تتوزع نساء من عائلة في مدينة داريا على فرط الرمان وعصره وتصفيته، استعدادًا لصناعة دبس الرمان الذي اعتدن إعداده مع حلول موسمه في تشرين الأول من كل عام.
وعلى موقد الغاز، تغلي كمية من العصير في حلة كبيرة، قبل أن تتحول بعد ساعات إلى دبس يُحفظ ضمن مونة العائلة.
تشارك هدية سعدية ومفيدة العبار في إعداد الدبس، وهي مهنة منزلية تعلمتا خطواتها منذ طفولتهما، حين كانت العائلات تعتمد على محصول كرومها من الرمان لتأمين حاجتها من المونة.
ورغم تغير أدوات العصر وتراجع توفر الرمان المزروع محليًا، لا تزال السيدتان تفضلان إعداده في المنزل، للتحكم بمكوناته وطريقة تحضيره، وتقاسم الناتج مع أفراد العائلة.
من كروم داريا إلى مونة البيوت
تبدأ صناعة الدبس مع نضج الرمان في تشرين الأول، باستخدام الثمار الحامضة التي تُفرط وتُعصر، ثم يُغلى عصيرها حتى يتكثف.
وتقول هدية سعدية لعنب بلدي إن الرمان الحامض هو الأنسب لإعداد الدبس، بينما يستخدم أحيانًا صنف يعرف محليًا باسم «الفرنسي»، لكنه يعطي حموضة أقل، بحسب تجربتها.
وتتذكر هدية السنوات التي كان فيها كرم العائلة يوفر ما يكفي من الرمان للأكل وإعداد الدبس والاحتفاظ بمونة تكفي حتى الموسم التالي، فضلًا عن توزيع جزء منها على الجيران.
ولم يكن تحويل الرمان إلى دبس الطريقة الوحيدة لحفظه، إذ كانت العائلات، بحسب هدية، تشك الثمار الحلوة والحامضة بالخيط، وتعلقها في سقوف المنازل لتناولها خلال الأشهر التالية.
وتشير إلى أن أشجار الرمان أصبحت أقل انتشارًا في داريا، وأن بعض الأسر باتت تشتري حاجتها من السوق، بعدما كانت تعتمد على محصول كرومها.
أما مفيدة العبار، فلا تزال تستخدم الرمان الذي تنتجه أرض العائلة، ويشارك أفرادها في قطافه وتجهيزه مع حلول الموسم.
وتقول هدية إن إعداد الدبس كان عملًا عائليًا مشتركًا، يتوزع فيه أفراد الأسرة على فرط الثمار وعصرها وغليها، قبل تقسيم الكمية الناتجة بينهم.
كيف تغيرت طريقة إعداد الدبس؟
بدأت مفيدة إعداد دبس الرمان عندما كانت في العاشرة من عمرها، وتحتفظ بذكريات عن الطريقة القديمة التي كانت تتطلب وقتًا وجهدًا أكبر، خصوصًا في مرحلة استخراج العصير.
فبعد فرط الرمان، كانت النساء يسلقن الحبات، ثم يفردنها في صوانٍ كبيرة لتبرد، قبل فركها وعصرها بالأيدي، وتصفيتها وإعادة العصير إلى النار.
وتوضح مفيدة لعنب بلدي أن تبريد الحبات المسلوقة كان يستغرق نحو ساعة، تليه مرحلة العصر اليدوي التي تحتاج إلى جهد إضافي.
أما اليوم، فتُفرط حبات الرمان وتنظف من بقايا الأغشية الداخلية للثمرة، ثم توضع مباشرة في ماكينة الفرم أو الخلاط، دون الحاجة إلى سلقها مسبقًا.
وتقول مفيدة إن استخدام الماكينة اختصر نحو نصف الوقت الذي كانت تتطلبه هذه المرحلة، كما ترى أن لون الدبس الناتج عن الطريقة الحالية أفضل من اللون الداكن الذي تتذكره من الطريقة القديمة.
وتتفق هدية معها في تفضيل الطريقة الحديثة، معتبرة أن مذاق الدبس الناتج عنها أفضل.
لكن استخدام الماكينة لم يُلغِ العمل اليدوي، إذ لا تزال النساء يعصرن الرمان بعد فرمه باستخدام المصفاة، ثم يمررن العصير عبر المنخل للتخلص من الشوائب قبل وضعه على النار.
عشر ساعات من الغلي
بعد انتهاء العصر والتصفية، تبدأ المرحلة الأطول في إعداد دبس الرمان، وهي غلي العصير حتى تتبخر كمية كبيرة من الماء ويصبح قوامه كثيفًا.
وتقول مفيدة إن الحلة الكبيرة قد تحتاج إلى نحو عشر ساعات فوق النار، بحسب كمية العصير.
وتتذكر أنها بدأت غلي إحدى الكميات في العام الماضي عند المغرب، ولم تنتهِ إلا مع أذان الفجر، بعدما استمر إشعال الحطب تحت الحلة طوال الليل.
واستخدمت مفيدة الحطب في سنوات سابقة، لكنها تفضل اليوم موقد الغاز لسهولة استخدامه.
وتوضح هدية أن إعداد دبس الرمان يحتاج إلى وقت أطول واستهلاك أكبر للوقود مقارنة ببعض أصناف المونة الأخرى، ومنها المكدوس.
وتقول إن إعداد كمية تتراوح بين 50 و80 كيلوغرامًا من الرمان قد يستهلك أسطوانة غاز كاملة، مشيرة إلى أن بعض الأسر لا تزال تستخدم الحطب لتخفيف تكاليف الوقود.
وخلال الغلي، تتناقص كمية العصير تدريجيًا، حتى يصل إلى القوام المطلوب، الذي تشبهه هدية بقوام القطر الكثيف.
وتختلف درجة التكثيف بحسب تفضيلات العائلات، فبعضها يفضل الدبس شديد السماكة، بينما يتركه آخرون بقوام أقل كثافة.
وبحسب طريقة هدية، لا يحتاج دبس الرمان إلى التجفيف تحت أشعة الشمس، كما يحدث مع بعض أنواع المونة، إذ يكتسب كثافته من الغلي وحده.
لماذا تفضل العائلات الدبس المنزلي؟
رغم ساعات العمل الطويلة واستهلاك الوقود، تفضل هدية إعداد دبس الرمان في المنزل بدل شرائه جاهزًا من السوق.
وتقول لعنب بلدي إن السبب الأساسي هو معرفتها بمكونات الدبس ومراحل تحضيره، موضحة أنها لا تضيف شيئًا إلى عصير الرمان، وتعتمد على حموضة الثمار والغلي للحصول على الطعم والقوام المطلوبين.
وتبدي هدية تحفظها على بعض الأصناف التجارية، التي تعتقد، بناءً على تجربتها وتذوقها، أن بعضها يحتوي على إضافات مثل ملح الليمون أو الكركديه.
وتتذكر أن شقيقها أحضر مرة دبس رمان من أحد المعامل بسعر 35 ألف ليرة للكيلوغرام، لكنها فضلت مذاق الدبس الذي تعده في المنزل.
وتتفق مفيدة معها، وتوضح أنها لا تعرف المواد المستخدمة في إعداد جميع الأصناف المعروضة في الأسواق، لكنها تستطيع تمييز مذاق الدبس الذي تصنعه عائلتها.
وتشير هدية إلى استمرار الطلب على دبس الرمان المنزلي، إذ يوصي بعض الأشخاص على كميات منه لشرائها، رغم ارتفاع سعره مقارنة ببعض الأصناف المتوفرة في السوق.
وبعد انتهاء الغلي، يُترك الدبس حتى يبرد، ثم يُعبأ في زجاجات للاستخدام خلال العام.
وتوزع هدية الكمية التي تعدها على أولادها، كما اعتادت العائلة منذ سنوات، حين كان محصول الرمان يُجمع ويُعصر ويُغلى في منزل واحد، ثم يحصل كل فرد من أفراد الأسرة على حصته من المونة.