى المعلمين.
استمرت الدراسة عامًا واحدًا، لكنها كانت مكثفة، إذ يقدّر العبار أنهم درسوا نحو 24 كتابًا كبيرًا، تناولت علم النفس التربوي والتربية العامة وطرائق التدريس، إلى جانب كيفية تعليم المقررات المختلفة وتقديمها للطلاب.
ويرى، استنادًا إلى مقارنته اللاحقة، أن محتوى البرنامج كان قريبًا من دبلوم التربية، وأن بعض مقرراته شابه ما كان يُدرّس في السنة الرابعة من كلية التربية، مع اختلافات أو إضافات محدودة.
عرف إعداد المعلمين آنذاك أكثر من مسار، بدأ أحدها بعد شهادة الكفاءة وامتد نحو أربع سنوات، فتخرج الطالب بعدها مؤهلًا للعمل في التعليم.
أما الصف الخاص الذي دخله العبار، فخُصص لحملة البكالوريا، واستمرت الدراسة فيه عامًا واحدًا خلال مرحلته، ثم أصبحت سنتين في وقت لاحق يرجح أنه كان في أوائل ثمانينيات القرن العشرين.
أتاح قصر البرنامج لخريجيه دخول العمل بسرعة، فيما عُد تكثيف المواد والتدريب التربوي وسيلة لتعويض مدة الدراسة المحدودة.
وعادت إلى العبار فكرة الحصول على مؤهل جامعي بعد سنوات من العمل، عندما أُتيح للمعلمين القدامى متابعة الدراسة في كلية التربية بنظام قريب من التعليم عن بُعد.
قام البرنامج على توزيع المقررات على سنتين، مع تقديم امتحانات في نحو ثلاث مواد كل سنة.
وحين اطلع العبار على المناهج، وجد، بحسب تقديره، أنها تكرر بدرجة كبيرة ما سبق أن درسه في الصف الخاص.
كان يومها قريبًا من تقديم طلب تقاعده، فسأل مدير التربية محمد فتّاش عن الفائدة الوظيفية التي يمكن أن يحصل عليها إذا أكمل البرنامج.
استدعى المدير أحد المحاسبين لحساب أثر الشهادة الجديدة في وضعه الوظيفي، فتبين، وفق ما يرويه العبار، أنها قد تؤدي إلى خسارته نحو 1500 ليرة بدلًا من أن تحقق له زيادة مالية.
لذلك عدل عن متابعة الدراسة، مستندًا إلى اقتراب تقاعده وإلى اعتقاده أن المقررات المقترحة لا تختلف كثيرًا عن التأهيل الذي تلقاه في الصف الخاص.
لم يعد بذلك إلى الدراسة الجامعية التي تركها شابًا، لكن البرنامج القصير الذي اختارته أسرته له قاده إلى مسيرة تربوية استمرت أكثر من ثلاثة عقود.
بدأت تجربته العملية الأولى في قرية صغيرة تقع بين الحسكة والقامشلي، حيث وجد نفسه المعلم الوحيد لنحو عشرة طلاب ينتمون إلى صفوف دراسية مختلفة ويجتمعون في غرفة واحدة.
احتاج إلى إدارة ما يعرف بنظام الصفوف المشتركة، يشرح الدرس لمجموعة، ثم يكلف طلابها بعمل كتابي، وينتقل إلى مجموعة أخرى ليقدم لها درسًا مختلفًا، قبل أن يعود إلى المجموعة الأولى ويتابع ما أنجزته.
كانت تلك أول تجربة فعلية له في التعليم بعد تأهيله التربوي. وبعدها أدى خدمته العسكرية، ثم عاد إلى داريا وبدأ العمل في مدارسها قرابة عام 1977.
ثلاثة عقود في مدارس داريا
بعد انتهاء خدمته العسكرية، بدأ العبار عمله في داريا بمدرسة معن بن زائدة، في البناء الذي تحول لاحقًا إلى ثانوية للبنات، بينما كان آنذاك مدرسة للذكور.
ضمت المدرسة ثلاث شعب للصف السادس، وتقاسم العبار تدريس موادها مع ماجد عليان وجودت زيادة. وكان الثلاثة من خريجي إعداد المعلمين، فوزعوا المواد بينهم بدلًا من أن يتولى كل واحد منهم تدريس جميع مواد شعبة واحدة.
لم يبق العبار في مدرسة معن بن زائدة سوى بضعة أشهر، ثم انتقل إلى ثانوية الغوطة الغربية. أما زميلاه فاستمرا فيها مدة أخرى، قبل أن ينتقل جودت زيادة بدوره إلى الثانوية ويلتحق بجهازها الإداري.
حملت عودة العبار إلى ثانوية الغوطة الغربية معنى خاصًا لديه، فهي المدرسة التي درس فيها الصف العاشر ضمن أولى دفعاتها، ثم عاد إليها بعد سنوات موظفًا في جهازها الإداري والتربوي.
وظلت أحب المدارس إليه، بسبب طول المدة التي قضاها فيها والعلاقات التي جمعته بالعاملين والطلاب.
عمل موجهًا تربويًا، فتولى متابعة انضباط الطلاب وغيابهم وعلاقتهم بالمدرسين والإدارة. ولم يفهم التوجيه بوصفه وظيفة عقابية فحسب، بل عملًا يتطلب معرفة الطالب وأسرته والظروف التي قد تدفعه إلى الغياب أو ترك الدراسة.
ومن العاملين الذين عرفهم في ثانوية الغوطة الغربية، خلال مراحل مختلفة، إبراهيم البطل، وفاروق الخطيب، وصالح جعنينة، وجودت زيادة، وعدنان الصيصي، ومحمود الصيصي، وخالد شحادة، وعبد الله العدوي، وإسماعيل دقو المعروف بأبي أمين.
تولى إسماعيل دقو أمانة المكتبة في ثانوية الغوطة الغربية، وبعد تقاعده انتقل العبار من التوجيه إلى العمل أمينًا لها.
جذبه إلى المهمة حبه للقراءة والجلوس بين الكتب، كما وجد فيها عملًا أكثر هدوءًا يتيح له متابعة شؤون المكتبة والقراءة فيها.
وبعد تسلمه المكتبة، شجع عدنان الصيصي على القدوم إلى المدرسة وتولي التوجيه، ويصفه بأنه كان لطيفًا في تعامله.
ويتوقف العبار عند تجربة جودت زيادة، الذي كان من خريجي الصف الخاص وبدأ عمله معلمًا، ثم تابع دراسة الجغرافيا وحصل على شهادة أتاحت له الانتقال إلى الفئة الوظيفية الأولى.
لكنه، بحسب العبار، لم يعمل فعليًا مدرسًا للجغرافيا، واستمر في المهمات الإدارية والتعليمية التي عرف بها.
وكان انتقال العامل من التدريس إلى التوجيه أو المكتبة أو أمانة السر أمرًا مألوفًا، تحدده حاجة المدرسة والشواغر المتاحة.
كما تابع بعض المعلمين دراستهم الجامعية لتحسين أوضاعهم والانتقال إلى فئات وظيفية أعلى، في حين حالت أعباء العمل والأسرة دون أن يفعل آخرون ذلك.
قبل عام 1990 تقريبًا، توفي أمين السر في إعدادية النكاش للبنين، وكان محروس الدباس يتولى إدارة المدرسة. وعُرض على العبار أن ينتقل إليها ليعمل أمينًا للسر، فقبل المهمة وغادر ثانوية الغوطة الغربية.
كانت المدرسة قائمة في المنطقة المعروفة بأرض النكاش، ومنها جاء الاسم الذي عرفت به.
أمضى العبار في إعدادية النكاش مدة طويلة، ولم تقتصر تجربته المهنية على ثانوية الغوطة الغربية، على الرغم من كثرة ذكرياته عنها ومكانتها لديه.
واستمر في سلك التعليم حتى تقاعده في أواخر عام 2009، بعد مسيرة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود، بدأت معلّمًا وحيدًا لنحو عشرة طلاب في غرفة بريف الحسكة، ثم تنقل خلالها بين التدريس والتوجيه وأمانة المكتبة وأمانة السر في مدارس مدينته.
المعلم والطلاب خارج الصفوف
لم يكن العبار ينظر إلى المعلم بوصفه موظفًا تنتهي مهمته بانتهاء الحصة. ويقول إن التأهيل الذي تلقاه رسخ لديه تصورًا للمعلم باعتباره صاحب دور اجتماعي يتجاوز شرح المنهاج، فقد يشارك في محو الأمية وتعليم الكبار، وقد يصبح خطيبًا في المسجد أو شخصًا يرجع إليه الأهالي في بعض شؤونهم.
ومن هذا التصور يروي علاقته بطلابه، ولا سيما خلال عمله موجهًا في المرحلة الثانوية.
كان يسأل الطلاب عن أسباب حصولهم على علامات متدنية، ويحثهم على زيادة الدراسة، ويتابع غيابهم ومشكلاتهم.
ويصف نفسه بالحزم داخل المدرسة وعدم السماح للطالب بتجاوز حدوده، لكن العلاقة كانت تأخذ شكلًا مختلفًا خارجها، إذ زاره بعض الطلاب وزارهم، وجلسوا لمناقشة الدراسة والمدرسين والمناهج.
وأصبح عدد من طلاب المدرسة لاحقًا أطباء ومهندسين وأصحاب اختصاصات مختلفة، واستمرت علاقته ببعضهم بعد التخرج. ويعدّ ما بقي بينهم من مودة واحترام من أهم ما خرج به من عمله في التربية.
وكان نادي داريا من الأماكن التي التقى فيها بعض المعلمين والطلاب خارج المدرسة.
شغل العبار عضوية في مجلس إدارة النادي، واجتمع مساء في باحته مع مدرسين وأبناء المدينة.
ومن المشاركين في تلك اللقاءات جودت زيادة، وعز الشربجي، الذي عمل في التعليم قبل أن يصبح محاميًا، وعبد الرزاق الشربجي، الذي أصبح لاحقًا قاضيًا، إلى جانب مدرسين آخرين.
وجلس بعض الطلاب حولهم، ولم تقتصر الأحاديث على الرياضة أو السهر، بل تناولت أوضاع الدراسة: من المدرس الأفضل في الرياضيات؟ ومن يشرح المنهاج بوضوح أكبر؟ وكيف يمكن مساعدة الطلاب وزيادة الإقبال على التعليم في داريا؟
ويقدم العبار هذه اللقاءات بوصفها جزءًا من جهد شارك فيه تربويون من أبناء المدينة، انطلاقًا من اعتقادهم أن المدرسة لا تستطيع وحدها مواجهة ترك الدراسة أو ضعف اهتمام بعض الأسر بها.
ومن المشكلات التي شغلت العاملين في ثانوية الغوطة الغربية صعوبة تأمين مدرسين مستقرين في بعض الاختصاصات، وفي مقدمتها الرياضيات.
لم يكن في المدرسة، مدة طويلة، مدرس رياضيات من أبناء داريا، ولذلك اعتمدت على مدرسين قادمين من خارجها.
ومن هؤلاء مصطفى الجزائري، الذي درّس الرياضيات وترك حضورًا جيدًا، ثم غادر التعليم واتجه إلى عمل خاص.
وبعد خروجه، كان على المدرسة البحث عن مدرس آخر يحافظ على مستوى المادة.
وفي إحدى المرات، سمع إسماعيل دقو بمدرس يدعى نصوح دوجي، فذهب إليه وحاول إقناعه بالقدوم إلى داريا.
جاء دوجي إلى المدرسة قبل عام 1990، وبقي فيها مدة يصفها العبار بالجيدة، كما يصفه بأنه كان مدرسًا متميزًا.
وسعت المدرسة أيضًا إلى توثيق صلتها بأسر الطلاب من خلال مجالس الأولياء.
لم ينظر العاملون فيها إلى هذه المجالس باعتبارها اجتماعات شكلية، بل وسيلة لمتابعة الطلاب ومناقشة أسباب الغياب والتراجع، وحث الأهالي على استمرار أبنائهم في الدراسة.
وأنفق بعض المدرسين أحيانًا من أموالهم الخاصة على تنظيم الاجتماعات، رغبة في إظهار اهتمام المدرسة بأبنائهم وتشجيعهم على الحضور والمشاركة.
لكن استجابة الأسر لم تكن واحدة، فقد حضر بعض الأهالي وتابعوا دراسة أبنائهم، في حين لم يمنح آخرون التعليم الأولوية نفسها.
وكان ضعف راتب الموظف حاضرًا في النقاشات، إذ رأى بعضهم أن إرسال الابن إلى العمل أو إبقاءه في الأرض أجدى اقتصاديًا من انتظاره سنوات طويلة حتى يحصل على وظيفة.
ولذلك لم يعتمد العبار على الاجتماعات العامة وحدها، بل استدعى ولي الأمر عند ملاحظة غياب طالب أو تراجع مستواه أو ظهور رغبته في ترك المدرسة.
ورأى أن غياب الطالب، ولو يومًا واحدًا، يستحق معرفة سببه، فقد تكون الأسرة أرسلته إلى العمل، أو تكون وراء الغياب مشكلة دراسية أو سلوكية لا تعرفها المدرسة أو العائلة.
ومن الحالات التي بقيت في ذاكرته طالب في الصف الحادي عشر العلمي قرر ترك الدراسة.
استدعى العبار والده وسأله عن سبب غياب ابنه، فرد الأب بسؤال: «كم تتقاضى أنت من الراتب؟».
فهم العبار من السؤال أن الأب يشكك في جدوى استمرار ابنه في الدراسة، ما دامت سنوات التعليم الطويلة قد تنتهي بوظيفة ذات راتب ضعيف.
انتهى النقاش الأول من دون نتيجة، ثم عاد العبار إلى الحديث مع الأب مستخدمًا مثالًا لجأ إليه مع أهالٍ آخرين.
سأله: إذا مر أغنى رجل في داريا أمام الجالسين في المقهى، ثم مر طبيب معروف، فلمن يقفون احترامًا؟
أقر الأب بأنهم يقفون للطبيب، وعندما سأله العبار عن السبب، كان الجواب أن الناس تحترم علمه وشهادته، لا مقدار ماله.
وبحسب رواية العبار، عاد الطالب إلى المدرسة بعد نحو عشرة أيام، وأكمل تعليمه حتى أصبح مهندسًا في الكهرباء.
لم يعارض العبار عمل الأبناء في الزراعة أو المهن، فقد واصل هو نفسه العمل في الأرض طوال حياته. لكنه ميز بين عمل يمكن تأجيله أو تعويضه، ومرحلة دراسية إذا ضاعت صار الرجوع إليها أصعب.
وكان يقول للأهالي إن الابن يستطيع العمل في المشتل أو تعلم مهنة خلال العطلة الصيفية أو بعد انتهاء الدوام، لكن سنوات الدراسة لا تتكرر بالشروط نفسها، فإذا ترك المدرسة في سن مبكرة، قد تمنعه مسؤولياته اللاحقة من العودة إليها.
ويرى أن الثقافة ليست حكرًا على الموظفين وأصحاب المكاتب، فالعامل يحتاج إليها في تعامله مع الآلة وتحسين ما ينتجه، والفلاح يحتاج إليها لتطوير الزراعة والاستفادة من المعرفة، كما يحتاج إليها صاحب المهنة.
ويضرب مثالًا بما رآه لاحقًا في أوروبا، حين شاهد امرأة في نحو السابعة والثمانين تتعلم الإسبانية.
سألها إن كانت تدرسها لتمضية الوقت، فأجابته بأنها تريد تعلم اللغة.
أثارت الحادثة لديه مقارنة مع نظرة اجتماعية ترى أن من تجاوز الخمسين لم يعد أمامه سوى انتظار نهاية العمر.
وخلال سنوات عمله، اتسعت أعداد الطلاب والشعب في مدارس داريا، فلم تعد المدرسة تقتصر على شعبة أو شعبتين، بل وصل العدد في بعض المراحل إلى ست أو سبع أو ثماني شعب للصف الواحد، وفق ما يتذكر.
وتغير توزيع اللغات الأجنبية أيضًا، ففي مرحلة من المراحل، كانت هناك شعبتان تدرسان الفرنسية وشعبتان تدرسان الإنجليزية، ثم ارتفع عدد شعب الإنجليزية إلى نحو ست، مقابل شعبتين أو ثلاث للفرنسية.
ويربط العبار هذا الاتساع بتغير نظرة الأهالي إلى التعليم وتحول ظروف الحياة والعمل، فلم يعد إدخال الابن مبكرًا إلى الأرض أو المهنة الخيار الوحيد لدى الأسر، وأصبح عدد أكبر منها يتيح لأبنائه مواصلة الدراسة.
مدارس تتوسع وموارد لا تكفي
اتسعت مدارس داريا وأعداد طلابها مع مرور السنوات، لكن مواردها لم تتسع بالمقدار نفسه.
يقول العبار إن مدارس المدينة في ثمانينيات القرن العشرين لم تكن تملك ما يكفي من مواد التدفئة والقرطاسية وأدوات العمل المدرسي.
ولجأ المديرون إلى علاقاتهم مع رؤساء البلديات والفعاليات الاقتصادية المحلية لتأمين المازوت واللوازم التي لم تكن مديرية التربية توفرها بالكميات المطلوبة.
كما اعتمدت المدارس أحيانًا على جزء قليل من أموال عُرفت باسم «العمل الشعبي».
واستُوفي رسم بهذا الاسم عند إصدار رخص البناء أو إنجاز بعض المعاملات، ثم خُصص جزء من موارده لمساعدة المدارس أو تمويل خدمات محلية أخرى.
وأسهمت بعض مجالس الأولياء في توفير القرطاسية للطلاب الفقراء وتأمين جانب من حاجات المدرسة، لكن إمكانات الأسر نفسها كانت محدودة.
فقد تطلب المدرسة من مجلس الأولياء خمسمئة ليرة، في وقت قد لا تملك فيه أسرة مئة ليرة زائدة تقدمها.
ولذلك وصلت التبرعات في مبالغ صغيرة ومتفرقة، كأن يدفع أحدهم 25 ليرة، وآخر 30، وثالث 150 ليرة.
وقد لا يكفي ما جُمع لشراء الورق والحبر، وإذا استهلكت آلة الطباعة القديمة كمية إضافية من الحبر أو أتلفت الورق، ضاع جانب من المال الذي جُمع بصعوبة.
واجهت الإدارات صعوبة خاصة في طباعة أسئلة الامتحانات والمذاكرات.
ولم يكن إرسالها إلى مكتبة تجارية خيارًا آمنًا دائمًا، بسبب احتمال تسريبها وفقدان الامتحان سريته.
وشارك العبار، خلال عمله في الإعدادية، في طباعة الأسئلة مع صالح جعنينة وآخرين.
كتب أحدهم الأسئلة على الآلة الكاتبة، ثم تعاونوا على نسخها وسحب العدد المطلوب.
كانت آلة السحب قديمة، وقد يؤدي أي خلل فيها إلى إتلاف كمية من الورق، بينما تحاول المدرسة تدبير ثمن كل ورقة.
ومع ذلك، أُنجز العمل داخل المدرسة حفاظًا على سرية الأسئلة وما يسميه العبار «هيبة الامتحان».
وقدمت البلدية في بعض المرات خمسمئة ليرة أو ألفًا من أموال العمل الشعبي. ولم تكن هذه المبالغ تغطي الاحتياجات، لكنها عُدّت مساعدة مهمة قياسًا إلى شح الموارد.
ويصف العبار ثمانينيات القرن العشرين بأنها فترة قاسية على الناس، اجتمع فيها الضيق الاقتصادي مع القبضة الأمنية والأحداث التي شهدتها البلاد، ومنها أحداث حماة.
ويقدّر راتب الموظف في مطلع ذلك العقد بنحو 600 أو 700 ليرة، فيما لم تبلغ رواتب كثيرين ألف ليرة حتى بعد زيادات محدودة.
وكانت الأسعار أقل مما أصبحت عليه في العقود التالية، وقد يكفي مبلغ ألف ليرة شخصين إلى حد ما، وفق تقديره، لكنه لم يكن كافيًا لعائلة لديها أطفال ومتطلبات متعددة.
انعكس ضعف الرواتب على موقف بعض الأهالي من التعليم، فإذا كانت سنوات الدراسة الطويلة تنتهي بوظيفة لا يؤمن راتبها معيشة مستقرة، فقد يرى الأب أن اتجاه ابنه مباشرة إلى الأرض أو تعلمه مهنة يحقق له دخلًا أسرع.
واجه العبار السؤال نفسه في حياته، لا في نقاشاته مع الأهالي وحدهم.
ويقول إنه هدد أحيانًا بترك الوظيفة بسبب ضآلة الراتب وصعوبة الظروف، لكن بعض معارفه كانوا يحذرونه أو يمزحون معه، بمعنى كلامهم: كم أنفق والدك عليك وكم تعب حتى صار الناس ينادونك «أستاذ»، ثم تترك الوظيفة وتعود في اليوم التالي إلى الأرض والعمل اليدوي؟
استمر في التعليم، وكانت المكانة الاجتماعية للمهنة من العوامل التي جعلته لا يتخلى عنها بسهولة. كما رأى في بقائه فرصة للعمل مع الطلاب وأبناء مدينته، وربط ذلك بما يرجوه من الأجر الديني.
لكن هذه القناعة لم تكن كافية لتغطية نفقات أسرته، فكان عليه البحث عن مورد آخر.
بعد انتهاء دوامه المدرسي، كان يعود إلى الزراعة وتربية المواشي.
زرع نحو عشرة دونمات بأنواع متعددة من الخضراوات، وربى الخراف والأبقار، وعمل في ما يستطيع القيام به لتوفير دخل إضافي يساعده في إعالة أبنائه.
ويرى أن الموظفين من أبناء داريا كانوا أفضل حالًا نسبيًا من موظفين في مناطق أخرى، لأن كثيرًا منهم كان يملك قطعة أرض، ولو كانت صغيرة، يستفيد منها في مواجهة ضعف الراتب.
لكن الأرض أدت دورًا مزدوجًا في علاقة أبناء المدينة بالتعليم، فقد كانت موردًا يساعد الموظف بعد تخرجه، وكانت في الوقت نفسه سببًا يدفع بعض الأسر إلى إخراج أبنائها من المدرسة.
فالأب الذي يملك أرضًا أو مصلحة قد يرى أن عمل ابنه معه أكثر فائدة من إنفاق سنوات في الدراسة من أجل وظيفة محدودة الدخل.
وكان العبار يستند في مناقشة هذا الرأي إلى تجربته الشخصية، فقد حافظ على أرضه وعمل فيها، من دون أن يترك التعليم.
ولا يرى تعارضًا بين الزراعة والدراسة، بل يعتقد أن الإنسان يستطيع الاحتفاظ بأرضه أو مهنته وإضافة المعرفة والشهادة إليهما.
وهكذا، لم يترك العبار الأرض عندما أصبح معلمًا، ولم يترك التعليم لأن الأرض كانت قادرة على توفير مورد آخر له.
جمع بين الاثنين، جعل الزراعة تكمل راتبه، فيما بقيت المدرسة عمله الرئيس والمجال الذي أمضى فيه أكثر من ثلاثة عقود.
داريا بين الدين والسياسة والخوف
كان عبد الكريم العبار طفلًا خلال خمسينيات القرن العشرين، لذلك يميز في حديثه عن الحياة السياسية في داريا بين ما بقي في ذاكرته الشخصية وما عرفه لاحقًا ممن سبقوه في العمر.
يتذكر وجود اتجاهين بارزين في المدينة، تيار ديني كان القريبون من الإخوان المسلمين جزءًا منه، واتجاه ناصري وقومي ارتبط بتأييد جمال عبد الناصر، من دون أن يكون له بالضرورة شكل تنظيمي.
ولا يقدم العلاقة بينهما على أنها صدام مفتوح، إذ يقول إن كل طرف عرض أفكاره من دون أن يتحول الخلاف إلى قطيعة اجتماعية بين أبناء المدينة.
وقد يكون أحدهم ذا ميول ناصرية والآخر قريبًا من التيار الديني، ثم يلتقيان في صلاة الجمعة ويحافظان على علاقتهما.
ويرى العبار أن روابط المدينة والعلاقات العائلية والاجتماعية كانت، في تلك المرحلة، أقوى من التوجهات السياسية.
ومن الأسماء التي يستعيدها في سياق النشاط السياسي سعيد السقا، الملقب بـ«الحلبوني»، وهو من أبناء داريا، وعمل موظفًا في شركة الدبس.
وبحسب شهادة العبار، كان السقا منظمًا في الحزب العربي الاشتراكي المرتبط بأكرم الحوراني.
كما يذكر أفرادًا قليلين عُرفوا بقربهم من الحزب الشيوعي، ويقدّر أن عددهم لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة.
ويتذكر رجلًا من آل الزهر كان يلقب بـ«الشيخ» ويمتلك محلًا قرب جامع عمر بن الخطاب، لكنه لم يتمكن من استعادة اسمه كاملًا.
وعُرف الرجل بوصفه شيوعيًا، مع أن العبار يعتقد أنه لم يكن عميق المعرفة بالفكر الشيوعي، بل انضم إلى جماعة محسوبة عليه وتبنى اسمها. ويصفه بأنه كان لبقًا ومحترمًا في تعامله.
ويربط العبار الحضور الديني في داريا بعلماء وخطباء عرفتهم المدينة قبل جيله.
ومن خريجي الأزهر الذين يذكرهم الشيخ سعيد العبار في خمسينيات القرن الماضي، الذي أصبح نائبًا في البرلمان خلال فترة الاستقلال وبعد الانفصال.
كما يشير إلى شيخ آخر من آل العبار، كان يُعرف بلقب أو اسم قريب من «الداعي»، ويرجح أن اسمه إسماعيل العبار.
وبحسب ما يتذكر، لم يعد إسماعيل العبار إلى داريا بعد دراسته، بل عمل في الدعوة وتنقل بين بلدان مختلفة، يذكر منها نيجيريا والكويت.
كما يشير إلى أنه تزوج امرأة دمشقية وأن أبناءه توزعوا في الخارج.
ويذكر أيضًا عمر العبار (أبو علاء)، وهو من خريجي الأزهر، وقد أقام في السعودية للتدريس وتوفي فيها.
ويفسر قلة الدارسين في الأزهر آنذاك بكلفة السفر والإقامة في مصر، إذ لم تكن كل أسرة قادرة على تحملها، فبقيت الدراسة هناك متاحة لمن تسمح إمكاناته المادية بذلك.
أما الحياة السياسية والأمنية، فقد شهدت تغيرات كبيرة خلال العقود التالية.
يتذكر العبار أن حضور الأجهزة الأمنية كان محسوسًا قبل وصول حافظ الأسد إلى السلطة، لكنه لم يكن بالوضوح والاتساع اللذين بلغهما لاحقًا.
ويصف شعور الناس آنذاك بأنه كان «غصة» داخلية رافقها الصمت والأمل بأن تتحسن الأوضاع.
ويرى أن الخوف من الدولة والأجهزة الأمنية لم يبدأ في ثمانينيات القرن العشرين، لكنه اشتد خلالها، وأصبحت الحركة الأمنية أكثر حضورًا، حتى صار الناس يحسبون خطواتهم عند الذهاب إلى المساجد.
وبحسب قراءته، تعاملت السلطة مع القوى السياسية والتيارات الدينية باعتبارها بديلًا محتملًا منها، فواجهتها بالقمع.
وكان يرى أن هذه المواجهة لا تضعف التيارات بالضرورة، بل قد تساعدها على كسب مزيد من المؤيدين، وأن تحسين سلوك السلطة وعلاقتها بالمجتمع كان أجدى من القمع.
لم يدفعه الخوف إلى الابتعاد عن ممارسته الدينية، فقد بدأ الصلاة، وفق ما يتذكر، في الخامسة أو السادسة من عمره، وكان يذهب مع جده إلى صلاة الفجر في جامع العبار، ولم يعتد الانقطاع عن المسجد.
وهكذا تغيرت علاقة الناس ببعض الأماكن التي عرفوها منذ طفولتهم، فالجامع الذي اعتاد العبار الذهاب إليه أصبح في الثمانينيات مكانًا يحسب الناس خطواتهم في الطريق إليه.
الثورة والخروج من سوريا
مع اندلاع الثورة السورية وما تبعها من ملاحقات واقتحامات، أصبحت الخدمة العسكرية مصدر خوف داخل أسرة عبد الكريم العبار.
كان له ابنان في سن الدراسة الجامعية، واستفادا من التأجيل الدراسي لتجنب الالتحاق بالجيش.
ويقول إن ابنيه لم يكونا يريدان الانضمام إلى جيش قد يضعهما أمام خيارين يرفضانهما: أن يقتلا أو يُقتلا.
خرجت الأسرة في البداية إلى مصر، بهدف إتاحة الفرصة للأبناء لإكمال دراستهم وإبعادهم عن خطر الخدمة العسكرية والملاحقة، ثم توزع أفرادها لاحقًا بين أكثر من بلد.
وقبل ذلك، عمل أحد أبناء العبار في المجال المخبري بمستشفى الرضوان.
ويقول العبار إن الملاحقات طالت العاملين في القطاعات الطبية أو من اشتبهت السلطة في تقديمهم المساعدة للمصابين، ولذلك خافت الأسرة عليه وسعت إلى إخراجه من المنطقة.
وفي يوم اقتحام داريا، طلب العبار من ابنه أن يصعد إلى السيارة ويغادر باتجاه دمشق، رغم أن الطريق كان معرضًا للقنص.
كان الخروج محفوفًا بالخطر، لكن الأسرة رأت أن بقاءه داخل المدينة لم يكن أكثر أمانًا.
ويشير العبار إلى أن أحد أبنائه عاش لاحقًا في لبنان، بينما بقيت له ابنة في داريا أو في سوريا، ثم توزع أفراد الأسرة بين بلدان متعددة.
خلال سنوات الحرب، ظل يتابع أخبار مدينته بوصفها أخبار أهله ومكانه الأول.
ويقول إنه كان يفقد القدرة على تناول الطعام حين يسمع بسقوط برميل متفجر على داريا، وينتظر وصول التفاصيل ليسأل: أين سقط؟ ومن كان تحته؟ ومن أُصيب أو قُتل؟
ولم يقتصر سؤاله على أقاربه، بل شمل أبناء المدينة عمومًا. ويرى أن المحنة أظهرت قوة الانتماء إلى داريا والروابط العائلية والاجتماعية بين أبنائها.
استقر العبار في السويد عام 2016، وتوزع أبناؤه بين السويد وبلدان أخرى.
ويذكر أن لديه ثلاث بنات وابنين، وأن وجود عدد منهم بالقرب منه أتاح لهم قضاء الوقت معًا.
أعجب بالمناخ والخدمات في السويد، ولا سيما الخدمات الطبية التي يصفها بأنها عالية المستوى.
ويقول إنه حصل على الجنسية السويدية بعد وصوله بنحو ثلاث سنوات، لكنه بقي متعلقًا بداريا، وزار سوريا حين سمحت الظروف.
قبل سقوط النظام، لم تكن زيارة سوريا أمرًا عاديًا بالنسبة إليه.
وصل أحيانًا إلى لبنان ثم تردد في دخول البلاد، خوفًا من أن يكون اسمه مطلوبًا أو أن يتعرض للاعتقال عند أحد الحواجز.
ويقول إنه دخل سوريا في إحدى المرات قرابة عام 2019 أو 2020، وكان من حوله يطمئنونه إلى إمكان الدخول وعدم وجود ما يمنعه، بينما بقي القلق ملازمًا له.
لم يكن خوفه قائمًا على معرفته بوجود ملف محدد ضده، بل على طبيعة النظام الأمني وغياب الضمان، فقد يدخل الإنسان إلى البلد ولا يعرف إن كان سيتمكن من الخروج منه، وقد يعود بعد غياب سنوات ليكتشف عند أحد الحواجز وجود تقرير أو مشكلة لم يكن يعلم بها.
ومر العبار على حواجز خلال زيارات لاحقة، وظل القلق حاضرًا حتى عندما قيل له إن كثيرين يدخلون داريا من دون أن يتعرضوا للمساءلة.
ولم تكن المسألة أنه تعرض في كل زيارة إلى حادث مباشر، بل إنه لم يكن يستطيع الوثوق بأن عدم مشاركته في الثورة كافٍ لحمايته من الاعتقال.
بعد سقوط نظام الأسد، رأى العبار أن تراجع الخوف هو أهم ما تغير، وعدّ قدرة الناس على الحركة والكلام من دون الخوف السابق تحولًا أساسيًا.
وهو يدرك أن إصلاح الخدمات والمؤسسات يحتاج إلى سنوات، وأن الدولة لا يمكن أن تصبح مستقرة مباشرة. ومع ذلك، رأى أن بدء البلد بالوقوف على قدميه يستحق التقدير.
واختصر موقفه بقوله: «يكفي أنه لم يعد هناك خوف».
عاد عبد الكريم العبار إلى سوريا بعد سنوات قضاها مترددًا عند حدودها وخائفًا من حواجزها، لكن عودته لم تمحُ زمن الخروج أو تشتت الأسرة، مثلما لم تنه صلته بالمدينة التي بدأ فيها طفلًا في الكُتّاب، ثم أمضى أكثر من ثلاثة عقود في مدارسها.
وحين يستعيد سنوات التعليم، تعود إلى ذاكرته غرفة الشيخ عبد اللطيف الأحمر بما فيها من حصير وكتب ومصاحف كان يرممها بالصمغ العربي، والمدارس الصغيرة التي حمل تلاميذها الحطب لتدفئتها، والطريق الطويل إلى دمشق، والطلاب الذين حاول إقناعهم بالبقاء في صفوفهم.
وتعود أيضًا الأرض التي عمل فيها طفلًا، ثم واصل زراعتها بعد أن أصبح معلمًا، ليؤمن لأسرته ما لم يوفره راتبه.
لم يترك العبار الأرض عندما دخل التعليم، ولم تدفعه الحاجة إلى العمل فيها إلى مغادرة المدرسة. وبين الاثنين أمضى معظم حياته المهنية، قبل أن يبتعد عن داريا ويعود إليها زائرًا، محتفظًا بذكريات المدينة ومدارسها وأهلها.