كان سليمان شحادة في العاشرة من عمره حين خاض تجربته الأولى في العمل، داخل عيادة الطبيب إحسان الحسين في مدينة داريا.
جلس الطفل عند مدخل العيادة يستقبل المراجعين وينظم أدوارهم، في وقت كان فيه الطبيب العام مقصد الأهالي لمعظم الحالات المرضية، قبل انتشار العيادات الاختصاصية في المدينة.
تنقل سليمان بعد ذلك بين صيدلية واستوديو للتصوير وورشات للنجارة والبناء والتمديدات الصحية والكهربائية.
وفي عام 1994، دخل كلية الطب في جامعة دمشق، ثم اختص بطب العيون وافتتح عيادته في داريا عام 2003، ليكون أحد الأطباء الذين واكبوا اتساع الخدمات الطبية الاختصاصية في المدينة مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة.
في مقابلات أجرتها عنب بلدي معه، يستعيد الطبيب سليمان خالد شحادة، المولود عام 1977، نشأته وتعليمه وبدايات عمله، ونشاطه في جامع أنس بن مالك، وتجربتي الاعتقال، وما بقي في ذاكرته من بساتين داريا ومدارسها وأطبائها والتحولات التي عاشتها المدينة.
قبل الجامعة
نشأ سليمان شحادة في داريا في مرحلة كانت فيها حياة الأسرة والأقارب والجيران والأصدقاء والدراسة والعمل تدور داخل المدينة إلى حد بعيد.
ولم تكن علاقته بدمشق في طفولته تتجاوز غالبًا زيارة منزل جده من جهة والدته في حي الميدان مرة أو مرتين شهريًا.
ويقول إن داريا كانت توفر لسكانها جانبًا كبيرًا من احتياجاتهم اليومية، وكان في وسع الطفل أن يولد ويدرس ويقيم علاقاته الاجتماعية ويمارس نشاطاته فيها، من دون حاجة مستمرة إلى مغادرتها قبل بلوغ مرحلة الدراسة الجامعية.
وبحسب تقديره، كانت نسبة الموظفين الحكوميين والمتطوعين في الجيش محدودة مقارنة ببعض المناطق الأخرى، بينما اعتمد معظم السكان على الزراعة والمهن الحرة والأعمال التي تمارس داخل البلدة.
ويرتبط جانب من ذاكرته عن تلك المرحلة بمنزل والده، الأستاذ خالد شحادة، ولا سيما مدخله الشرقي وحديقته التي كانت تظهر منها مئذنة جامع أنس بن مالك، قبل أن تتحول البيوت المجاورة إلى أبنية متعددة الطوابق
مدخل منزل عائلة الدكتور سليمان شحادة في داريا في التسعينيات – (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)
بساتين تحيط بالمدينة
تحضر بساتين داريا في ذاكرة سليمان شحادة بوصفها جزءًا من المشهد اليومي للمدينة خلال الثمانينيات، حين كانت الأراضي الزراعية تحيط بها من جهاتها المختلفة.
يذكر بساتين منطقتي «مشرّق» و«مغرّب»، وعرائش العنب وأشجار الجوز والتوت والتين والجانرك، إلى جانب زراعة الخضراوات والفول والقمح وعرانيس الذرة.
وكانت أنهار وقنوات صغيرة تجري بين الأراضي الزراعية لتأمين مياه الري، ويقول إنه كان يشرب من تلك المياه في طفولته، ويتذكرها صافية وعذبة.
وبعد انتهاء الدوام المدرسي، وفي العطل الصيفية وأيام الجمعة، كان الأطفال يقصدون البساتين، ويقضي بعض الصبية وقتهم في الكروم بحثًا عن ثمار الجانرك وغيرها من الفاكهة.
ومن أماكن الترفيه التي بقيت في ذاكرته «المصنع»، وهو حوض إسمنتي كان يستخدم لتخزين المياه وري الأراضي، ويقصده الأطفال للسباحة قبل انتشار المسابح الحديثة في داريا.
وكانت الزراعة ما تزال ركنًا أساسيًا من اقتصاد المدينة، إلا أن سليمان عاصر بداية تراجعها مع توالي سنوات الجفاف، وارتفاع تكاليف الري، وزيادة الاعتماد على المضخات والوقود، وانخفاض الجدوى الاقتصادية من استثمار الأرض.
مجتمع محافظ وعلاقات مباشرة
يصف سليمان شحادة المجتمع الداراني خلال الثمانينيات والتسعينيات بأنه كان محافظًا في عاداته العامة، بما في ذلك لدى أشخاص لم يكونوا ملتزمين دينيًا بصورة واضحة.
وكان احترام القيم الدينية والأعراف الاجتماعية سائدًا بين فئات المجتمع المحلي. ويتذكر أن الأشخاص القليلين الذين كانوا يفطرون في رمضان كانوا يشعرون بالحرج من إظهار ذلك علنًا.
كما اتسمت العلاقات، بحسب شحادة، بقدر كبير من المباشرة في التعبير عن المحبة والخلاف. ويتذكر أن بعض زملائه في المدرسة كانوا يقولون له صراحة إنهم لا يحبونه لأنه يسبقهم في الدراسة أو لأن المعلمين يهتمون به.
ولم تكن البيئة خالية من المظاهر السلبية، إذ يتحدث عن أشكال من التنمر بين الأطفال، كان بعضها يطال الوافدين من دمشق أو النازحين القادمين من مناطق أخرى.
من الزراعة إلى الخياطة والنجارة
مع تراجع الزراعة تدريجيًا، بحث كثير من أهالي داريا عن مصادر أخرى للدخل.
وخلال الثمانينيات، انتشرت ورشات الخياطة في المدينة، ثم أصبحت النجارة وصناعة الأثاث من أكثر المهن انتشارًا خلال التسعينيات، بالتزامن مع توسع المحال التجارية والمهن الحرة.
وشهدت داريا أيضًا حركة بناء واسعة شملت المناطق المنظمة والمخالفات السكنية، والتحق عدد كبير من الشباب بالمهن المرتبطة بالبناء والإكساء والتمديدات الصحية والكهربائية.
ويرى سليمان شحادة أن اعتماد المدينة على العمل الحر منحها طابعًا اقتصاديًا مختلفًا عن مناطق كان حضور الوظيفة الحكومية أو التطوع في الجيش أكبر فيها.
التعليم داخل الأسرة
أخذ التعليم مكانة مركزية في حياة سليمان منذ طفولته، إذ كان والده مدرسًا ومفتشًا تربويًا، ما انعكس على اهتمام الأسرة المبكر بدراسته.
تعلم القراءة والكتابة في المنزل، ودخل المدرسة في سن السادسة، ويتذكر أنه كان يجيب أحيانًا عن أسئلة يوجهها المعلم إلى طلاب في صفوف أعلى.
لكن التعليم في داريا خلال الثمانينيات والتسعينيات لم يكن مستقرًا من حيث توفر الكوادر التدريسية، فقد عانت المدارس نقصًا في المدرسين نتيجة ضعف الرواتب وتدهور الأوضاع الاقتصادية وصعوبة المواصلات، وكانت بعض المواد تبقى أسابيع أو أشهرًا من دون مدرس.
وكان طلاب جامعيون أو خريجون حديثون يتولون التدريس أحيانًا لسد النقص، بدلًا من المدرسين الأكثر خبرة.
ويتذكر شحادة أن عدد طلاب المرحلة الثانوية كان محدودًا قياسًا بعدد سكان داريا، وأن المدينة لم يكن فيها عام 1994، حين حصل على شهادة الثانوية العامة، سوى شعبة علمية واحدة للذكور.
معلمون في الذاكرة
على الرغم من انتقاداته لواقع التعليم، يحتفظ سليمان شحادة بامتنان لعدد من المعلمين الذين أسهموا في تكوينه العلمي.
ويخص بالذكر عبد العظيم المصري، مدرس اللغة العربية، الذي كان يراه نموذجًا للمعلم الذي يجمع بين الاهتمام بالعلم والتربية.
كما يذكر المعلمة ملك إزمشلي، التي شجعته على القراءة والاطلاع، وكانت تعطيه الكتب، ومن بينها كتاب «الفيزياء المسلية»، الذي بقي في ذاكرته لما كان له من أثر في اهتمامه بالعلوم وطريقته في التفكير.
ويذكر أيضًا عددًا من المعلمين الذين ارتبطت أسماؤهم بمرحلة دراسته، بينهم عبد الحكيم بقلة، وعبد الله العدوي، وعبد القادر العبار، وفتحي العنزي، وجودت زيادة.
إلى مدرسة ابن خلدون
أمام نقص المدرسين في داريا، انتقل سليمان إلى مدرسة ابن خلدون في دمشق، حيث واجه للمرة الأولى فرقًا واضحًا بين مستوى التعليم والتنظيم الأكاديمي في مدارس العاصمة وما كان متاحًا في مدارس داريا.
وجد في المدرسة مدرسين يمتلكون خبرة في تدريس المواد العلمية وإعداد الطلاب للامتحانات، بينما كانت بعض المواد في داريا تعاني انقطاعًا طويلًا، أو يتولى تدريسها أشخاص قليلو الخبرة.
ويقول إن عدد أبناء داريا الذين دخلوا كلية الطب في عامه كان محدودًا، ولا يتذكر ممن دخلوا الكلية معه سوى غسان يحيى ومرزوق مدور.
وكان مرزوق مدور أكبر منه بنحو عام، وأعاد امتحان الثانوية العامة ليرفع مجموعه ويتمكن من دخول كلية الطب.
أما غسان يحيى فكان، بحسب شحادة، الوحيد بينهم الذي تابع كامل دراسته في مدارس داريا، وحقق، رغم نقص الكوادر وصعوبة الظروف التعليمية، المجموع المطلوب لدخول كلية الطب، وهو ما يعده إنجازًا مهمًا في ذلك الوقت.
عمل في سن العاشرة
لم تقتصر تربية سليمان على الدراسة، إذ كانت والدته تدفعه إلى العمل واكتساب المهارات العملية منذ الصغر.
بدأ في سن العاشرة داخل عيادة الطبيب إحسان الحسين، حيث كان يستقبل المراجعين وينظم أدوارهم.
ثم عمل في صيدلية علي الأحمر قرب جامع العباس، قبل أن ينتقل إلى «استوديو البتراء» للتصوير الفوتوغرافي، ويعمل لاحقًا في ورشات النجارة والبناء والتمديدات الصحية والكهربائية.
وكان تنقله بين العيادة والصيدلية والاستوديو والورشات يجري غالبًا خلال العطل الصيفية.
ويرى سليمان شحادة أن هذه التجارب عرّفته إلى مهن الناس وظروفهم، ومنحته معرفة عملية بالمجتمع إلى جانب ما كان يتلقاه في المدرسة.
من حفظ القرآن إلى إدارة الحلقات
بدأت علاقة سليمان بجامع أنس بن مالك قبل الجامعة بسنوات.
فبعد ترخيص المعهد التابع للجامع في أواخر الثمانينيات، بدأ التردد إليه لحفظ القرآن نحو عام 1989.
وكان يسمّع عند عدد من المدرسين في المسجد، بينهم الشيخ عبد الأكرم السقا، وأبو محمود شمشان، وأبو أحمد الزردة، وعبد الله العدوي، وأبو إياد البسرك، وبشير شعيب.
كما كان يتردد على مدرسين ومشايخ في مساجد أخرى، ويذكر منهم الشيخ فياض وهبي، وشمس الدين خولاني، ومحمود خولاني.
وفي المرحلتين الإعدادية والثانوية، انتقل من تلقي الدروس إلى تسميع القرآن للأطفال الأصغر سنًا بصفته «أستاذ حلقة».
ومع دخوله كلية الطب عام 1994، توسع دوره في المعهد، وشارك في الإدارة التنفيذية والتربوية للحلقات، إلى جانب عبد الأكرم السقا، الذي كان يمثل الواجهة الدينية والتربوية للمعهد.
ولا يستعيد شحادة تلك المرحلة بوصفها تعليمًا دينيًا فقط، بل كمرحلة نقاشات فكرية واجتماعية داخل المسجد وفي محيطه.
يقول إن شباب المعهد حاولوا تقديم أكثر من تفسير للنص القرآني، وتشجيع الطلاب على التفكير واستنباط المعاني، بينما كان عدد من المشايخ يفضلون الالتزام بتفسير واحد والتلقين المباشر خشية وقوع الطلاب في الخطأ.
وامتد الخلاف إلى قضايا فقهية واجتماعية، بينها الانتقال بين المذاهب وعدم الاقتصار على المذهب الشافعي السائد في المدينة، وقضايا تتعلق بدور النساء في العمل المسجدي، والتنسيق بين إدارتي حلقات الشباب والفتيات، ودخول المعلمات إلى المسجد والتدريس فيه خلال الدورة الشهرية.
ويقول سليمان شحادة إن بعض المعارضين لهذا النهج اتهموا القائمين على المعهد بتحريف الدين، ووصل الأمر في بعض الحالات إلى التهديد باللجوء إلى الأجهزة الأمنية لإيقاف النشاط.
الغزالي والقرضاوي وجودت سعيد
ارتبطت هذه النقاشات بقراءات شحادة في تلك المرحلة.
يقول إنه تأثر بكتب الشيخين يوسف القرضاوي ومحمد الغزالي، لما قدمته من تناول للقضايا الاجتماعية والسياسية إلى جانب المسائل الدينية التقليدية.
وفي أواخر التسعينيات، التقى الشيخ جودت سعيد في داريا، وزاره أيضًا في قريته بئر عجم، واطلع على أفكاره المتعلقة باللاعنف.
ويرى سليمان شحادة، مثلًا، أن ما انتهى إليه محمد سعيد رمضان البوطي في كتابه «الجهاد في الإسلام» يلتقي في النتيجة مع ما كان ينادي به جودت سعيد في فكرة اللاعنف واشتراط وجود الدولة وتوفر شروط معينة لاستخدام القوة، وإن اختلف الأسلوب والمنطلق.
ويقول إن تجربته لاحقًا جعلته أكثر اقتناعًا بأن التغيير الفكري يحتاج إلى التدرج ومراعاة البيئة الاجتماعية، وأن توسع الإعلام والانفتاح على العالم أسهما مع الوقت في تخفيف حدة كثير من النزاعات التي كانت تثير جدلًا واسعًا في داريا خلال التسعينيات.
زاوية حديقة منزل الأستاذ خالد شحادة في داريا وتظهر مئذنة جامع أنس بن مالك قبل تحول البيوت المجاورة إلى أبنية طابقية – (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)
بين النشاط الديني والرقابة الأمنية
لم تكن النقاشات داخل المساجد منفصلة عن رقابة الأجهزة الأمنية على النشاط الديني والاجتماعي.
ويتذكر شحادة أن السلطات كانت تضيق على احتفالات المولد النبوي بسبب ما كانت تتيحه من مساحات للتوجيه والتوعية، قبل أن تتغير طريقة تعاملها معها مع مطلع الألفية الثالثة.
ويقول إن السلطة اتجهت حينها إلى احتواء هذه المناسبات وتشجيع مظاهرها العامة، بما في ذلك تزيين الأسواق والاحتفالات الرسمية، بدل الاكتفاء بالتضييق المباشر عليها.
ويستعيد أيضًا محاولة عدد من شباب معهد جامع أنس بن مالك، في أواخر التسعينيات، زيارة مشايخ في داريا والمعضمية واقتراح توحيد خطبة الجمعة، إلى جانب مخاطبة وزارة الإعلام بشأن محتوى بعض المسلسلات المعروضة على التلفزيون الحكومي.
لكن المشايخ رفضوا التحرك، بحسب شحادة، خشية رد فعل الأجهزة الأمنية، في وقت كان الجيل الأكبر منهم أكثر معرفة بما جرى خلال الثمانينيات وبحدود ما يمكن قوله أو فعله علنًا.
اختيار الطب
كان سليمان يميل إلى التاريخ واللغة العربية والعلوم الإنسانية أثناء المدرسة، لكنه اختار دراسة الطب بعد حصوله على شهادة الثانوية العامة.
ويقول إن الطب كان في ذلك الوقت أحد المسارات التي تطمح إليها أسر الطبقة المتوسطة، لما يوفره من مكانة اجتماعية وفرص أفضل للعمل والاستقرار، بينما بدت فرص التقدم المهني في كثير من التخصصات الإنسانية محدودة.
دخل كلية الطب في جامعة دمشق عام 1994، وتخرج منها عام 2000، ثم تابع اختصاصه في طب العيون في مستشفى المواساة حتى عام 2004.
وخلال دراسته، لم يتوقف عن العمل، لكنه انتقل إلى أعمال مرتبطة بالتعليم الطبي، شملت تفريغ المحاضرات وترجمتها، ثم ترجمة أجزاء من الرسائل والأبحاث العلمية للطلاب.
وفر له هذا العمل دخلًا إضافيًا، وساعده على تطوير لغته ومعرفته بالمصطلحات العلمية والطبية.
أسئلة السياسة في الجامعة
لم تكن سنوات الجامعة بعيدة عن نشاطه الاجتماعي والديني أو عن مراقبة الأجهزة الأمنية.
يتذكر سليمان شحادة تعرضه للاستدعاء والتحقيق أكثر من مرة بسبب رفضه الانتساب إلى حزب البعث.
وفي موقف داخل مدرج بجامعة دمشق، وقف الحضور جميعًا وصفقوا بحرارة عند ذكر اسم حافظ الأسد، كما جرت العادة، بينما بقي سليمان جالسًا وحده، ممتنعًا عن الوقوف والتصفيق.
ويقول إن الموقف أثار خوف المحيطين به.
وفي سنوات التخرج عام 2000، ومع تولي بشار الأسد السلطة، كانت تعبيراته المبطنة حينًا والمباشرة أحيانًا في انتقاد الفساد سببًا، بحسب تقديره، في بقاء اسمه تحت رقابة الأجهزة الأمنية.
نشاط انتهى باعتقالات
في عام 2003، اتخذ النشاط المرتبط بطلاب عبد الأكرم السقا شكلًا أكثر علنية وتنظيمًا.
شملت المبادرات توزيع منشورات لمكافحة الرشوة، وتنظيم حملات لتنظيف الشوارع، إلى جانب مسيرة احتجاجية على الغزو الأمريكي للعراق.
ويقول سليمان شحادة إن الأجهزة الأمنية تعاملت مع تلك الأنشطة بوصفها عملًا سياسيًا مستقلًا وتحديًا لسلطتها، وشنت حملة اعتقالات طالت 24 شابًا من أبناء داريا، كان هو أحدهم.
نُقل إلى فرع «المنطقة»، حيث أمضى نحو شهر ونصف في الاعتقال.
وفي أقبية الفرع، وإلى جانب أساليب التحقيق القاسية التي يقول إنه تعرض لها، واجه بعض المحققين الشباب المعتقلين بالقول: «هكذا تنشأ الأحزاب ثم تتحول إلى حركات مسلحة، ونحن نعتقلكم الآن لنضع لكم حدًا».
وخلال التحقيق، أكد سليمان أن دوره اقتصر على تسميع القرآن والعمل الإداري في المعهد، وأن عمله في المستشفى ومناوباته الطبية لم تترك له وقتًا لنشاط سياسي، قبل أن يُفرج عنه ضمن الدفعة الأولى بعد تدخلات ووساطات محلية.
أما مجموعة أخرى من المعتقلين، بينهم شقيقه محمد شحادة ويحيى الشربجي ومعتز مراد وهيثم الحموي، فنُقلت إلى «فرع فلسطين».
ويقول سليمان إنهم رفضوا طلب «العفو والرحمة»، وطالبوا بـ«العدل»، واستمر اعتقالهم نحو سنتين ونصف، إضافة إلى تجريدهم من الحقوق المدنية.
وأعقبت الحملة إجراءات أخرى طالت النشاط المحيط بالمعهد، بينها إغلاق دار النشر التابعة لعبد الأكرم السقا، وسحب ترخيص معهد جامع أنس بن مالك منه، ومنعه من الخطابة.
وتقلص نشاط المجموعة خلال السنوات التالية إلى لقاءات وزيارات شخصية محدودة.
ترجمة مرجع في طب العيون
خلال سنوات الدراسة والعمل الطبي، أنجز سليمان شحادة ترجمة المرجع المعروف في طب العيون بكتاب «كانسكي».
ويقول إن العمل استغرق نحو عام من المتابعة اليومية والسهر حتى ساعات الفجر، وإنه أنجز الترجمة بمفرده، رغم أن المشاريع الطبية بهذا الحجم تتولاها عادة فرق تضم أطباء ومترجمين ومراجعين.
ويربط شحادة المشروع برغبته في إثبات حضوره العلمي، ولا سيما بعد تعثر مشروعه في متابعة الدراسات العليا الأكاديمية، وهو ما يعزوه إلى المحسوبيات التي كانت تحكم بعض الفرص العلمية.
وبحسب شحادة، وجهت إليه منظمة الصحة العالمية كتاب شكر ودعته إلى مكتبها الإقليمي في دمشق لتكريمه على الترجمة.
كما يقول إن عددًا من المختصين في تركيا أبدوا لاحقًا إعجابهم بالعمل بالنظر إلى حجم الكتاب وإنجازه على يد شخص واحد.
كتاب طب العيون السريري لكانسكي ترجمة الدكتور سليمان خالد شحادة (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)
الطب في داريا قبل الاختصاصات
عندما كان سليمان طفلًا، كان المشهد الطبي في داريا محدودًا من حيث عدد الأطباء والتخصصات.
ويستذكر الطبيب إحسان الحسين بوصفه المرجعية الطبية الأبرز لمعظم سكان المدينة خلال الثمانينيات وبداية التسعينيات.
كان الأهالي يقصدونه في حالات تتعلق بأمراض الأطفال والأمراض الداخلية والمشكلات الصحية العامة، وأسهمت خبرته الطويلة وثقة السكان به وتواضعه وانخفاض أجوره في جعل عيادته مقصدًا رئيسيًا للمرضى.
وفي تلك العيادة بدأ سليمان أولى تجاربه العملية، ينظم أدوار المراجعين ويشاهد طريقة تعامل الطبيب مع الحالات المختلفة.
وإلى جانب إحسان الحسين، يذكر عددًا من الأطباء الذين كانوا حاضرين في المدينة خلال تلك المرحلة، منهم عمر الناموس، وزهير يحيى، الذي عمل في المستوصف أو المركز الصحي، ورنا خانجي، المختصة في طب الأطفال، وطبيب الأسنان عبد الغني الشيخ فضلي.
وكانت الخدمات الصحية تعتمد بدرجة كبيرة على الطبيب العام في ظل محدودية عدد الاختصاصيين.
وعند الحاجة إلى اختصاص غير متوفر في داريا، كان بعض الأهالي يتوجهون إلى دمشق ويقصدون أطباء اكتسبوا شهرة واسعة، منهم أدوار هواويني في طب الأطفال، ورضا سعيد، وفيصل فحام، وأكرم العنبري في طب العيون.
انتشار العيادات الاختصاصية
مع نهاية التسعينيات وبداية الألفية الجديدة، بدأت العيادات الاختصاصية تنتشر تدريجيًا في داريا، وافتتح أطباء متخصصون عياداتهم داخل المدينة، بعدما كان المرضى يضطرون إلى التوجه إلى دمشق للحصول على كثير من الخدمات الطبية.
ويتذكر سليمان شحادة عددًا من الأطباء الذين عملوا في المدينة خلال مراحل مختلفة من هذا التحول، بينهم زهير يحيى، ومحمود زيادة، وعبد الستار القاسم، ورنا الخانجي، وهناء كركجي، وأكرم خولاني، وحسام جاموس، وإلياس شحادة، وعماد عبد الباقي، وزهير عدي، وإبراهيم العاصمي، ونور الدين بيرقدار، وجهاد عابدين، ومأمون العبار، ومحمد خير العبار.
كما يذكر الأشقاء سليم ومأمون ومحمد أسد.
وعمل في المدينة أيضًا أطباء وطبيبات من أزواج تشاركوا المهنة، منهم تيسير خولاني وزوجته رغدة النوفي، وأكرم زيادة وزوجته بسيمة درويش، وعمر نكاش وزوجته باسمة جمال الدين، ومحمد الحو وزوجته بتول ناصر.
ومع اتساع عدد الاختصاصات، تغيرت طريقة تعامل المرضى مع الخدمات الطبية، وانتقلوا تدريجيًا من مراجعة الطبيب العام في مختلف الحالات إلى البحث عن الطبيب المختص بحسب طبيعة المرض.
وفي عام 2003، افتتح سليمان شحادة عيادته الخاصة في طب العيون داخل داريا، بينما كان لا يزال في المرحلة الأخيرة من اختصاصه الذي أنهاه عام 2004.
وأصبح بذلك جزءًا من جيل الأطباء الذين نقلوا الخدمات الاختصاصية إلى داخل المدينة، بالتزامن مع نموها السكاني وزيادة عدد خريجي الجامعات والعاملين في المهن الطبية.
وصفة معاينة طبية في عيادة الدكتور سليمان شحادة بداريا عام 2010 – (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)
لغة المرضى
لم تقتصر ذاكرة شحادة عن العيادة على الحالات الطبية، بل شملت أيضًا اللغة اليومية التي كان المرضى يصفون بها أعراضهم.
فعبارة «عيني عم توجعني» لم تكن تعني دائمًا وجود ألم حسي في العين، بل كان بعض المرضى يستخدمها لوصف ضعف النظر أو تشوش الرؤية.
وكان استخدام الأطباء كلمة «انحراف» يسبب التباسًا لدى بعض الأهالي، نتيجة الخلط بين الحَوَل، أي عدم استقامة العينين وتوافقهما في الاتجاه نفسه، وبين الانحراف أو اللابؤرية، المعروف طبيًا باسم «Astigmatism»، وهو عيب في انكسار الضوء داخل العين.
وكانت كلمة «حَوَل» تستخدم أحيانًا في المزاح أو التنابز الاجتماعي، لذلك كان بعض المرضى يتحسسون منها أو يخلطون بينها وبين تشخيصات أخرى.
وتركت لهجات القادمين من المحافظات السورية أثرها في لغة العيادة أيضًا، فكان بعض المرضى من دير الزور والمنطقة الشرقية، ممن عملوا في داريا، يستخدمون كلمة «جوّا» للإشارة إلى الاتجاه السفلي خلال فحص النظر.
ويتذكر شحادة اتصالًا تلقاه ليلًا من مريض عراقي سأله: «دكتور، هل يمكنني أن أتسبّح؟».
ظن في البداية أن المريض يسأله عن الذهاب إلى مسبح، قبل أن يتضح له أن «يتسبّح» في اللهجة العراقية تعني الاستحمام في المنزل.
بين البقاء والسفر
بعد إنهاء اختصاصه في طب العيون، بدأت أمام سليمان شحادة خيارات مهنية خارج سوريا.
ويقول إنه تلقى عروضًا للعمل في دول الخليج برواتب أعلى مما كان يستطيع تحقيقه داخل البلاد، في وقت كان قد افتتح عيادته في داريا وبدأ ببناء علاقته المهنية مع مرضاه.
لم يكن القرار بالنسبة إليه مرتبطًا بفارق الدخل وحده، إذ كان قد استقر مع أسرته في داريا، وبدأت عيادته تتوسع، بينما بقي قربه من أهله ومحيطه الاجتماعي عاملًا أساسيًا في قراره، فاختار الاستمرار في داريا ومتابعة عمله داخل المدينة.
الخدمة العسكرية بعد الزواج
لم يستمر هذا الاستقرار طويلًا، إذ طُلب من سليمان الالتحاق بالخدمة العسكرية الإلزامية أواخر عام 2006.
كان قد تجاوز الثامنة والعشرين، وتزوج وأصبح أبًا لطفلين، لذلك مثلت الخدمة عبئًا في مرحلة كان يسعى فيها إلى الاستقرار الأسري والمهني.
ينظر شحادة إلى تلك التجربة بعين ناقدة، ويرى أنها كانت جزءًا من منظومة استنزفت وقت الشباب السوري وجهدهم.
ويقول إن الخدمة عرّفته إلى طبيعة المؤسسة العسكرية وآليات السلطة في ذلك الوقت، وإلى حجم ما كان يُقتطع من حياة المجندين لمصلحة ضباط ومسؤولين.
ورفض اللجوء إلى الرشوة أو الوساطة لتجنب الخدمة أو تخفيف أعبائها، رغم انتشار هذه الأساليب بين بعض المكلفين.
عمليات في المستشفى العسكري
خدم سليمان طبيبًا للعيون في أحد المستشفيات العسكرية، وأتيحت له خلال تلك الفترة فرصة إجراء عدد كبير من العمليات الجراحية.
ويقول إنه أجرى عشرات العمليات، ما أسهم في تطوير مهاراته الجراحية وتعزيز ثقته المهنية، إذ أتاح له العمل اليومي التعامل مع حالات متعددة.
كما تعرف خلال الخدمة إلى أشخاص من محافظات وبيئات اجتماعية سورية مختلفة، فتوسعت دائرة علاقاته خارج داريا ودمشق.
وجمعت التجربة، بحسب شحادة، بين اعتراضه على طبيعة الخدمة واستفادته من الخبرة الطبية التي وفرها العمل داخل المستشفى.
سليمان شحادة يجري عملية لزراعة قرنية عام 2009 – (عنب بلدي – أرشيف سليمان شحادة)
الثورة بعد تجربة أمنية
عندما بدأت الاحتجاجات في سوريا عام 2011، لم يكن شحادة ورفاقه يدخلون تجربتهم الأولى مع الأجهزة الأمنية.
ويقول إن اعتقالات عام 2003 جعلتهم أكثر حذرًا في الأسابيع الأولى، وتجنبوا تصدر المشهد حتى لا تمنح مشاركتهم المبكرة السلطات ذريعة لربط الاحتجاجات الشعبية بنشاطهم السابق.
لكنه شارك بصفته الشخصية في المظاهرات السلمية، ومنها مظاهرة «الجمعة العظيمة».
وقبل اتساع الاحتجاجات، تعرض مع شقيقه أحمد للضرب بالعصي من عناصر يصفهم بـ«الشبيحة» في شارع الثورة، وأصيب أحمد بكسر في قدمه.
وخلال عام 2011، اقتحمت قوة أمنية البناء الذي يسكن فيه بحثًا عن الناشط مجد خولاني، لكنها وصلت إلى منزله بالخطأ.
خرج شحادة لمقابلتهم تجنبًا لترويع أطفاله، ويقول إنهم غادروا بعدما تبين لهم عدم وجود مذكرة أو طلب أمني بحقه، بينما انتشرت في داريا بعدها شائعة استمرت أيامًا بأنه اعتقل من جديد.
وفي أواخر العام نفسه، داهمت السلطات خمسة أماكن تخص العائلة في وقت متزامن.
اعتُقل شقيقه أحمد، واقتيد سليمان من عيادته، وطُلب منه الاتصال بشقيقه محمد، الذي كان يعمل في النشاط الإعلامي، وإقناعه بتسليم نفسه.
لكن سليمان أُطلق سراحه بعدما علم الضابط بأن أحمد محتجز أيضًا، بحسب روايته.
مجزرة داريا
في آب 2012، كان شحادة داخل داريا خلال الحملة العسكرية التي شهدت المدينة خلالها مجزرة واسعة.
انتقل بداية إلى منزل أهله اتقاءً للقصف بقذائف الهاون، ثم التحق بالمشفى الميداني للمساعدة في إسعاف الجرحى، واستمر فيه حتى ساعات بعد الظهر، قبل أن يُخلى المشفى مع اقتراب القوات منه.
انتقل بعدها إلى منزل شقيقته في الحارة القبلية.
ويقول إن القوات دخلت المنزل واستجوبت الموجودين فيه، بينما اقتادت ثلاثة شبان نازحين من حي القدم كانوا في المكان، ثم أعدمتهم ميدانيًا بالقرب من المنزل.
وفي مرحلة أخرى من الاقتحام، بقي سليمان وزوجته خمسة أيام محاصرين في منزلهما قرب الدوار عند مدخل المدينة، بعدما استخدمت القوات البناء مقرًا عسكريًا.
ويقول إنه شاهد من النوافذ عمليات إعدام ميداني وسرقة محال تجارية ونقل مسروقات بواسطة سيارات الزيل.
وبعد خمسة أيام، سمح لهما أحد الضباط بالخروج، وطلب منهما الإسراع قبل وصول مجموعة عسكرية أخرى، محذرًا، بحسب رواية شحادة، من احتمال تعرض المدنيين للقتل.
الاعتقال الثاني
مع بدء المعركة المستمرة على داريا أواخر عام 2012، انتقل سليمان مع أسرته إلى منزل مستأجر في كفرسوسة بدمشق.
ويقول إنه استمر في تقديم ما يستطيع من دعم مالي ومساعدة طبية وإسعافية لداريا، حتى استشهاد شقيقه أحمد عام 2013.
وفي عام 2015، اعتقلته الأجهزة الأمنية من عيادته في كفرسوسة، على خلفية اتهامات بالتمويل والتواصل، ونقلته إلى فرع المنطقة «215».
وهناك، يقول إن أحد المحققين عرض عليه استخدام اسمه وسمعته بصفته طبيبًا لتسجيل شركات عقارية وأملاك باسمه، ليكون واجهة لأعمال مالية، مقابل خروجه من السجن والحصول على المال والحماية.
ويقول إن البديل الذي كان في حال رفضه نقله إلى الفرع 227 ثم إلى سجن صيدنايا، مع تهديده بالإعدام.
أظهر شحادة موافقته على العرض لتجنب نقله، وفق ما يروي، ثم أُحيل إلى القضاء العسكري فالمدني، قبل أن يصدر قرار بتبرئته لعدم ثبوت التهم وإلغاء مذكرات الملاحقة القائمة بحقه.
وبعد نحو أسبوع من إطلاق سراحه، اتصل به الضباط لتحديد موعد عشاء في فندق الشيراتون بدمشق من أجل البدء بترتيبات الشركة.
غادر شحادة سوريا مع زوجته وأطفاله في صباح اليوم التالي متجهًا إلى لبنان.
ويقول إن اسمه عاد لاحقًا إلى قوائم الملاحقة بعد اكتشاف خروجه.
أربع سنوات في لبنان
أمضى سليمان شحادة في لبنان نحو أربع سنوات، بين عامي 2015 و2019.
ولم تسمح له القيود القانونية بممارسة الطب بصورة اعتيادية، لذلك اقتصر نشاطه الطبي على العمل الإغاثي والإنساني ضمن هامش محدود.
وبدأ خلال وجوده هناك الإعداد للانتقال إلى تركيا وبناء مسار مهني يمكن أن يستمر فيه إذا طال بقاؤه خارج سوريا.
انتقل لاحقًا إلى تركيا، حيث عمل في مؤسسات طبية تقدم خدمات للسوريين، قبل أن يبدأ مسار معادلة شهادته واختصاصه.
بين إسطنبول ودمشق
لم يكن انتقال سليمان شحادة إلى ممارسة الطب في تركيا مباشرًا.
يقول إن معادلة شهادته الطبية واختصاصه في طب العيون تطلبت الحصول على وثائق رسمية من سوريا، وواجه صعوبة في استخراجها عبر الجهات القنصلية السورية.
وفي أواخر عام 2024، تمكن من استكمال الوثائق المطلوبة، وبدأ المراحل النهائية لمعادلة شهادته واختصاصه.
وتطلبت العملية منه الدوام أشهرًا في مستشفيات جامعية حكومية تركية، والعمل تحت ضغط مرتفع بلغة تعلمها بعد انتقاله إلى البلاد.
وفي نهاية المسار، حصل على الترخيص الطبي اللازم لممارسة طب وجراحة العيون في تركيا، بالتزامن مع التحولات السياسية التي شهدتها سوريا وسقوط نظام الأسد في نهاية عام 2024.
ويمارس شحادة اليوم عمله في طب العيون في إسطنبول، داخل عيادته الخاصة وفي مستشفيات خاصة، ويستقبل مرضى عربًا وأتراكًا ومن جنسيات أخرى.
كما يتردد بين إسطنبول ودمشق، بعد أن أصبح قادرًا على زيارة سوريا مجددًا، فيما يواصل عمله الطبي في تركيا.