علي الشربجي.. من تحقيق الكتب في دمشق إلى البحث الشرعي في الكويت

الشيخ علي الشربجي في منزله بإسطنبول - 1 آب 2026 (عنب بلدي - ابراهيم خولاني)

حين أُحيل علي الشربجي إلى التقاعد عام 1988، كان قد أمضى أكثر من ثلاثة عقود بين الإمامة والخطابة وتدريس الفتوى والتعليم الرسمي، إلى جانب مشاركته في إعداد المناهج الشرعية.

لكن التقاعد لم يغلق مسيرته العلمية، بل دفعه إلى مرحلة اتسع فيها نشاطه في التحقيق والنشر والتأليف، بالتزامن مع عودته للسكن في داريا، قبل أن تقوده ظروف ارتبطت بالغزو العراقي للكويت إلى تجربة مهنية جديدة بدأت في مطلع التسعينيات، واستمرت حتى العقد الثاني من الألفية الثالثة.

وخلال هذه المرحلة، انتقل الشربجي من العمل في دار نشر بدمشق إلى «اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية» في الكويت، وألّف وشارك في تأليف عدد من الكتب والدراسات، وظل على صلة بالعمل البحثي والاستشاري حتى بعد تجاوزه سن الثمانين.

من التقاعد إلى النشر والتأليف

أُحيل الشربجي إلى التقاعد عام 1988، ويتذكر أن راتبه التقاعدي بلغ 1700 ليرة سورية، بعد ضم السنوات الأربع التي أمضاها في تدريس الفتوى إلى خدمته في وزارة التربية، ليبلغ مجموع سنوات خدمته الوظيفية المحتسبة 31 عامًا.

وبعد التقاعد، عمل نحو أربع سنوات مديرًا لـ«الشركة المتحدة للطباعة والنشر» في منطقة الحلبوني بدمشق، المملوكة لرضوان دعبول، وظل فيها حتى سفره إلى الكويت عام 1993.

ولم يكن عمله في النشر منفصلًا عن نشاط علمي كان قد بدأه وتوسع فيه خلال تلك الفترة، إذ انصرف بصورة أكبر إلى تحقيق الكتب واختصارها وشرحها والتأليف فيها.

يذكر الشربجي من الأعمال التي أنجزها منفردًا أو ضمن أعمال مشتركة تحقيق «صفوة الصفوة» لابن الجوزي، و«الأذكار» للنووي، و«نور اليقين» للخضري، إضافة إلى اختصار وتحقيق «الدعاء» للنسائي، و«تلبيس إبليس» لابن الجوزي، واختصار «إرشاد العباد» لابن المليباري.

كما اشترك مع الشيخ محيي الدين نجيب في شرح «المنتخب من الصحيحين»، وهو كتاب انتخبه الشيخ يوسف النبهاني من «الجامع الصغير»، وأطلقا على الشرح اسم «قرة العينين في شرح المنتخب من الصحيحين»، وخرج في مجلدين كبيرين.

ويتذكر الشربجي أن الأستاذ عبد الأكرم السقا بدأ صف الكتاب في داريا، قبل أن تطبعه دار الحزم في لبنان.

واشترك مع محيي الدين نجيب كذلك في شرح «عدة الحصن الحصين» لابن الجزري، وأطلقا على العمل اسم «منار الذاكرين شرح عدة الحصن الحصين».

وفي مجال التفسير، ألّف الشربجي كتابًا سماه في البداية «التفسير المختار»، قبل أن تشتري إحدى دور النشر في دمشق حقوقه وتغير اسمه إلى «تفسير البشائر»، كما أعد بالمشاركة كتابًا آخر بعنوان «التفسير المستفاد من كلام رب العباد».

العودة إلى داريا

بالتوازي مع اتساع نشاطه في النشر والتحقيق بعد التقاعد، قرر الشربجي عام 1989 العودة والاستقرار في داريا.

وكان قد بدأ قبل ذلك بسنوات الترتيب لبناء منزل فيها، نحو عامي 1985 أو 1986، حين اتفق مع جاره «أبو صبيح مشمشتين»، الذي لم يكن يستطيع البناء على عقاره منفردًا بسبب صغر مساحته.

واتفق الطرفان على ضم حصة الشربجي، التي يقدرها بنحو 150 مترًا مربعًا، إلى العقار، وبناء شقتين سكنيتين متطابقتين فوق بعضهما يحصل عليهما الشربجي، فيما يستفيد جاره من بقية الطوابق.

ويتذكر أنه دفع في ذلك الوقت 22 ألف ليرة سورية.

ومع استقراره في داريا، واصل الشربجي عمله في النشر والتأليف في دمشق، ولم تكن العودة نهاية لمسيرته المهنية، إذ فتحت أحداث الخليج بعد سنوات قليلة بابًا جديدًا أمامه.

الغزو العراقي يفتح طريقًا إلى الكويت

بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990، انتقل عدد كبير من الكويتيين إلى خارج البلاد، وكان بعضهم يقيم في مدينة أبها السعودية.

وفي تلك الفترة، سافر الشربجي مع ابنه أحمد إلى السعودية للقاء زوجي ابنتيه، اللذين يقول إن ظروف الملاحقة الأمنية كانت تحول دون دخولهما إلى سوريا.

وفي أبها، تعرف إلى رجل كويتي كان عضوًا في مجلس إدارة مؤسسة للبترول، وكان يصلي في مسجد يرتاده أحد صهري الشربجي.

أرسل الرجل لاحقًا تأشيرة إلى أحمد ليعمل في مكتبه بالكويت، ثم زار علي الشربجي الكويت عام 1992 بدعوة وترتيب منه.

وهناك بدأت صلته بالمؤسسة التي ستشكل الجزء الأكبر من مسيرته المهنية اللاحقة.

خلال الزيارة، ذهب الشربجي إلى مقر «اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية»، حيث كان زميله الأستاذ فؤاد مجاجي قد سبقه إلى العمل.

ويقول إن عددًا من القائمين على اللجنة كانوا يعرفون اسمه وبعض إنتاجه العلمي، فعرضوا عليه توقيع عقد للعمل بصفة «باحث شرعي» في «مديرية بحوث المعلومات» التابعة للجنة.

وفي عام 1993، استقر رسميًا في الكويت وبدأ عمله فيها.

اللجنة الاستشارية وتجربة امتدت ربع قرن

يربط الشربجي نشوء اللجنة بالأجواء التي أعقبت الغزو العراقي للكويت، ويتذكر أن شخصيات وفعاليات كويتية بارزة، وفي مقدمتها في ذاكرته الدكتور خالد المذكور، التقت الأمير جابر الأحمد الصباح خلال وجوده في السعودية.

وبحسب روايته، تحدث أعضاء الوفد مع الأمير عن أن ما أصاب الكويت ابتلاء يرتبط بالتقصير في تطبيق الشريعة، وطالبوا بالعمل على استكمال تطبيق أحكامها بعد تحرير البلاد.

ويتذكر أن الوفد عاد إلى الأمير بعد التحرير وعودة الكويتيين بنحو خمسة أشهر، فصدر قرار بتأسيس اللجنة وربطها بالديوان الأميري، مع مطالبة الوزارات والمؤسسات بالتعاون معها وتيسير عملها.

وبحسب السجل الرسمي، أُنشئت «اللجنة الاستشارية العليا للعمل على استكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية» بالمرسوم الأميري رقم 139 لعام 1991، أي قبل بدء الشربجي العمل فيها بنحو عامين، وكُلفت بمراجعة التشريعات واقتراح ما يحقق توافقها مع أحكام الشريعة.

بعد سنوات طويلة من العمل داخل اللجنة، يقدم الشربجي قراءة نقدية لتجربتها، فهو يرى أن منحها صفة «استشارية»، بدلًا من أن تكون «تنفيذية»، جعلها في التطبيق وسيلة لاستيعاب المطالب الشعبية والدينية أكثر من كونها جهة قادرة على إحداث تغيير تشريعي مباشر.

ويقول إن اللجنة عقدت المؤتمرات، وألّفت الكتب، وراجعت قوانين الدولة، وصاغت مقترحات لإعادة مواءمتها مع أحكام الشريعة وفق رؤيتها، ثم رفعتها إلى الأمير، الذي يحيلها بدوره إلى مجلس الوزراء، ومنه إلى مجلس الأمة.

لكن عددًا كبيرًا من المشروعات، بحسب تقييمه، بقي من دون تطبيق فعلي، فيما يتذكر من النتائج التي ظهرت بصورة واضحة في المجال التعليمي زيادة ساعات مادة التربية الإسلامية في المناهج.

كتب خرجت من سنوات الكويت

كان الغزو العراقي وما خلفه في الكويت من قضية الأسرى والمفقودين أحد الموضوعات التي عمل عليها الشربجي.

ويقول إن «مكتب الشهيد» التابع للديوان الأميري طلب منه إعداد كتاب يتناول التأصيل الشرعي لأحكام الأسرى والمفقودين والمحبوسين، وما يترتب على غياب الشخص في مسائل مثل الإرث والطلاق والنفقة.

وخرج العمل بعنوان «تفصيل الكلام في أحكام الأسرى والمحبوسين والمفقودين في الإسلام».

وعندما نظمت اللجنة مؤتمرًا حول المرأة، أعد الشربجي كتاب «المرأة في رحاب السنة».

تألف الكتاب من مجلدين، ويقول إنه جمع فيهما 1007 أحاديث نبوية، وطبعت اللجنة مئات النسخ منه، وتداولته أوساط علمية ونسائية.

ويتذكر الشربجي أن اللجنة تلقت رسائل وأوراق شكر على الكتاب.

وفي مشروع آخر، ألّف الشربجي بالتعاون مع أحمد الغيث كتاب «الفقه الجلي في المذهب الحنبلي».

ويتذكر أن الكتاب قُدم إلى الأمير صباح الأحمد الصباح، وأن الأمير سأل عن سبب إعداد كتاب في الفقه الحنبلي، مع ارتباط الأسرة الحاكمة في الكويت بالمذهب المالكي.

فأجاب المؤلفان بأن المذهب الحنبلي هو الأكثر انتشارًا بين قطاعات من الكويتيين، إلى جانب وجود شافعية.

وقاد هذا السؤال إلى مشروع جديد في مذهب آخر، إذ كُلف علي الشربجي والفقيه الموريتاني يابا محمد جمال بتأليف كتاب في الفقه المالكي، وعملا حتى أنجزا خمسة مجلدات كاملة وهيآها للطباعة.

لكن الكتاب لم يصدر، إذ يقول الشربجي إن إغلاق اللجنة عام 2017 حال دون طباعته، ثم لم تتوفر لدى وزارة الأوقاف ميزانية كافية للنشر، فبقيت المجلدات في صورة مسودات جاهزة.

ومن القصص التي يرويها الشربجي عن نشوء كتبه ما حدث في أحد أشهر رمضان داخل اللجنة.

اقترح على الموظفين، وكان بينهم أشخاص من جنسيات مختلفة ويذكر من بينهم موظفين من نيجيريا، حفظ 30 حديثًا، بواقع حديث كل يوم، مقابل مكافأة مالية.

ولم تكتمل تجربة الحفظ كما خطط لها، فبدأ يكتب شرحًا لكل حديث.

ومن هذه المبادرة تشكل كتاب مستقل حمل عنوان «خلاصة الكلام في الأحاديث التي عليها مدار الإسلام»، ويقول إن دار القلم طبعته لاحقًا في دمشق والبحرين.

ويذكر الشربجي من مؤلفاته في تلك المرحلة أيضًا «مهارات في السيرة النبوية»، و«الأربعون المختارة في السنة النبوية»، و«الحوار شريعة وآدابًا».

كما ألّف «الفروع الندية في شرح القواعد الفقهية»، وشرح فيه مئة قاعدة من «مجلة الأحكام العدلية»، إلى جانب «مختار الجواهر» في الأدب والمختارات، و«الأسرة السعيدة بأسس بنائها الزوجية»، و«البرهان في شعب الإيمان».

وامتد إنتاجه بذلك بين الفقه والحديث والتفسير والسيرة والأسرة والأدب، إضافة إلى أعمال التحقيق والاختصار والشرح التي كان قد توسع فيها منذ سنوات دمشق.

بعد الثمانين.. مستشار حتى إغلاق اللجنة

عندما بلغ الشربجي سن الثمانين عام 2008، يقول إن قرارًا كان يقضي بإنهاء خدمة الموظفين الذين بلغوا هذه السن، لكن عمله لم يتوقف.

استمر ارتباطه باللجنة عبر نظام «الاستعانة بالخبرات»، وتغير مسماه الوظيفي من «باحث شرعي» إلى «مستشار»، وظل يعمل بهذه الصفة نحو عشر سنوات أخرى.

وفي عام 2017، أُنهي عمل اللجنة بعد نحو 26 عامًا على إنشائها.

وبعد إغلاقها، انتقلت إقامة الشربجي الوظيفية من الديوان الأميري إلى وزارة الأوقاف، ويتذكر أنه عومل عند الانتقال كما لو كان موظفًا جديدًا، وخضع لفحوص طبية شاملة رغم بلوغه سنًا متقدمة.

ويقول إن نتائج الفحوص أظهرت أنه ما يزال لائقًا للعمل، فثُبت في الوزارة واستمرت مكافآته حتى مغادرته النهائية للكويت.

رجل يقترب من المئة

حين تُقرأ سيرة علي الشربجي من بدايتها إلى نهايتها، تظهر العناوين الكبرى بسهولة، طفل في داريا تحت الانتداب الفرنسي، وطالب في «التوجيه الإسلامي»، وخريج كلية الشريعة، وخطيب ومدرس، ومشارك في تأليف «الفقه المنهجي»، ومحقق للكتب، ثم باحث ومستشار في الكويت.

لكن ذاكرته تحتفظ بما هو أصغر من هذه العناوين، وربما أكثر ندرة من الناحية التوثيقية، بيت من اللبن تنام الأسرة في إحدى غرفه، و«مندلون» يحفظ فيه الجوز والبصل، وحمام عند طرف البلدة، وعين ماء بين الصخور، وحلاق يختن الأطفال ويضمد الجروح، ومقهى يعرض «كراكوز وعواظ»، ومحفرة تمتلئ بمياه الشتاء، وحافلتان يعرف الأهالي سائقيهما، و«طنبر» يحمل عنب داريا إلى سوق الهال.

وفي الذاكرة نفسها طفل يأخذه الدرك من الكُتّاب إلى المدرسة الحكومية، وجنود وخيول يدخلون منزل الأسرة، وعائلة تغادر داريا هربًا من القتال، وتظاهرة تمضي حتى منزل فخري البارودي، ويوم عمل ينتهي بحصول طفل على ليرة سورية واحدة، قبل أن يقول المسؤول البريطاني للمترجم: «بكرا لا يجي».

ثم تتسع الذاكرة إلى دمشق، معهد ومشايخ ومتون محفوظة، وجمعيات دينية والإخوان والناصرية، والوحدة والانفصال، وكلية الشريعة، ثم طرطوس والمدارس والمناهج وحكم البعث، قبل أن تمتد إلى التحقيق والتأليف والكويت.

وبعد قرابة قرن من هذه الرحلة، تعود السيرة إلى التفاصيل التي بدأت منها، رجل يقترب من المئة، تقول أسرته إنه ما يزال، قدر استطاعته، يخدم نفسه، ويعد قهوته، ويصر على إكرام ضيوفه، ويسأل عن أقاربه ويصل رحمه، ويتجنب الغضب وتجريح الآخرين أو الخوض في نقد أقرانه.

وتتبع الأجزاء الثلاثة التي تنشرها عنب بلدي، استنادًا إلى مقابلات مطولة أجرتها مع الشيخ علي الشربجي في مكان إقامته في إسطنبول، مسار حياته الشخصية، لكنها تحفظ في الوقت نفسه تفاصيل من تحولات داريا ودمشق خلال نحو قرن، من الحياة اليومية والتعليم الديني إلى المدرسة والسياسة والعمل في مؤسسات الدولة، وصولًا إلى تجربته الطويلة في البحث والتأليف والعمل الاستشاري.

اقرأ أيضًا:

في ذاكرة الشيخ علي الشربجي.. ملامح داريا في الثلاثينيات والأربعينيات 

علي الشربجي.. من داريا إلى دمشق وبدايات مسيرته العلمية والتعليمية 

علي الشربجي.. من تحقيق الكتب في دمشق إلى البحث الشرعي في الكويت 

مقالات ذات صلة

علي الشربجي.. من داريا إلى دمشق وبدايات مسيرته العلمية والتعليمية

في ذاكرة الشيخ علي الشربجي.. ملامح داريا في الثلاثينيات والأربعينيات

سليمان شحادة.. جراح عيون يروي داريا التي عرفها