رفض مدير مدرسة معن بن زائدة الابتدائية في داريا تسجيل عبد العزيز الون في الصف الأول عام 1965، بعدما بلغ السابعة من عمره متأخرًا عامًا عن السن المعتادة للالتحاق بالمدرسة، لكن إصرار والده، علي الون (أبو حسن)، دفع المدير، خالد الطحان، وهو فلسطيني من مخيم اليرموك، إلى التراجع وقبوله.
بعد نحو ثلاثة عقود، عاد الطفل الذي كاد يفوته التعليم مديرًا لثانوية الغوطة الغربية، المدرسة التي أمضى فيها مرحلتيه الإعدادية والثانوية، ثم عمل مدرسًا فيها 12 عامًا.
وبين المحطتين درس الأدب الفرنسي في جامعة دمشق، وحصل على دبلوم التأهيل التربوي، وعمل مدرسًا ومديرًا، قبل أن يصبح موجهًا اختصاصيًا لمادة اللغة الفرنسية في وزارة التربية السورية.
في مقابلة مطولة أجرتها عنب بلدي، يستعيد الأستاذ عبد العزيز الون، المولود في داريا عام 1958، مسارًا يمتد من “كُتّاب” الشيخ أحمد أبو حلمي والمدرسة الابتدائية إلى الجامعة والعمل في التعليم.
ولا تقف ذاكرته عند سيرته الشخصية، إذ يستعيد جوانب من الحياة في داريا خلال النصف الثاني من القرن العشرين، بيوتها وكرومها، والسقاية من “النهر الغربي”، والمدارس والمدرسين، والمهن والمقاهي، والجمعية الخيرية، والمساجد والجماعات الدينية، إلى جانب التحولات العمرانية والاجتماعية التي عاصرها.
في “كُتّاب” الشيخ أحمد أبو حلمي
ينتمي عبد العزيز الون إلى أسرة متوسطة الحال في داريا. عمل والده، علي الون، طوال حياته في فلاحة الأرض، وله ثلاثة أبناء أكبر من عبد العزيز هم حسن، ومحمود، ومحمد سعيد المعروف بـ”أبو عزات”، إضافة إلى أخ أصغر هو محمد جميل.
وبحكم اعتماد الأسرة على الفلاحة، يقول الون إن التعليم لم يكن في صدارة اهتماماتها، إذ كان تأمين الدخل والعمل في الأرض يشغلان الحيز الأكبر من حياة أفرادها، ويذكر أن ذلك كان شائعًا بين كثير من أسر داريا في تلك الفترة.
وقبل دخوله المدرسة الحكومية، تلقى جانبًا من تعليمه الأول في أحد أنماط التعليم الأهلي المعروفة آنذاك، وهو “الكُتّاب”، لدى الشيخ أحمد أبو حلمي، في نهاية شارع البلدية، بجانب موقع جامع عمر بن عبد العزيز حاليًا وبجوار بيت عائلة الناموس.
كان مقر الكُتّاب، كما يتذكره، غرفة واسعة مرتفعة السقف ذات كسوة خشبية، تتراصف فيها مقاعد خشبية متهالكة، بعضها جُلب من المدارس وبعضها صنع محليًا.
وكان يرتاده نحو 40 طفلًا من الصبيان والبنات، وفق تقديره، موزعين على زمرتين داخل الغرفة نفسها.
اقتصر التعليم الذي تلقاه هناك على حفظ قصار السور من القرآن الكريم، ومبادئ القراءة العربية، والحساب البسيط، من جمع وطرح وقسمة.
كان الطفل يجلس أمام الشيخ ويتلو ما حفظه من القرآن، فإذا أتم الحفظ أثنى عليه وطلب منه الانتقال إلى السورة التالية، وإذا لم يحفظ أعاده إلى السورة نفسها ليقدمها في اليوم التالي.
ويحتفظ الون بذكرى “الخميسية”، وهي ما كان يُدفع للشيخ أسبوعيًا، ففي كل يوم خميس، كان الشيخ يستند إلى باب المقر لتحصيلها، وكانت، بحسب ما يتذكر، قطعة نقدية بقيمة عشرة قروش، إلى جانب رغيف من الخبز البيتي يحضره الطفل يوميًا من مخبوزات أفران “الحصى” المنزلية، في وقت لم تكن فيه الأفران الآلية منتشرة في داريا.
وإذا لم يجلب الطفل ما هو مطلوب منه، كان الشيخ يعيده إلى منزله ليحضره ويعود برفقة والده.
وكان يساعد الشيخ طالبان في الصف الحادي عشر، هما صبحي فارة ومحمود المصري. وبعد انتهاء دوامهِما المدرسي، بين الساعة الثانية عشرة والواحدة، كانا يأتيان بالتنسيق معه لمساعدة طلاب المدارس الذين يرتادون الكُتّاب في حل مسائل الجمع والقسمة، والإجابة عن استفساراتهم ومراجعة دروسهم.
وفي أثناء انشغالهما بالطلاب، كان الشيخ يتفرغ للضبط والتسميع، مستعينًا بعصا طويلة جدًا من خشب الجوز يطلق عليها محليًا اسم “المساس”، وهي عصا تستخدم أصلًا لفرط ثمار الجوز. وكان، وفق ما يتذكر الون، يصل بها إلى الأطفال المتشتتين في أطراف الغرفة، فينقر على رؤوسهم ليعيدهم إلى الدرس.
من البيت القديم إلى “المحفرة”
ترتبط ذكريات طفولة عبد العزيز الون أيضًا بتحول عمراني عاشته أسرته قبل ولادته بقليل.
ففي منتصف الخمسينيات، كان منزل عائلة الون في حارة قديمة قرب كُتّاب الشيخ أحمد أبو حلمي. ويصفه بأنه حوش عربي طيني تبلغ مساحته نحو 250 مترًا مربعًا، يجمع والده وعمه وأسرتيهما، إلى جوار عائلات الحصان ومحمود والناموس.
وبحسب ما نقله عن أسرته، أدى خلاف عائلي بين نساء العائلة إلى أن يبيع والده حصته لأخيه عام 1954 بمبلغ 500 ليرة سورية.
واشترى بالمبلغ قطعة أرض مساحتها 45 قصبة، أي إن خمس قصبات في موقع المنزل القديم أتاحت له، وفق الرواية العائلية التي يستعيدها الون، شراء 45 قصبة في الموقع الجديد، في منطقة زراعية قرب “المحفرة”، بالقرب من المركز الثقافي والمدرسة المحدثة حاليًا.
وشُيد البيت الجديد عام 1958، وهو العام الذي وُلد فيه عبد العزيز.
كانت “المحفرة”، بحسب الصورة التي بقيت في ذاكرته وما نقله عن أسرته، منطقة مقطوعة تكاد تخلو من العمران السكني، وكانت البيوت القديمة في داريا متمركزة بصورة أساسية حول الجامع الكبير وجامع “القبالى”، أي المنطقة القبلية، وهو جامع عمر بن الخطاب.
ويتذكرها ليلًا مكانًا مقفرًا تكثر فيه الكلاب، إلى حد أن الأهالي كانوا يتجنبون الخروج بعد حلول الظلام.
ويقول إن والده استخرج رخصة بناء رسمية للمنزل، واستخدم الحجارة الكلسية من “المحفرة” لإعداد طلاء أبيض يعرف بـ”الطرش”، يخلط بالماء ويستخدم لدهان الجدران الطينية من الداخل والخارج، وهي مادة الطلاء التي كانت مستخدمة آنذاك.
ومد الأب قناة مائية من حصته في “النهر الغربي” إلى البيت، فتحول الحوش تدريجيًا إلى بستان يضم التوت والصبار والإجاص، إضافة إلى نبات يقول الون إنه كان نادرًا في داريا يدعى “العنّاب”.
ويصف ثماره بأنها تشبه الزيتون الأحمر، وكانت تسمى محليًا “دواء الأحباب”. ووفق الاستخدام الشعبي الذي يتذكره، كانت الثمار تجفف وتستخدم لآلام البطن، كما كانت تؤكل طازجة لمذاقها السكري.
وأُحيط البيت من الجهة الشرقية بسياج من الصبار يمتد نحو 60 إلى 70 مترًا، وكان عبد العزيز في طفولته يقطف ثماره ويضعها في صناديق ثم يبيعها عند أطراف البلدة ليؤمن مصروفه الشخصي، إذ يقول إنه كان يخجل من طلب المال من والده.
تأخر عامًا عن المدرسة
في عام 1965، اصطحب علي الون ابنه عبد العزيز إلى مدرسة معن بن زائدة الابتدائية لتسجيله في الصف الأول، وكان قد بلغ السابعة، متأخرًا عامًا عن العمر النظامي المعتاد لدخول المدرسة.
رفض مدير المدرسة، الأستاذ خالد الطحان، تسجيله في البداية، ويستعيد الون قوله لوالده: “يا حجي، شلون تترك ابنك وتخليه يروّح تعليمه؟”.
لكن رجاء الأب وإصراره على متابعة ابنه الدراسة دفعا المدير إلى قبوله في النهاية. وتولى إدارة المدرسة بعد الطحان الأستاذ سمير المتري.
لم يكن الانتقال إلى المدرسة سهلًا على الطفل، فبعد حرية اللعب في البيت والحارة، وجد نفسه أمام مقاعد الدراسة والانضباط والاستيقاظ باكرًا كل يوم. وكان شقيقه الأكبر محمد سعيد، المعروف بـ”أبو عزات”، ويدرس في الصفوف العليا في المدرسة نفسها، يصطحبه معه صباحًا.
ويقول الون إنه بدأ يتأقلم فعليًا مع أجواء المدرسة منذ الصف الثاني.
في الصف الأول، درّسه الأستاذ إسماعيل زغلول، وهو فلسطيني يتذكره الون بالحزم الشديد. وكان يثبت عصا عموديًا على الطاولة، فإذا اختل توازنها وسقطت عاقب الصف بأكمله، وهي طريقة كان يقصد منها دفع الطلاب إلى الهدوء وترك اللعب.
وفي الصفين الثاني والثالث، تلقى دروسه على يد الأستاذين زهير الحول ومحمد شامية، إلى جانب الأستاذين راشد الزعويط وعزت الزيادي، اللذين يتذكرهما بالصرامة والشدة في محاسبة الطلاب على الواجبات وإحضار الكتب.
وفي الصف الثاني، حصل عبد العزيز على المرتبة الأولى، فوعده أستاذه بمنحه “مرحى”، وهي بطاقة تشجيعية للطلاب المتفوقين. لكنه ظل يطالبه بها أكثر من ثلاثة أشهر قبل أن يحصل عليها، وهي واقعة يستعيدها عند حديثه عن بساطة الإمكانات المادية في المدرسة آنذاك.
وفي الصف الرابع درّسه الأستاذ نزار أباظة، الذي أصبح لاحقًا عضوًا في مجمع اللغة العربية بدمشق.
وفي الصف الخامس درّسه الأستاذ إبراهيم القادم من حماة، قبل أن يختتم المرحلة الابتدائية في الصف السادس عام 1971 على يد معلم اللغة العربية حسين شاهين، من السلمية.
ويحتفظ الون باحترام خاص لشاهين، ويقول إنه كان من الأشخاص الذين غرسوا فيه حب اللغة العربية وشجعوه على التفوق ومواصلة التعليم.
مسابقة اللغة العربية
من ذكريات تلك السنوات مسابقة في اللغة العربية بين مدارس داريا خلال العام الدراسي 1967-1968، كانت تقوم على اختبارات كتابية في الإعراب والقواعد النحوية.
ويقول الون إن مدرسة معن بن زائدة حصلت على المركز الأول، وإنه حصد المركز الأول في المسابقة، ويتذكر من زملائه المشاركين نبيل السيد عمر، ومحمد شاهين، ومحمد حلمي.
وشاركت، بحسب ذاكرته، مدارس عدة في داريا، من أبرزها مدرسة البنات الإعدادية، ومدرسة معن بن زائدة، ومدرسة الشهيد محمود الدباس، ومدرسة الخطيب.
ومدرسة معن بن زائدة التي يتحدث عنها هي المبنى الذي تحول لاحقًا إلى ثانوية داريا للبنات، بعد نقل اسم مدرسة معن بن زائدة ونشاطها إلى موقع مدرسة الخطيب.
ومن الشخصيات التي بقيت في ذاكرته من تلك المدرسة أبو عمر خليل الخاص، الذي كان يعمل آذنًا فيها، وكان يحفظ الشعر ويتمتع، بحسب الون، بصوت جميل وقدرة على الإلقاء.
وكان بعض المدرسين يطلبون منه أحيانًا إلقاء أبيات وقصائد أمام الطلاب، فيجتمعون للاستماع إليه.
عبد الأكرم السقا.. من آذن المدرسة إلى الدراسة
ومن العاملين في المدرسة الذين بقيت قصتهم عالقة في ذاكرة الون عبد الأكرم السقا، الذي كان يعمل آذنًا خلال سنوات دراسته فيها، قبل أن يصبح لاحقًا جزءًا من الحياة التعليمية والاجتماعية في داريا.
كان السقا يؤدي الأعمال اليومية المطلوبة منه، من نقل الأوراق وإحضار حاجات المدرسة، لكنه كان، بحسب الون، يستغل أوقات فراغه في المطالعة، حتى إن من يدخل عليه كان يجده يقرأ باستمرار.
ويقول الون إن شغفه بالقراءة دفعه لاحقًا إلى متابعة تعليمه، فتقدم إلى شهادة التعليم الأساسي ثم البكالوريا، وواصل دراسته بعد ذلك، وهي تجربة بقيت في ذاكرته مثالًا على إمكانية تغيير الإنسان مساره بالتعليم.
مدارس داريا في الستينيات
بحسب الخريطة التي يتذكرها الون، كانت مدارس داريا في الستينيات تشمل مدرسة معن بن زائدة، ومدرسة الشهيد محمود الدباس، وثانوية الغوطة الغربية، ومدرسة الخطيب التي كان يديرها الأستاذ محمد العبار، ومدرسة البنات الإعدادية بجانب البلدية وشعبة الحزب.
وقبل افتتاح ثانوية الغوطة الغربية عام 1966، سبقتها مدرسة إعدادية في موقع آخر قرب جامع المنبر، يرجح الون أنها افتتحت نحو عام 1963 وكانت أول مدرسة إعدادية في داريا.
وعند افتتاح ثانوية الغوطة الغربية عام 1966، انتقل إليها طلاب تلك المدرسة.
ثانوية الغوطة الغربية
انتقل عبد العزيز إلى التعليم الإعدادي في ثانوية الغوطة الغربية عام 1971.
ويتذكر أن مديرها الأول كان ممدوح بدران، من منطقة أشرفية الوادي، والذي أصبح لاحقًا مديرًا للتربية.
كان بدران، كما يصفه الون، مربوع القامة ويحمل عصا طويلة يزيد طولها على متر، ويقف عند الباب الرئيسي لضبط حضور الطلاب. وكان المتأخرون بعد الساعة السابعة والنصف صباحًا يتعرضون للعقاب، قبل إغلاق الباب نهائيًا.
ويتذكر الون أن إدارة المدرسة تعاقب عليها خلال السنوات التالية كل من محروس الدباس، وإبراهيم البطل، وفاروق الخطيب، وعادل بلشة الذي أدارها نحو سبعة أو ثمانية أشهر قبل وفاته، ومحمد فتاش، ومحمود الصيصي، وجودت زيادة، ومحمد الصيصي، وعلي علان، وأنور طالب، وراتب الحصان.
الفرنسية بالقرعة
في الصف السابع، حُسمت اللغة الأجنبية الثانية لعبد العزيز بالقرعة.
يتذكر أن القرعة أُجريت بين الإنجليزية والفرنسية لأبناء الحارة، فخرجت الإنجليزية لأصدقائه، بينما وقعت الفرنسية عليه وحده.
عاد إلى المنزل يبكي ويرفض الذهاب إلى المدرسة، فتوجه والده إلى الأستاذ عبد الله العبار ومدير المدرسة محروس الدباس محاولًا تغيير اللغة.
لكن عبد الله العبار قال للأب، بحسب ما يستعيده الون: “يا حاج، هل تقرأ الإنجليزية أنت أو زوجتك أو يقرؤها إخوته؟ بما أنه لا أحد يعرف اللغتين، فدع الولد يدرس الفرنسية وتوكل على الله”.
وعند عودته قال الأب لابنه: “يا ابني، خلص، بدك تكمل مدرسة كمل، ما بدك، هي الكرم.. روح اسرح بالغنمات”.
بقي عبد العزيز في المدرسة، وبقيت معه الفرنسية، وسرعان ما عزز اهتمامه بها عدد من المعلمين، فقد درّسه الأستاذ محيي الدين الجرف، من السلمية، الذي يتذكر أنه كان يشرح القواعد واللفظ بسلاسة.
ثم درّسه الأستاذ إبراهيم، وهو لبناني كان يقيم في ببيلا ويأتي إلى المدرسة بدراجته الهوائية، وشجعه في الصف الثامن على دراسة الأدب الفرنسي.
وفي الصف العاشر، درّسته الآنسة تيريز أروشان، القادمة من منطقة القصاع بدمشق، ويقول إنها تركت أثرًا طيبًا فيه بسبب تمكنها من المادة.
ومن معلمي العلوم والفيزياء يتذكر الأستاذ علي خشفة في الصف العاشر عام 1973، والأستاذ أكرم الشربجي.
ويروي الون عن الأستاذ أكرم الشربجي أنه جاء إلى المدرسة في أحد الأيام قادمًا من كرمه، وكان حذاؤه متسخًا بالطين، فضحك بعض الطلاب وتغامزوا ساخرين منه. وفي اليوم التالي، أحضر الشربجي حذاءً جديدًا ووضعه على الطاولة، وقال لهم متندرًا: “تفضلوا تعلموا، إذا كندرة بدها تعلمكم، يللا تعلموا”.
واصل عبد العزيز تفوقه في الفرنسية، وظل، بحسب قوله، في المرتبة الأولى فيها حتى حصوله على شهادة البكالوريا العلمية عام 1977 بمجموع 147 درجة.
“العدّان”.. ذاكرة الماء في داريا
إلى جانب المدرسة، ترتبط طفولة وشباب الون بذاكرة داريا الزراعية.
كانت الأراضي الواقعة غربي البلدة تعتمد في سقايتها على “النهر الغربي”، أحد فروع نهر الأعوج النازل من جبل الشيخ، عبر نظام محلي يعرف بـ”العدّان”، أي دورة المياه التي تصل إلى الأرض كل 12 يومًا.
ولم تكن ملكية العدّان محصورة بشخص واحد بالضرورة، بل كانت الحصة المائية موزعة بين ملاك عدة وفق عدد الساعات التي يمتلكها كل منهم.
وكانت العدّانات تحمل أسماء متداولة بين الأهالي، منها “عدّان بيت طه”، و”عدّان بيت حبيب”، و”عدّان بيت العبار”، وغيرها.
ويقول الون إن ساعات المياه كانت تسجل رسميًا بسندات ملكية لدى وزارة الري في دمشق.
وقبل التوسع العمراني الذي عرفته داريا لاحقًا، يتذكر مياه النهر الغربي عذبة ورقراقة وصافية “كالنبع”، ويقول إن الأهالي كانوا يشربون منها مباشرة حتى أواخر سبعينيات القرن العشرين.
ومن الشخصيات التي ارتبطت في ذاكرته بإدارة المياه خاله جمعة الخرياطي، الملقب بـ”أبو المي الغربي”.
ويقول الون إن خاله كان شغوفًا بشراء حصص المياه حتى أصبح يمتلك، وفق تقديره، ما يعادل نحو ربع الحصة التي تدخل إلى “النهر الغربي”، ولذلك تحول منزله إلى مقصد لأهالي البلدة الراغبين في استئجار ساعات للري.
وكان الأهالي يخرجون ليلًا حاملين الفوانيس بين الأشجار الكثيفة لمتابعة جريان المياه في القنوات والحيلولة دون تحويلها أو ضياعها قبل وصولها إلى أراضيهم.
كروم العنب وأرض “النجاصة”
يصف الون منطقتي “الفصول الأربعة” و”النجاصة”، على طريق جامع الوهاب، بأنهما كانتا كثيفتي الأشجار، وخصوصًا الجوز والعنب والتين والتفاح والرمان.
وكان العنب من المحاصيل المتجذرة في الحياة الزراعية للبلدة.
وإلى جانب الأشجار المثمرة، كانت تزرع الخضار الصيفية، ومنها الباذنجان والكوسا والخيار واليقطين، وكان الفائض من الإنتاج يحمل إلى أسواق المزة والقصاع في دمشق لتصريفه.
من الطين إلى البلوك
وفق ما عاصره الون، ظلت البيوت الطينية منتشرة في داريا حتى نهاية الستينيات، قبل أن يبدأ استخدام “البلوك” والإسمنت بالانتشار في أوائل السبعينيات، نحو عامي 1970 و1972.
وكانت النجارة آنذاك تتركز بصورة أساسية في صناعة الأبواب والشبابيك على الطراز العربي.
ومن النجارين الذين يتذكرهم تيسير معضماني، ونجار من آل الزردة كان يعمل قرب بيت الناموس وجامع عمر بن عبد العزيز.
وكان هناك أيضًا دكان لإصلاح الأدوات الزراعية، مثل “الكريك” و”المر” و”المسحاة”، يديره أبناء عائلة تعرف باسم “حي الله” قرب جامع الزاوية، واستمر نشاطه خلال السبعينيات والثمانينيات.
وفي الثمانينيات، بدأت تنتشر محلات نجارة “الموبيليا” والخزائن الحديثة.
ويتذكر الون من العاملين فيها أيمن عليان (أبو عابد)، ونجارًا من عائلة جمال الدين يعرف بـ”أبو فهد”، إضافة إلى نجارين آخرين من آل جمال الدين بجوار جامع العباس.
وقبل انتشار الخزائن، كانت الأواني و”الصمديات” توضع داخل تجاويف في الجدران تسمى محليًا “الكتبية”، بينما كانت الخزائن المصدفة تجلب من دمشق وتبقى في متناول الميسورين بصورة أساسية.
المقاهي.. من السادسة صباحًا
كانت المقاهي جزءًا آخر من الحياة الاجتماعية التي يتذكرها الون، وملتقى بصورة أساسية لكبار السن الذين خفت عنهم أعباء الفلاحة والعمل.
ومن المقاهي التي بقيت في ذاكرته المقهى المجاور للجامع الكبير، ومقهى قرب بيت “الكحيل” بجوار شارع الثورة، إضافة إلى مقهى “أبو جبل”.
كانت الحركة تبدأ في بعضها منذ السادسة صباحًا، حين يتوافد كبار السن الذين أقعدهم العمر عن العمل في الأراضي، فيحتسون الشاي ويتبادلون الأحاديث ويلعبون الورق، أو “الشدة”، وطاولة الزهر.
وكان يرتاد المقاهي أحيانًا موظفون بعد انتهاء أعمالهم.
ومنهم شقيق عبد العزيز الأكبر حسن الون، الذي كان، بحسب ما يتذكر، يقسم يومه بين عمله في مؤسسة الغزل والنسيج والعناية ببستانه، ثم يتوجه إلى مقهى “الكحيل” ليقضي فيه نحو أربع أو خمس ساعات.
وفي السبعينيات، كانت “قهوة العزب” من المقاهي المشهورة.
ولأن أجهزة التلفاز لم تكن متوفرة لدى معظم الأسر حينها كان الشبان يقصدون المقهى ويشترون كأسًا من الشاي أو “الحليب الساخن” بعشرة قروش لمشاهدة المسلسلات، ومنها مسلسل “صح النوم” وشخصية “غوار الطوشة” التي أداها دريد لحام.
في المقابل، كان بعض الشباب والطلاب يتحرجون من دخول المقاهي ويبتعدون عنها، كما كان حال عبد العزيز نفسه، ويفضلون الدراسة أو الاندماج في أنشطة المساجد، ومنها الجامع الكبير وجامع الأنصار وجامع المنبر، التي كانت تضم حلقات ومجموعات شبابية.
الجمعية الخيرية
يستعيد الون أيضًا نشاط جمعية خيرية في داريا خلال السبعينيات، كان هدفها التكافل الاجتماعي ومساعدة الفقراء.
ويتذكر من الشخصيات المرتبطة بهيئتها العامة أو عملها الشيخ محمد صنديحة، الذي يقول إنه كان موظفًا فيها أو نائبًا للمدير، والأستاذ عبد القادر عبار، إلى جانب محامٍ متطوع وأفراد من عائلتي محمود والدباس.
اعتمدت الجمعية، وفق روايته، على اشتراكات وتبرعات الداعمين. وكان بعض المشاركين يدفعون اشتراكات شهرية، ويقول الون إنه كان يدفع في الثمانينيات ما بين 100 و150 ليرة شهريًا، وهو مبلغ يقدره بنحو 10% من راتبه آنذاك.
وكان آخرون يقدمون مبالغ أكبر للإنفاق على الحالات المسجلة بعد دراستها.
ويتذكر من الميسورين الداعمين للجمعية أفرادًا من عائلتي الشربجي وشريدي وغيرهما، ومن بينهم أبو غياث شريدي، الذي كان يعمل في مجال تصنيع آلات الشوكولاتة، ويقول الون إن تبرعاته بلغت في فترة ما نحو 12 ألفًا و500 ليرة شهريًا.
ويذكر كذلك إسماعيل الشربجي (أبو هشام)، وكان الأخير عضوًا في الجمعية.
ويقول الون إن تشكيكًا كان يتردد بين بعض الأهالي في أمانة الجمعية وإدارتها المالية، وإنه كان يدافع عنها استنادًا إلى اطلاعه المباشر، بحسب قوله، على دفاتر الاشتراكات وسجلات الصرف.
لكن التحدي الأكبر أمام النشاط الخيري في الثمانينيات، وفق ذاكرته، جاء من المناخ الأمني.
ويقول إن اعتقادًا كان متداولًا بين بعض الأهالي بأن الجمعية محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، ما أثار الخوف من المخابرات والأجهزة الأمنية.
ويربط الون بين ذلك المناخ الأمني وبين تراجع إقبال بعض الناس على المساجد والنشاطات المرتبطة بها.
الأدب الفرنسي بدل هندسة الميكانيك
بعد حصوله على البكالوريا العلمية عام 1977 بمجموع 147 درجة، كان عبد العزيز أمام قرار اختيار التخصص الجامعي.
ويقول إن مجموعه كان يؤهله، وفق مفاضلات تلك الفترة، لدراسة هندسة الميكانيك في جامعة حلب، إلى جانب تخصصات أخرى، منها الزراعة والتجارة والاقتصاد والشريعة واللغة العربية.
استشار والده: “بابا، شو رأيك؟”.
لكن الأب، بحكم حياته التي أمضاها في الفلاحة وبعده عن تفاصيل الدراسة الجامعية، ترك الاختيار له: “بابا، اللي بدك إياه ادرسه”.
اختار عبد العزيز الأدب الفرنسي في كلية الآداب بجامعة دمشق، مدفوعًا بعلاقة بدأت باللغة منذ أن فرضتها عليه قرعة الصف السابع، ثم تعززت مع معلمين تركوا أثرًا فيه.
“لا تدرس فرنسي”
المفارقة أن أستاذه محيي الدين الجرف، الذي كان أحد أسباب حبه للغة، حاول هذه المرة ثنيه عن اختيارها.
ويستعيد الون قوله: “تسمع مني؟ لا تدرس فرنسي ولا تقرب عليه”.
وحذره الجرف من صعوبة مهنة التعليم التي قد يقوده إليها التخصص، وشبهها له بتكسير الصخر، قائلًا إن من يكسر الصخر يتعب ويعرق ثم يستحم ويرتاح، بينما يبقى المعلم منشغلًا بتحضير دروسه ومتابعة الطلاب ومشكلاتهم ومحاولة الوصول إلى عقولهم حتى بعد انتهاء الدوام.
كما حذره من صعوبة قسم اللغة الفرنسية واحتمال الرسوب وتأخر التخرج سنتين أو ثلاثًا.
وبدا التحذير قريبًا من الواقع خلال السنة الأولى عام 1977. وجد عبد العزيز نفسه بين طلاب قدم كثير منهم من مناطق ريفية، مثل جيرود ويبرود، ويصف تجربتهم بأنها كانت صدمة انتقال من المدرسة الثانوية إلى الجامعة.
ففي المدرسة، كان المعلم قد يستغرق أسبوعين في شرح صفحة واحدة مع ترجمة الكلمات وتفصيلها، بينما وجد الطلاب أنفسهم في الجامعة أمام أساتذة، بينهم فرنسيون متعاقدون، يدرّسون بين 40 و80 صفحة في المحاضرة باللغة الفرنسية من دون استخدام العربية.
ويتذكر أستاذًا فرنسيًا كان يخاطب الطلاب بصرامة: “إذا لا تتحدثون الفرنسية فلا تأتوا إلي ولا تحضروا عندي”.
وتزامنت صعوبة الدراسة، بحسب الون، مع شح في المراجع والكتب الفرنسية المتاحة في المكتبات، وبعد نحو أربعة أشهر من الصعوبة في متابعة المحاضرات وفهمها، فكر جديًا في تغيير التخصص.
عاد إلى والده يستشيره، فجاء الجواب قريبًا من المرة السابقة: “إذا بدك ترجع على الفلاحة ارجع، وإذا بدك تكمل كمل”.
نزار أباظة يعود زميلًا
جاءت نقطة التحول من الأستاذ نزار أباظة، المعلم الذي سبق أن درّس عبد العزيز اللغة العربية في الصف الرابع الابتدائي.
وبحسب ما يرويه الون، كان أباظة قد زار أقرباء له في فرنسا وأحب اللغة الفرنسية، ثم عاد إلى الدراسة، وتقدم إلى البكالوريا من جديد والتحق بقسم اللغة الفرنسية، ليصبح طالبًا في السنة الأولى وزميلًا لتلميذه السابق عبد العزيز.
وفي نيسان عام 1978، قبل الامتحانات بنحو شهرين، زار نزار أباظة، برفقة الأستاذ عبد الأكرم السقا، منزل عبد العزيز في داريا.
واستعار منه أباظة قصة روائية للكاتب الفرنسي ستندال بعنوان “الاحمر والأسود”، وفق الاسم الذي يحتفظ به الون في ذاكرته، في ظل نقص الكتب وعدم وصول دفعة جديدة من فرنسا.
وخلال الزيارة، شكا عبد العزيز لأستاذه السابق تعثره ورغبته في ترك القسم، فنصحه أباظة بأن ينتظر حتى الامتحانات، وأن يحضر قاموسًا ويحفظ أكبر قدر ممكن من الكلمات والمفردات، ثم يقدم الدورة الأولى، فإذا لمس تقدمًا أكمل، وإلا انتقل إلى التخصص الذي يريده.
أخذ عبد العزيز بالنصيحة، وكان يحمل كتبه وقاموسه ويتوجه إلى بستان الأسرة في أرض “النجاصة”، على طريق جامع الوهاب، ويجلس وسط الأشجار والمياه يدرس ويحفظ المفردات سبعًا أو ثماني ساعات يوميًا.
وفي دورة حزيران، قدم ثماني مواد ونجح في ست منها، ثم نجح في المادتين المتبقيتين في الدورة الثانية.
ويقول إن تلك المرحلة كونت لديه مخزونًا لغويًا مكنه من الاستمرار في القسم.
خمسون خريجًا
تخرج عبد العزيز عام 1981 حاملًا شهادة الليسانس في الأدب الفرنسي.
ويقول إنه تخرج في الدورة الأولى ضمن دفعة لم تتجاوز نحو 50 خريجًا، في حين كان عدد المسجلين في القسم بمختلف سنواته يقارب الألف وفق تقديره، مع أعداد كبيرة في السنة الأولى تتناقص تدريجيًا في السنوات التالية.
بلغ معدله 59.5%، ويقول إن هذا المعدل كان يعد مرتفعًا نسبيًا وفق نظام التقييم الذي عرفه في القسم آنذاك، ويعزو ذلك إلى صرامة الأساتذة، ومن بينهم أساتذة أجانب، في منح العلامات وتصحيح الامتحانات، وإلى ما يصفه بشدة الرقابة وغياب التساهل في الامتحانات.
ومن أبرز أساتذته الذين يحتفظ بأسمائهم الدكتور زكي عروق، رئيس قسم اللغة الفرنسية آنذاك، ويتذكره بالدقة والصرامة الأكاديمية.
وخلفه لاحقًا في رئاسة القسم، بحسب الون، الدكتور فؤاد خوري، الذي كان زميلًا وصديقًا له في الدفعة نفسها وقرين مقاعد الدراسة.
كما يتذكر الدكتور جوزيف الحلو، المتخصص في مادة المسرح الفرنسي وتطبيقاته النصية، والدكتور بدر الدين قاسم، مدرس مادة الفكر، الذي يصفه الون بـ”موسوعة القسم” لغزارة علمه ومعرفته الفلسفية واللغوية.
وبقيت في ذاكرته عبارة كان قاسم يرددها للطلاب بالفرنسية: “N’oubliez pas que la licence est une responsabilité”، أي: “لا تنسوا أن شهادة الليسانس التي ستأخذونها هي مسؤولية”.
ومن أساتذته أيضًا الدكتور إلياس الزحلاوي، الذي درّس اللغة اللاتينية بوصفها أساسًا تاريخيًا لفهم الفرنسية وغيرها من اللغات الأوروبية.
الامتحان الشفهي
كانت الامتحانات تتضمن اختبارات شفهية تدخل في تقييم الطالب.
يدخل الطالب منفردًا ويجلس أمام الأستاذ في مكتبه من دون كتابة، ثم تبدأ مناقشة كاملة باللغة الفرنسية حول الرواية المقررة: أين نشأ الكاتب؟ وما الظروف التي ولدت فيها الرواية؟ ومن شخصياتها؟ وإلى أي شخصية يميل الطالب؟ ولماذا؟
وخلال الحوار، كان الأستاذ يقيم سلامة النطق وسلاسة الحديث وبناء الجمل ودقتها القواعدية.
ويتذكر الون إحدى تلك الاختبارات في مادة الرواية، حين خضع للامتحان إلى جانب طالب لبناني. ويقول إن الطالب فوجئ بعد ظهور النتيجة برسوبه ونجاح عبد العزيز، ووضع يده على رأسه مستغربًا: “لازم أنا أنجح وأنت ترسب!”.
ويربط الون نجاحه في القسم، إلى جانب ما يسميه توفيق الله، بمواظبته على الدراسة وحضوره المنتظم للمحاضرات وعدم انشغاله بعمل آخر خلال سنوات الجامعة.
الجامعة في مناخ أمني متوتر
تزامنت سنوات الجامعة مع أواخر السبعينيات وبداية الثمانينيات، وهي مرحلة يستعيدها الون بوصفها فترة اتسمت بالخوف والتضييق الأمني ومراقبة بعض الأنشطة الدينية.
ويتذكر وجود مصلى كبير في المبنى المخصص لأقسام الجغرافيا والتاريخ والفلسفة وعلم الاجتماع، إلى يمين مدخل كلية الآداب.
وبحسب روايته، أغلق أعضاء في “الاتحاد الوطني لطلبة سوريا” المصلى، وتعرض بعض الطلاب الملتزمين دينيًا للملاحقة ومنع الصلاة فيه.
وعندما حاول بعض الطلاب الصلاة جماعة في مساحة فارغة أمام قسم اللغة الفرنسية، يقول إن المكان أغلق أمامهم، ثم انتقلوا إلى البحث عن صفوف فارغة في كلية التربية المجاورة، قبل أن تتكرر ملاحقتهم.
قرر عبد العزيز بعدها الصلاة علنًا في حديقة الكلية. وكان يأخذ معه جريدة ويفرشها ويصلي عليها أمام الجميع.
ويقول إنه كان يرى أن الصلاة علنًا أفضل من ممارستها في الخفاء، حتى لا تبدو وكأنها نشاط سري.
مساجد داريا والجماعات الدينية
يستعيد الون من الفترة نفسها صورة للوسط الديني في داريا كما عرفه شخصيًا.
وبحسب تصنيفه وذاكرته، لم تكن الاصطفافات التي لاحظها تظهر أساسًا في صورة أحزاب سياسية معلنة، بل في مجموعات مرتبطة بعدد من المساجد والمشايخ، مع حساسيات وتنافس فكري بينها وسعي كل مجموعة إلى توسيع حضورها.
ويحدد في شهادته ثلاثة مساجد رئيسية ارتبطت بهذه المجموعات.
جامع المنبر
يربط الون جامع المنبر بالشيخ محمد عوض، الذي يصفه بأنه كان قريبًا من جماعة جامع زيد بن ثابت، أو جماعة الشيخ عبد الكريم الرفاعي في دمشق.
وكان يقصد الجامع عدد من أبناء داريا والجامعيين، ويتذكر منهم إحسان حسين، وجميل العبار، وجميل كمون، وعمر كمون.
وكان الشيخ محمد عوض يحضر أحيانًا إلى داريا لإلقاء الدروس والمشاركة في فعاليات دينية، ومنها احتفالات المولد النبوي التي كانت تقام في الجامع.
جامع الأنصار
ويربط الون جامع الأنصار بالشيخ عبد العزيز الدباس (أبو ماجد)، ويقول إن علاقة كانت تربطه بالشيخ أحمد كفتارو، مفتي عام الجمهورية آنذاك، وإن الدباس كان يواظب على حضور دروسه الأسبوعية في جامع دنكز، ثم في جامع أبي النور بدمشق.
وبحسب ذاكرته، زار الشيخ كفتارو داريا نحو أربع مرات، وأقيمت له استقبالات وفعاليات حاشدة حضر الون بعضها.
ويتذكر أن مجموعة من أهالي داريا كانت تستأجر في الثمانينيات والتسعينيات حافلة كاملة مرة شهريًا من أبناء “بيت أمون”، وتحديدًا أبو حامد أمون الذي كان يملك حافلات جديدة، لنقل ما بين 40 و50 رجلًا وامرأة يوم الجمعة إلى درس الشيخ كفتارو الأسبوعي في جامع أبي النور بدمشق ثم إعادتهم إلى داريا.
الجامع الكبير
أما في الجامع الكبير، فيتذكر الون مجموعة دينية ارتبطت بالشيخ أبو سليم أسد، إلى جانب أشخاص من آل الشربجي وآل المؤذن.
ومن الأشخاص الذين يتذكر أنهم كانوا يرتادون الجامع عمر الناموس.
الخوف في الثمانينيات
بحسب الون، انعكس المناخ الأمني في الثمانينيات على الحياة اليومية والممارسات الدينية في داريا، ويقول إن بعض المصلين كانوا يخرجون من صلاة الجمعة ويلتفتون خلفهم مرات عدة خشية أن يكونوا تحت المراقبة.
كما يتذكر أن بعض المشايخ كانوا يوصون طلابهم بالمغادرة فرادى، واحدًا تلو الآخر، وتجنب الخروج في مجموعات.
وامتد الخوف إلى داخل منزل الون نفسه لاحقًا.
الخدمة العسكرية
بعد تخرجه من الجامعة، التحق عبد العزيز بالخدمة العسكرية الإلزامية عام 1982 ضابطًا برتبة ملازم مجند.
جاء ذلك في ظل التوترات والأحداث الأمنية التي كانت تمر بها البلاد، ويصف التنقل بين دمشق وحلب آنذاك بأنه كان يثير الخوف والقلق، مع وجود عشرات الحواجز الأمنية، وفق ذاكرته، للتفتيش والتدقيق في الهويات وبطاقات الإجازات.
ويقول إن الخوف دفع والدته إلى إتلاف كتبه الدينية وإلقائها في خزان المياه الكبير في المنزل، خشية العثور عليها خلال أي تفتيش وما قد يترتب على ذلك من مشكلة أمنية له.
خضع عبد العزيز لدورة الضباط في حلب، وكان معه اثنان من أبناء داريا، عبد الرحيم زيادة، الذي درس الطب البيطري، وأسس لاحقًا مصنعًا للأدوية، وجميل كمون، الذي درس الكيمياء، ثم عمل مخبريًا، قبل أن يصبح خطيبًا في جامع أبو بكر الصديق بداريا.
فُرز عبد الرحيم زيادة إلى المدرسة الفنية في حمص، وجميل كمون إلى مدرسة المدفعية في حلب، بينما فُرز عبد العزيز إلى مدرسة المشاة في المسلمية شمالي حلب، ضمن دورة يقول إنها ضمت نحو 465 ضابطًا خريجًا.
في بداية وجوده بمدرسة المشاة، عاش حالة من الخوف بسبب المناخ الأمني، وامتنع عن الصلاة علنًا مدة يقدرها بما بين 15 و20 يومًا.
ثم شاهد أحد الموجودين يتوضأ علنًا، فبدأ هو الآخر يتوضأ ويصلي تدريجيًا خلال أوقات الاستراحة.
واستدعاه “الأسبوعي العام” للدورة، الطالب محمود سلامة، خريج الأدب الإنجليزي من طرطوس، ونصحه: “يا عبد العزيز، لا تصلي جماعة فتجمع الناس حولك وتتسبب بمشكلة. صل بمفردك وأنا مسؤول عنك”.
أخذ عبد العزيز بالنصيحة وصار يصلي منفردًا، ويقول إن تصرفه شجع عددًا من الخائفين على العودة إلى الصلاة بحذر.
من الجيش إلى دبلوم التأهيل التربوي
بعد انتهاء الدورة، نقل عبد العزيز إلى المعهد العسكري للغات الأجنبية في المزة بدمشق، المجاور لرئاسة الأركان آنذاك، وقضى فيه بقية خدمته معلمًا ومحاضرًا لمدة سنتين.
وخلال عمله في المعهد، لاحظ أن بعض زملائه الضباط القادمين من خارج دمشق، ومن بينهم خالد عباس، يتابعون دراستهم المسائية.
سألهم عن ذلك، فشجعوه على التسجيل في دبلوم التأهيل التربوي في كلية التربية بجامعة دمشق.
سجل في الدبلوم ورتب وقته بين المعهد والجامعة حتى أتم الدراسة، وحصل على الشهادة عام 1984.
وظيفة في المطار لم تبدأ
مع اقتراب انتهاء خدمته العسكرية، أعلنت وزارة السياحة عن مسابقة للتوظيف.
تقدم عبد العزيز وخضع لمقابلة، ويقول إنه نجح ضمن الثلاثة الأوائل، ليعين دليلًا سياحيًا في مكتب السياحة بمطار دمشق الدولي براتب 1125 ليرة سورية.
لكن الوظيفة انتهت قبل أن تبدأ، فحين ذهب إلى رئيس الديوان في الوزارة لتسليم أوراقه والمباشرة، سأله الأخير: “أنت من وين؟”، أجابه: “من داريا”، فنصحه رئيس الديوان بأن يعيد التفكير في الأمر، موضحًا أن العمل في المطار سيحتاج إلى ساعة في الحافلة ذهابًا وأخرى إيابًا وثماني ساعات من الدوام، أي نحو عشر ساعات يوميًا مقابل 1125 ليرة، بينما قد يعمل مدرسًا في داريا أربع ساعات، وعلى بعد خمس دقائق من منزله، وبراتب قريب من ذلك.
اقتنع عبد العزيز بالنصيحة، فسحب أوراقه وتراجع عن التعيين، وانتظر مسابقة وزارة التربية لتعيين المدرسين.
سُرح رسميًا من الجيش في 10 أيار 1984، وتزوج في الشهر نفسه، قبل أن ينال دبلوم التأهيل التربوي في صيف العام ذاته، وفق التسلسل الذي يستعيده.
30 ألف ليرة لتأسيس منزل
يتذكر الون أن تأثيث منزل الزوجية وتجهيزه كلف نحو 30 ألف ليرة سورية، في وقت كان سعر غرام الذهب، بحسب ذاكرته، نحو 64 ليرة.
وشملت التجهيزات تفصيل غرفة نوم، بينما بلغت تكلفة الأثاث الذي يذكره نحو 7500 ليرة، وتضمن “طقم كنبايات” اشتراه من سقبا، وغرفة نوم تشمل التخت والخزانة من داريا.
ومن الأموال التي جمعها من “النقوط” النقدي في العرس، اشترى الغسالة والبراد والتلفاز والمروحة والسجاد والأواني.
“أنا ابن البلد”
بدأ عبد العزيز الون مسيرته الرسمية في التدريس عام 1984، بعد تسريحه من الجيش ونجاحه في مسابقة وزارة التربية.
وحين التقى بموجه اللغة الفرنسية المسؤول عن توزيع المدرسين، أصر على العمل في داريا: “أنا ابن البلد وأنا أولى بطلاب بلدي”.
لكن الشواغر الرسمية في مدارس داريا كانت مكتملة.
حل الموجه المشكلة بمنحه نصابًا موزعًا بين منطقتين: 15 ساعة في صحنايا و15 ساعة في داريا، أي 30 ساعة تدريسية أسبوعيًا.
ويقول الون إن النصاب الكامل المعتاد آنذاك كان يتراوح بين 19 و21 ساعة، لكن الموجه وعده بالنقل الكامل إلى داريا في العام الدراسي التالي. وبالفعل، انتقل عام 1985 بصورة كاملة إلى ثانوية الغوطة الغربية.
ويتذكر من المدرسين من أبناء داريا الذين عملوا فيها فاروق الخطيب، وسعيد السقا، وخالد شحادة، ومحمد بلشة، وعبد الله العدوي، ومحمود الصيصي، وعبد القادر العبار، وكان عبد الله العبار معاونًا للمدير آنذاك.
تلميذ ومدرس ثم مدير للمدرسة نفسها
بعد 12 عامًا من التدريس في ثانوية الغوطة الغربية، تولى عبد العزيز إدارتها عام 1996 خلفًا للأستاذ جودت زيادة، واستمر مديرًا حتى عام 2000.
وهكذا أصبح مديرًا للمدرسة نفسها التي دخلها طالبًا في المرحلة الإعدادية عام 1971.
ويصف الثانوية بأنها كانت شريانًا أساسيًا للتعليم الثانوي في داريا، وتخرجت منها أجيال من الأطباء والمهندسين والمربين.
وبحسب ذاكرته، ضمت المدرسة خلال فترة إدارته نحو 1100 طالب موزعين على 27 شعبة في الفروع العلمي والأدبي والتجاري.
فصل الفرع التجاري
في عام 1998، صدر قرار بفصل الفرع التجاري وافتتاح “ثانوية داريا التجارية” في مبنى مستأجر قرب مبنى النكاش، تحت إدارة الأستاذ محمد عزت جرماني.
لكن القرار صدر قبل تجهيز المبنى الجديد بالأثاث والفرش اللازمين.
ويقول الون إن إدارة ثانوية الغوطة الغربية بادرت إلى مساعدة المدرسة الجديدة بالطاولات والكراسي والمقاعد لتأمين انطلاقتها.
وكان هناك سبب إداري آخر للإسراع في الفصل، بحسب روايته، إذ بدأ قسم من الطلاب الذين عرفوا أنهم سينتقلون إلى مدرسة أخرى بالإخلال بالانضباط داخل الثانوية.
ثلاثة مبانٍ وسور مفتوح
كانت ثانوية الغوطة الغربية تتكون أساسًا من جناحين رئيسيين. كان الطرف الأيمن، أو الغربي، مخصصًا للإعدادية والثانوية، بينما خُصص الطرف الأيسر الملاصق لمشفى الرضوان لطلاب الصفين السابع والثامن الإعدادي.
وفي عام 1998، خلال إدارة الون، شُيد المبنى الأوسط في باحة المدرسة، ليفصل الجزء الأيسر القريب من مشفى الرضوان، الذي خُصص لطلاب المرحلة الابتدائية بإدارة مستقلة.
ومن المشكلات التي واجهتها الإدارة بقاء السور الخارجي للمدرسة غير مكتمل.
ويقول الون إن الإدارة كانت تخشى على الطلاب من حوادث السيارات، كما كان بعض الطلاب يستغلون فتحات السور للهروب من المدرسة، بل عمد الطلاب، بحسب روايته، إلى فتح ثغرة في الحائط الخلفي.
وكان يستدعي آذن المدرسة، أبو محمود سعدية، ويطلب منه شراء الإسمنت والبلوك لإغلاقها، لكن بعض الطلاب كانوا يعيدون هدم الجزء المبني بعد مغادرة البنّاء.
مدرسة بلا مال كافٍ
يتذكر الون أن إدارة المدرسة واجهت ضيقًا ماليًا شديدًا في تلك الفترة.
وكانت المدرسة تعتمد على رسوم “التعاون والنشاط” التي تجمع من الطلاب، وتتراوح بين 15 و30 ليرة للطالب.
وبحسب الون، كانت مديرية التربية تقتطع 30% من الرسوم بعد جمعها، في حين لا تكاد نسبة الـ70% المتبقية تكفي لإصلاح المقاعد الخشبية المكسورة أو شراء الكراسي للمدرسين.
وعند الامتحانات، كانت طباعة الأسئلة تكلف المدرسة، وفق تقديره، بين سبعة وثمانية آلاف ليرة لكل امتحان، ما كان يدفع الإدارة إلى الاستعانة بمدارس أخرى لطباعة الأسئلة، بدل طباعتها في المكتبات العامة خشية تسريبها.
توجه الون إلى مدير التربية آنذاك أحمد حمشو طالبًا آلة تصوير مستعملة، لكن المدير اعتذر لعدم توفر موازنة، ونصحه بالاستعانة بفعاليات البلدة.
خرج عبد العزيز برفقة الأساتذة عبد الله العدوي (مدرس التربية الإسلامية)، ومحمد فارس السقا (مدرس الخط والرسم)، وعلي حسن (مدرس التربية العسكرية)، وقصدوا أمين شعبة الحزب عبدو الحو، ورئيس البلدية محمد علي العبار، وعددًا من وجهاء البلدة.
لكنهم، بحسب الون، اعتذروا عن تقديم ما طلبته المدرسة.
أربع مدافئ من الأوقاف
في شتاء 1998-1999، ظهرت مشكلة أخرى، إذ لم تكن هناك مدافئ كافية لصفوف الإعدادية.
تواصل الون مع رئيس شعبة أوقاف داريا، الأستاذ حسين غباش (أبو ياسين)، الذي استجاب للطلب وزود ثانوية الغوطة الغربية بأربع مدافئ جديدة لتدفئة الطلاب.
ويورد الون الواقعة في سياق حديثه عن اعتماد إدارة المدرسة أحيانًا على المؤسسات والفعاليات المحلية لتأمين حاجات لم تكن موازنة التربية قادرة على تغطيتها.
11 طالبًا لدورة الرياضيات
من القضايا التي شغلت الون خلال عمله الإداري ما رآه ضعفًا في اهتمام بعض أولياء الأمور بالتحصيل الدراسي لأبنائهم.
ويضرب مثالًا من العام الدراسي 1996-1997، فقد أعدت المدرسة دورة تقوية في الرياضيات لطلاب الصف السابع، وكان عدد طلاب الصف السابع، بحسب ما يتذكر، 425 طالبًا، لكن 11 طالبًا فقط سجلوا في الدورة، رغم أن تكلفتها كانت 200 ليرة لمدة شهرين.
وفي المقابل، عندما أعلنت المدرسة عن رحلة ترفيهية إلى طرطوس بتكلفة 350 ليرة، يقول الون إن الحافلات امتلأت خلال يومين وانهالت اتصالات الآباء الراغبين في حجز أماكن لأبنائهم.
ورأى في المقارنة مؤشرًا على ضعف اهتمام قسم من الأسر بالدورات التعليمية.
ويتذكر أيضًا أن اجتماعات أولياء الأمور كان يحضرها في الغالب آباء الطلاب المتفوقين، بينما يغيب كثير من آباء الطلاب المقصرين الذين كانت المدرسة ترى أنهم الأكثر حاجة إلى المتابعة.
المدرسون الجامعيون من أبناء داريا
يقول الون إن عدد المدرسين المجازين الجامعيين من أبناء داريا كان محدودًا في العقود التي عاصرها مقارنة بما يتذكره عن بلدات مجاورة.
ويذكر من المدرسين الجامعيين خالد شحادة، وعبد الله العبار، وعلي خشفة، وأكرم الشربجي، وسعيد السقا، وعبد القادر العبار، وفاروق الخطيب.
وفي نهاية التسعينيات، يتذكر ظهور مدرسين آخرين، منهم محمد فتاش، وزياد حلمي، وعارف الحو، ومحمد الصيصي، ومظهر البلشة.
ويقدر الون أن معضمية الشام وصحنايا كانتا تضمان نحو 150 مدرسًا جامعيًا في كل منهما، وهو تقدير شخصي يربطه باتجاه نسبة كبيرة من أبناء داريا في تلك الفترة إلى الأعمال الأكثر ربحًا في الفلاحة والتجارة والمزارع بدل الوظائف الحكومية والتعليمية.
أربع سنوات في السعودية
في عام 2001، كان عبد العزيز يشارك في تصحيح امتحانات شهادتي التعليم الأساسي والبكالوريا في دمشق، حين عرض عليه زميل من معضمية الشام فرصة عقد عمل في الرياض بالسعودية.
خضع لمقابلة ضمن سبعة مدرسين، ويقول إنه كان الوحيد الذي قُبل منهم، ويربط ذلك بامتلاكه دبلوم التأهيل التربوي وخبرته السابقة في إدارة المدرسة.
انتقل إلى الرياض وعمل في المجال التعليمي والتدريسي والإداري أربع سنوات، بين عامي 2001 و2005.
ومن خلال تجربته الشخصية، يرى الون أن المادة العلمية والمناهج التي عرفها في التعليم السوري كانت أعمق من بعض التجارب التعليمية التي عاينها خارج سوريا.
موجهًا للغة التي اختارتها القرعة
عاد عبد العزيز إلى سوريا عام 2005، وعُين موجهًا اختصاصيًا لمادة اللغة الفرنسية في وزارة التربية بريف دمشق.
وشملت مهمته جانبًا إداريًا يتعلق بنقل المدرسين والإجازات، وآخر فنيًا يقوم على زيارة المدارس العامة والخاصة، وحضور الحصص وتقييم أداء المدرسين وطريقة ضبطهم للصفوف.
ومن خلال تجربته في التوجيه، رأى أن عددًا من معلمي المدارس العامة الحاصلين على مؤهلات جامعية امتلكوا كفاءة مهنية أفضل مما كان يراه من مظاهر تجارية في بعض المدارس الخاصة، وهو تقييم يستند إلى خبرته الشخصية في الزيارات والتوجيه.
واستمر في مهامه حتى اقترابه من سن التقاعد.
وبذلك انتهى به المسار المهني موجهًا اختصاصيًا للغة نفسها التي عاد إلى منزله باكيًا حين اختارتها له القرعة في الصف السابع.
الخروج من سوريا
لم تكتمل نهاية المسار الوظيفي داخل سوريا، فمع الأحداث التي بدأت في البلاد عام 2011 وما رافقها من أوضاع أمنية في داريا، يقول الون إن أبناءه تعرضوا لملاحقات أمنية، ما دفعه إلى مغادرة البلاد في تشرين الأول 2012.
استطاع الحصول على إجازة خاصة بلا راتب، وانتقل إلى المملكة العربية السعودية، حيث أقام نحو سبعة أشهر.
ثم انتقل مع أسرته إلى مدينة الإسكندرية في مصر، ومنها غادروا إلى السويد، التي أقام فيها أكثر من عشر سنوات.
ذاكرة رجل ومدينة
حين يعود عبد العزيز الون إلى عام 1965، لا تبدأ ذاكرته من شهادة جامعية أو منصب إداري، بل من أب فلاح يقف أمام مدير مدرسة محاولًا إقناعه بقبول ابنه الذي تأخر عامًا عن الصف الأول.
وبين ذلك الباب وإدارة ثانوية الغوطة الغربية التي تولاها بعد ثلاثة عقود، تتداخل سيرته مع تحولات عاشتها داريا نفسها.
اختفت أو تغيرت كثير من التفاصيل التي يستعيدها: الكُتّاب ومقاعده الخشبية، و«الخميسية»، والبيوت الطينية، وعدّانات النهر الغربي، وقهوة العزب، وأرض «النجاصة». وبقيت معها في ذاكرته أسماء عشرات المعلمين والمديرين والطلاب والعاملين الذين مروا بمدارس داريا ومساجدها ومؤسساتها المحلية.
أما الطفل الذي دخل الفرنسية بالقرعة، فقد أنهى حياته المهنية موجهًا اختصاصيًا لها.
وفي ختام حديثه إلى عنب بلدي، يتمنى الأستاذ عبد العزيز الون أن تستعيد داريا استقرارها، وأن يعود أهلها إليها ويسهموا في إعمارها واستكمال ما بدأته أجيال سبقتهم، وأن تتيح له الأيام هو الآخر عودة كاملة ودائمة إلى مدينته.