علي الشربجي.. من داريا إلى دمشق وبدايات مسيرته العلمية والتعليمية

الشيخ علي الشربجي في منزله بإسطنبول - 1 آب 2026 (عنب بلدي - ابراهيم خولاني)

حين بلغ علي الشربجي التاسعة عشرة عام 1947، كان قد ترك المدرسة الحكومية منذ نحو عشر سنوات ليعمل إلى جانب والده في الزراعة، لكنه لم ينقطع عن المساجد ومجالس الذكر والعلم التي ارتبط بها منذ طفولته في داريا.

في ذلك العام، اقترح الشيخ تيسير المخزومي، المعروف بـ«أبو جودت»، على خالد شربجي (والد علي) إرساله إلى دمشق للدراسة الشرعية النظامية، فوافق، واصطحب المخزومي علي صباحًا إلى «معهد التوجيه الإسلامي»، الذي كان يشرف عليه الشيخ حسن حبنكة الميداني.

كانت الخطوة بداية مرحلة نقلت الشاب من العمل في الزراعة بداريا إلى الوسط العلمي والديني في دمشق، حيث أمضى خمس سنوات في الدراسة الداخلية، قبل أن تتسع تجربته إلى الخطابة والإمامة والدراسة الجامعية والتعليم الرسمي.

في هذا الجزء من سلسلة المقابلات التي أجرتها عنب بلدي معه، يستعيد الشيخ علي الشربجي سنوات دراسته في دمشق، وصلته بالجمعيات الدينية والحياة السياسية، ثم انتقاله إلى الخطابة والتعليم الجامعي والرسمي والمشاركة في إعداد المناهج الشرعية.

خمس سنوات في «التوجيه الإسلامي»

دخل علي الشربجي قاعة المعهد المكتظة بالطلاب، وقدمه «أبو جودت» إلى الشيخ حسن حبنكة، الذي أحاله إلى شقيقه الشيخ صادق حبنكة والشيخ حسين خطاب لاختبار مستواه في القراءة والعلم.

أعطاه صادق حبنكة كتابًا في الأدب، ويرجح الشربجي اليوم أنه «الكامل» للمبرد، فقرأ منه قراءة وصفها بأنها جيدة، ثم استمع حسين خطاب إلى قراءته لسورة الفاتحة وأثنى على ضبطه.

وبناء على الاختبار، وافق حسن حبنكة على قبوله في القسم الداخلي، وطلب منه تجهيز أغراضه.

ويتذكر الشربجي أن غرف المبيت كانت خمسًا أو ستًا، تقع في الطابق الثاني فوق أروقة جامع منجك في حي الميدان، وتستوعب نحو 30 طالبًا من دمشق وريفها ومحافظات سورية مختلفة والساحل، إضافة إلى طلاب من الأردن ولبنان.

أقام في غرفة مشتركة مع طالب آخر اسمه محمد الشربجي، من حي الميدان، وكانت شقيقته متزوجة من والد الشيخ تحسين زيادة، ومعهما طالب ثالث.

وكان المقر يضم، إلى جانب القاعات والغرف، مطبخًا يتولى الطبخ فيه أحد المشايخ المدرسين، بمساعدة موظف من الخارج يهتم بإعداد السفرة وتوزيع الطعام.

متون وحفظ على مدار السنة

امتدت إقامة علي الشربجي في القسم الداخلي نحو خمس سنوات، من عام 1947 حتى 1952، درس وحفظ خلالها عددًا من المتون التي شكلت أساس دراسته الشرعية، وفي مقدمتها «ألفية ابن مالك» في النحو، و«المنظومة البيقونية» في مصطلح الحديث، و«المنظومة الرحبية» في الفرائض، و«السلم المنورق» في المنطق، إلى جانب «تلخيص المفتاح».

ولا يزال، بعد أكثر من سبعة عقود، يحفظ أبياتًا من «السلم المنورق» تتناول الخلاف في تعلم المنطق:

«فابن الصلاح والنواوي حرّما
وقال قوم ينبغي أن يُعلما
والقولة المشهورة الصحيحة
جوازه لكامل القريحة».

وبالتوازي مع دراسته المكثفة في المعهد، التحق بحلقة الشيخ عز الدين العرقسوسي في جامع السنانية بدمشق، ويقول إنه حفظ القرآن الكريم كاملًا على يديه، ونال منه شهادة بالحفظ.

خمسة أجيال من الطلاب

يرتب الشربجي طلاب «التوجيه الإسلامي» في ذاكرته ضمن طبقات أو أجيال متعاقبة، فيضع الشيخ صادق حبنكة والشيخ حسين خطاب في الطبقة الأولى، ثم مصطفى الخن ومحمد خير ياسين في الثانية، وعبد الرحمن حبنكة وكريم راجح في الثالثة.

وفي الطبقة الرابعة، يذكر محمد سعيد رمضان البوطي، الذي يتذكر أنه كان يدرس نهارًا في المعهد ويعود ليلًا إلى منزل والده ملا رمضان، بينما يضع نفسه ودفعته ضمن الطبقة الخامسة.

ويقول إن الفوج الذي تخرج فيه عام 1952 كان خامس الأفواج وآخرها ممن تلقوا العلم مباشرة عن الشيخ حسن حبنكة وشافهوه، قبل أن ينصرف عدد من كبار مدرسي المعهد إلى أعمال أخرى.

ويصف نظام الدراسة بأنه كان شاقًا، يمتد ليلًا ونهارًا على مدار 12 شهرًا، من دون عطلة صيفية، فلم تكن عطلة عيد الفطر تتجاوز يومًا واحدًا، وعطلة عيد الأضحى يومين، بينما كان يسمح للطلاب يوم الجمعة بالذهاب إلى أسرهم منذ ما بعد صلاة الفجر حتى المغرب.

ويتذكر أن المدرسين لم تكن لديهم رواتب كبيرة أو موارد مستقرة، وأن بعضهم كان يتقاضى نحو 30 ليرة سورية شهريًا، وهو مبلغ يقول إنه لم يكن يكفي نفقات الحياة.

ويربط الشربجي هذه الظروف بسفر عدد منهم إلى مصر لمتابعة الدراسة في الأزهر، ويذكر منهم محمد الحموي وعبد الرحمن حبنكة.

وبحسب ذاكرته، كان بعض خريجي «التوجيه الإسلامي» الذين يذهبون إلى الأزهر يلحقون مباشرة بالسنة الثالثة، نتيجة المستوى العلمي والمتون التي سبق أن درسوها وحفظوها، بينما يقدر أن نحو 10% من طلاب المعهد كانوا يكتفون بالدراسة فيه ولا ينتقلون إلى دراسة لاحقة.

«الله يرضى عليكم.. اطلبوا العلم»

في أيام الجمعة، كان علي الشربجي يعود إلى داريا برفقة محمد الدلعين، ويسلكان «طريق الحديد»، الذي يعرف لاحقًا بطريق الدحاديل.

وكانا يمران مرارًا أمام منزل «أبو أنور الخطيب»، وهو رجل فقد إحدى ساقيه وكان يجلس على كرسي أمام منزله.

وحين يشاهدهما عائدين من الدراسة، كان يستقبلهما بقوله: «الله يرضى عليكم، اطلبوا العلم».

ويتذكر الشربجي أن الطريق في تلك الفترة لم يكن مزفتًا، وإنما مرصوفًا بالحجارة.

الجمعيات الدينية في دمشق

وضعت سنوات الميدان علي الشربجي في قلب خارطة دينية متنوعة من المدارس والجمعيات والشيوخ.

يتذكر «جمعية التوجيه الإسلامي» المرتبطة بحسن حبنكة ووجهاء من حي الميدان، و«الجمعية الغراء» المرتبطة بمدرسة آل الدقر، وجماعة «زيد بن ثابت» لعبد الكريم الرفاعي، و«جمعية طلاب العلم» للشيخ صالح فرفور، وجماعة الشيخ أحمد كفتارو في جامع أبي النور.

وكان يرى أن معظم مشايخ هذه المدارس يركزون أساسًا على العلم الشرعي والتربية والأخلاق، ويبتعدون عن الانخراط السياسي المباشر، وإن لم تخلُ العلاقات بينهم من المنافسة والحساسيات.

أما أحمد كفتارو، فيراه الشربجي أكثر قربًا من رجال الدولة والمسؤولين، وأكثر انخراطًا في المجال السياسي العام من بقية المشايخ الذين عرفهم.

مصطفى السباعي والإخوان

خلال سنوات الدراسة، بدأ عالم سياسي ودعوي آخر يدخل حياة الشربجي.

كان صوت مصطفى السباعي يصل من مساجد حي الميدان إلى أروقة «التوجيه الإسلامي»، إذ كانت مكبرات الصوت تثبت على أسطح المساجد وتنقل الخطب إلى مسافات بعيدة.

بدأ علي الشربجي يحضر بعض هذه الخطب، ثم تعرف إلى محمد خير ياسين، الذي كان في البداية من طلاب حسن حبنكة قبل أن يستقل بحلقة علمية ودعوية خاصة، اجتمع حولها شباب من الإخوان المسلمين وطلاب علم من عائلات الميدان، بينها الصباغ وحتاحت والبحرة.

وأثار تردد الشربجي على هذه المجالس حساسية داخل المعهد، ويتذكر أن صادق حبنكة أخبره ذات يوم بأنه رآه في المنام يقتني جهاز «راديو» داخل غرفته، ثم فسر له الرؤيا بأن علي ينقل أخبار المعهد وتحركاته إلى الإخوان المسلمين.

ويشدد الشربجي على أنه لم ينتسب تنظيميًا إلى الجماعة في أي مرحلة من حياته، لكنه لا ينفي ميلًا فكريًا وانجذابًا إلى نشاطها في شبابه.

وكان يرى فيها آنذاك حركة أكثر انفتاحًا وحيوية مقارنة بما اعتبره جمودًا في بعض أوساط طلاب المشايخ التقليديين، كما كان يرى في مصطفى السباعي خطيبًا مفوهًا ذا تأثير شعبي يفوق، في تقديره، تأثير عدد كبير من علماء دمشق.

ويتذكر أيضًا حضوره لقاءات في مركز الإخوان المسلمين على طريق المهاجرين، بينها لقاءات تزامنت مع زيارات مفكرين إسلاميين مثل أبي الأعلى المودودي وأبي الحسن الندوي إلى دمشق.

مركز للإخوان في داريا

وفي داريا، يتذكر الشربجي وجود مركز للإخوان المسلمين في منزل أحمد النجار المقابل لصيدلية الأحمر، حيث خُصصت غرفة من المنزل لاجتماعات الجماعة وأنشطتها.

ويقول إن مصطفى السباعي وعصام العطار ومحمد خير ياسين كانوا يزورون داريا ويلقون محاضرات ودروسًا في عدد من مساجدها، ومنها جامع العباس.

ويذكر من شباب البلدة المرتبطين بالجماعة «أبو مصعب الشربجي»، وأبناء صهره «أبو علي الشربجي»، وهم أبناء شقيقته.

أما هو، فكان بعض الناس يظنون أنه عضو في الجماعة بسبب إقامته عام 1956 في منزل شيخه محمد خير ياسين في الميدان، الذي كان ملتقى لشباب الإخوان، إضافة إلى مشاركته في حملة انتخابية لمصطفى السباعي، مطلع الخمسينيات، لكنه يؤكد أن الأمر لم يتجاوز التعاطف والمشاركة ولم يتحول إلى انتساب تنظيمي.

وفي المقابل، لا يتذكر نشاطًا بارزًا لحزب البعث أو الحزب الشيوعي في داريا قبل انقلاب 8 آذار 1963، ويقول إن أفرادًا من بعض العائلات، بينها آل العزب، دخلوا حزب البعث على نحو أوضح في مرحلة لاحقة.

عبد الناصر في ذاكرة داريا

يقدّر الشربجي أن أكثر من 60% من أهالي داريا كانوا يميلون إلى جمال عبد الناصر خلال الخمسينيات، ويربط ذلك بالشعور الشعبي بأن خطابه يعيد للناس كرامتهم وينهي نفوذ بعض المتسلطين ورؤساء المخافر الذين كانوا يمارسون، بحسب ذاكرته، سلطة قاسية على الأهالي.

ويتذكر أنه حضر خطابًا لعبد الناصر في دمشق عام 1959 أو 1960، خلال مرحلة الوحدة السورية- المصرية.

كان يومها مقيمًا في الميدان عندما التقى الدكتور كامل شاشيط، صديق والده وصاحب أرض في داريا، فعرض عليه مرافقته إلى الاحتفال.

وأقيم اللقاء في رحاب جامعة دمشق، ويتذكر الشربجي أن عدم وجود قاعة تستوعب الحشود دفع إلى نصب خيمة كبيرة جدًا، فدخل هو وشاشيط من أحد أطرافها وجلسا في المقاعد الخلفية.

وبقيت في ذاكرته الشعبية الواسعة التي تمتع بها عبد الناصر بين السوريين في تلك المرحلة، لكنه يقول إن نظرته إليه تغيرت لاحقًا، في ضوء تجربته مع مرحلة الوحدة وما أعقبها، ثم إعدام سيد قطب عام 1966 ونكسة حزيران عام 1967.

خطيبًا في منين وإمامًا في دمشق

بعد تخرجه من «التوجيه الإسلامي» عام 1952، وكان يحمل شهادة ثانوية لم تكن معترفًا بها رسميًا من الحكومة، بدأ الشربجي مسيرته المهنية في الأوقاف.

نجح في مسابقة للخطابة، وعُين خطيبًا للجمعة في بلدة منين بريف دمشق، واستمر هناك نحو تسع سنوات.

وكان في بعض المرات يقطع نحو خمسة كيلومترات مشيًا على الأقدام من التل إلى منين، بسبب قلة وسائل المواصلات واقتصارها، كما يتذكر، على حافلة تنطلق صباحًا وتعود مساء.

وبالتوازي مع استمراره خطيبًا للجمعة في منين، عُين عام 1954 إمامًا في جامع المنصور على كورنيش الميدان، واستقر في سكن ملاصق للمسجد، وفي هذه المرحلة تزوج عام 1957.

وظيفة في عفرين تصل إلى البرلمان

في العام نفسه تقريبًا، دخلت حياة الشربجي وظيفة من نوع مختلف.

يروي أن أحد أقربائه من آل الشربجي تحدث إلى حسن حبنكة بشأن إيجاد وظيفة رسمية له، خلال زيارة لحبنكة مرتبطة بالنشاط الانتخابي.

ويقول إن حسن حبنكة كان في تلك الفترة قد بدأ يقترب من المجال السياسي ويتواصل مع رجال من الكتلة الوطنية، لا لأنه كان مؤيدًا أو مقتنعًا بحكومتهم، إذ كان يصفها بأنها «منحرفة»، وإنما للاستفادة من الصلات السياسية في دعم الدعوة والتعليم الديني.

وبحسب رواية الشربجي، تدخل رئيس الوزراء صبري العسلي لدى المفتي لتعيينه ضمن شواغر «الوظائف العلمية لكبار علماء سوريا»، وهي نحو 200 وظيفة استثنائية يقول إنها استُحدثت في عهد الرئيس تاج الدين الحسني خلال الانتداب الفرنسي، وكانت مرتبطة برئاسة الوزراء، بما يتيح تعيين علماء لا يحملون شهادات رسمية حكومية.

وصدر قرار بتعيين علي الشربجي «مدرس فتوى» في عفرين بمحافظة حلب، خلفًا لشاغل سابق أُحيل إلى التقاعد.

سافر إلى حلب حاملًا كتاب توصية من المحافظ إلى قائم مقام عفرين، ونزل ضيفًا على المفتي إبراهيم النعساني، وألقى هناك درسًا واحدًا قبل أن يعود إلى دمشق.

لكن التعيين أثار اعتراض أقارب الشيخ السابق وبعض وجهاء المنطقة. ويتذكر الشربجي أن الاعتراض تعلق بعمره أيضًا، إذ استغربوا تعيين شاب في أواخر العشرينيات في منصب ارتبط في عرفهم بشيخ كبير السن، وكانوا يرون أن شيخ الفتوى لا يحال عادة إلى التقاعد، بل يستمر في موقعه حتى الوفاة.

ووصلت القضية، بحسب روايته، إلى مجلس النواب السوري، ويتذكر نائبًا يعترض ساخرًا على رئيس الوزراء صبري العسلي، متسائلًا كيف يمكن لشخص واحد أن يكون مدرس فتوى في عفرين، وخطيبًا في منين، وإمامًا في دمشق في الوقت نفسه.

وبعد الجدل، نسق المفتي مع أمين عام الفتوى لنقل الشربجي إلى نوى بمحافظة درعا، حيث صار يذهب يومًا واحدًا في الأسبوع لتدريس الفتوى، واستمر على هذا النحو أربع سنوات حتى عام 1961.

من «الغراء» إلى كلية الشريعة

بقيت شهادة «التوجيه الإسلامي» غير كافية لدخول الجامعة، لذلك التحق الشربجي بـ«الجمعية الغراء» مدة عام للحصول على شهادة ثانوية تؤهله للالتحاق الأكاديمي.

ويربط الاعتراف بهذه الشهادة بالنفوذ الإداري الذي كان للقائمين على الجمعية، ولا سيما خلال مرحلة الوحدة بين سوريا ومصر.

وفي عام 1958، انتسب إلى كلية الشريعة بجامعة دمشق، التي كانت قد افتتحت رسميًا قبل ذلك بثلاث سنوات، عام 1955، ضمن مشروع كان لمصطفى السباعي دور محوري فيه.

أساتذة كلية الشريعة

يحفظ الشربجي قائمة طويلة من أساتذته في كلية الشريعة.

يذكر مصطفى السباعي، ومعروف الدواليبي، الذي يتذكر تدريسه الحقوق الرومانية والفقه المقارن، ومحمد المبارك في فقه اللغة، وهو شقيق اللغوي مازن المبارك، وأمين المصري، وبهجت البيطار في التفسير، وفوزي فيض الله.

ويذكر كذلك محمد فتحي الدريني، وأحمد فهمي أبو سنة، ومصطفى أبو زيد، وأحمد شعبان، الذي درّس الفقه الحنفي، إلى جانب سعيد الأفغاني، ومصطفى صالح الأشتر، وأحمد نحاس، ومحمد الخطيب في مادة الاقتصاد.

ومن أكثر الأساتذة حضورًا في ذاكرته مصطفى الزرقا، الذي يتذكره فقيهًا يبحث عن مخارج فقهية للقضايا الاقتصادية الحديثة، ومنها التأمين والشركات المساهمة التي لم تكن لها الصور نفسها في كتب الفقه القديمة.

ويتذكر أيضًا مناظرة فقهية جرت في الجامعة بين مصطفى الزرقا والفقيه المصري محمد أبو زهرة حول التأمين، وكان أحمد شعبان، بحسب ذاكرته، يميل إلى موقف الزرقا الأكثر إجازة للتأمين ضمن ضوابط شرعية.

وتخرج علي الشربجي في كلية الشريعة عام 1961.

مدرسًا في طرطوس

بعد تخرجه، تقدم في 15 آب 1961 إلى مسابقة اختيار المدرسين في وزارة التربية، وبعد نجاحه استقال من وظائفه السابقة في الأوقاف، بما فيها الإمامة والخطابة وتدريس الفتوى، والتحق بالتعليم الرسمي.

عُين مدرسًا للتربية الإسلامية في طرطوس في مطلع أيلول من العام نفسه، وداوم أيامًا قليلة قبل وقوع انقلاب 28 أيلول الذي أنهى الوحدة السورية- المصرية، فتوقفت الدراسة فترة قصيرة، ثم عاد واستقر في طرطوس عامين دراسيين.

طرطوس كما يتذكرها

ويتذكر الشربجي طرطوس في تلك المرحلة بوصفها بلدة صغيرة إداريًا وعمرانيًا، وكانت حينها تتبع محافظة اللاذقية، قبل إحداث محافظة طرطوس عام 1966، ويستعيد تركيبتها السكانية كما رآها خلال إقامته فيها.

يتذكر داخل المدينة أسرًا سنية، منها آل منصور والجبيلي وهيكل وتدمري ومجذوب والسيد والطيارة، في حين كانت القرى والأطراف المحيطة تضم حضورًا علويًا واسعًا.

ويتذكر أنه لم يكن في طرطوس سوى ثانويتين تخدمان المدينة والقرى المحيطة، واحدة للذكور وأخرى للبنات، وكان أبناء القرى يقصدونهما للدراسة.

درّس في الثانويتين في عامه الأول، ثم تنازل في منتصف العام الثاني عن ساعات مدرسة البنات، وحصل على ساعات بديلة في المدرسة الصناعية، التي كانت أبعد نسبيًا.

وإلى جانب عمله في التعليم، كان يؤم الناس في مسجد عائلة منصور من دون مقابل، ويلقي دروسًا في منازل الأسر، ويقول إنه حافظ على علاقات جيدة مع مختلف من عرفهم هناك.

«أنت مجنون!»

بعد انقلاب 8 آذار 1963، يتذكر الشربجي أن عددًا من المدرسين العلويين غادروا التعليم للالتحاق بالجيش، وأن شواغر ظهرت في مدارس دمشق، فنُقل إليها إداريًا.

لكنه كان قد استقر في طرطوس مع زوجته وأطفاله الثلاثة، ولذلك راجع مدير التربية وجيه دويجاتي وطلب منه إبقاءه فيها.

استغرب المدير الطلب وقال له: «أنت مجنون! المدرسون يبحثون عن واسطة للعودة إلى دمشق وأنت تريد البقاء في طرطوس».

عاد الشربجي إلى العاصمة، وبدأ التدريس في ثانوية جول جمال لاستكمال العام الدراسي، وبقي فيها نحو شهرين، ثم نقله المفتش عبد الرحمن الباني إلى ثانوية بنات الميدان في باب مصلى، التي انتقلت لاحقًا إلى كورنيش الميدان.

ولأن المدرسة كانت قريبة من منزل مصطفى الخن، الذي كان يرغب في التدريس فيها، أكمل الشربجي جزءًا من نصابه في ثانوية الشهبندر بمنطقة المزرعة.

ثم انتقل إلى مدارس المزة، في «بنايات المزة 14»، ومنها مدرسة بسام بكورة، وبقي فيها حتى عام 1981، قبل أن ينتقل إلى إعدادية سعد الله للذكور في الحلبوني، حيث استمر حتى تقاعده عام 1988.

الإعفاء من الخدمة العسكرية

وخلال سنواته الأولى في التعليم، واجه الشربجي ملف الخدمة العسكرية.

ففي عام 1962، بينما كان يشارك في تصحيح امتحانات الثانوية العامة في اللاذقية، صدر، بحسب ذاكرته، استدعاء لمواليد عامي 1928 و1929.

وبوصفه حاصلًا على إجازة جامعية في الشريعة، كان يتوقع أن يخدم بصفة ضابط مجند، لكنه كان يومها أبًا ومعيلًا لأسرة تضم أربعة أطفال.

وبنصيحة من محمد الحموي، تقدم بطلب للاستفادة من نظام «الإعالة العائلية»، ونظم تقريرًا عن وضعه عبر مختار داريا «أبو محمد كشكة».

ومن التفاصيل التي ما تزال حاضرة في ذاكرته أن والده دعا المختار ورئيس المخفر إلى الغداء خلال متابعة المعاملة.

وحصل بعدها على تأجيل لمدة أربع سنوات، ثم جُدد التأجيل مرة أخرى حتى بلغ السن التي أتاحت له الإعفاء النهائي.

مناهج الثانويات الشرعية و«الفقه المنهجي»

في عام 1973، اختير علي الشربجي ضمن لجنة شكلتها وزارة الأوقاف لإعداد المناهج والمقررات الدراسية للثانويات الشرعية في سوريا.

ويقول إنه عمل في لجنة ضمت مصطفى الخن ومحمد سعيد رمضان البوطي، وتولت إعداد مقررات في الفقه الشافعي والتفسير والقرآن ومصطلح الحديث.

وفي لجنة أخرى، يتذكر مصطفى البغا ووحيد عقاد ووهبي سليمان غاوجي يعملون على مقررات الفقه الحنفي والحديث النبوي.

ويربط الشربجي العمل على مقررات الفقه الشافعي في هذه المرحلة بالنواة التي تطورت منها لاحقًا مادة «الفقه المنهجي على مذهب الإمام الشافعي».

أما الكتاب بصورته المنشورة، فحمل أسماء مصطفى الخن ومصطفى البغا وعلي الشربجي.

ويتذكر أن مادة التربية الإسلامية في المدارس الحكومية كانت تُدرّس ساعتين أسبوعيًا، ساعة للحديث والبحوث الإسلامية، وأخرى للقرآن الكريم.

المنبر في زمن البعث

لم تنقطع علاقة الشربجي بالخطابة حين أصبح مدرسًا، فخطب في فترات مختلفة في معضمية الشام وبلدة السيدة زينب، وجامع صلاح الدين في مخيم اليرموك، وجامع عبد الحكيم عثمان في برزة، إضافة إلى جامع العباس في داريا، حيث كان الشيخ فياض وهبي يطلب منه أن يخطب كلما جاء إلى المدينة.

ويقول إنه استمر في جامع عبد الحكيم عثمان نحو تسع سنوات، وعُين فيه رسميًا خطيبًا عام 1988، وبقي مرتبطًا بالمنبر حتى سفره خارج سوريا.

ويصف الشربجي حكم حزب البعث منذ عام 1963 بأنه مرحلة اتسمت، وفق تجربته، بالاستئثار بمقدرات الدولة، وأصبحت الوظائف والترقيات والقبول للعمل في الجامعات والمدارس مرتبطة، في جوانب واسعة، بالولاء الحزبي والمحسوبيات.

ومع تصاعد القبضة الأمنية في الثمانينيات، اختار على المنبر الابتعاد عن المواجهة السياسية المباشرة، وركز خطبه على القضايا الأخلاقية والاجتماعية والدعوية.

ويتذكر، من أيام الخطابة في مخيم اليرموك، علاقته بالشيخ ناصر الأرناؤوط، وكيف كان بعض الشباب يحثونه على مهاجمة الحكام والسياسيين من فوق المنبر، لكنه كان يرفض ذلك انطلاقًا مما يسميه «فقه الأولويات».

ويقول إن الأرناؤوط وافقه على هذا النهج وشجعه على عدم الدخول في «المتاهات السياسية».

وكان الشربجي يرى أن الخطاب السياسي الحماسي في تلك الظروف لن يغير من واقع السلطة، لكنه قد يلحق الضرر بالخطيب والمسجد والمصلين، وأن العمل التربوي والأخلاقي «أجدى وأبقى».

في عام 1988، انتهت مسيرته الرسمية في وزارة التربية، لكن حياته العلمية لم تتوقف.

انتقل من الصف والمدرسة إلى التحقيق والتأليف والنشر، واستقر بعد تقاعده في داريا، قبل أن تفتح تداعيات الغزو العراقي للكويت أمامه بعد سنوات قليلة بابًا لمسيرة جديدة استمرت أكثر من عقدين.

وهناك تبدأ المرحلة الثالثة من سيرته.

اقرأ أيضًا: في ذاكرة الشيخ علي الشربجي.. ملامح داريا في الثلاثينيات والأربعينيات

مقالات ذات صلة

في ذاكرة الشيخ علي الشربجي.. ملامح داريا في الثلاثينيات والأربعينيات

سليمان شحادة.. جراح عيون يروي داريا التي عرفها

من «الكُتّاب» إلى الاغتراب.. محمد فاروق الخطيب يستعيد ذكرياته عن داريا