حركة عمرانية في داريا مع عودة الأهالي.. الكلفة ومشاكل الملكية أبرز العوائق

أعمال صب أساسات لبناء سكني قرب جامع العباس في داريا ضمن حركة العمران في المدينة - 7 أيار 2026 (عنب بلدي - أنس تقى)

تشهد مدينة داريا حركة عمرانية واسعة، مع عودة مزيد من الأهالي بعد سنوات الحرب، وارتفاع الحاجة إلى السكن، سواء عبر ترميم المنازل المتضررة أو إكساء الشقق على العظم أو بناء طوابق جديدة في مناطق بدأت تستعيد نشاطها العمراني.

وبحسب رصد مراسل عنب بلدي، تتوزع أعمال البناء والترميم في عدة أحياء ومناطق داخل داريا بدرجات متفاوتة بين منطقة وأخرى.

وتظهر الحركة بشكل أوضح في المناطق الأقل تضررًا أو الأقرب إلى الخدمات والأسواق، بينما تبقى مناطق أخرى محدودة النشاط بسبب حجم الدمار أو ارتباطها بإعادة التنظيم أو صعوبات الملكية.

ترميم وإكساء وبناء شاقولي

لا تقتصر الحركة العمرانية الحالية على البناء الجديد، إذ تشمل ترميم منازل متضررة، وإكساء شقق على العظم، وإعادة تأهيل بيوت قديمة، إضافة إلى زيادة طابقية في بعض الأبنية، خصوصًا في منطقة الشاميات، حيث حصلت أبنية على تراخيص للارتفاع الشاقولي.

وقال محمد بلابيشو، صاحب مكتب عقاري في الشاميات، لعنب بلدي، إن الحركة العمرانية تنشط في أكثر من منطقة، بينها شارع الثورة قرب جامع العباس، وساحة شريدي، والشاميات، وطريق الكورنيش، وشواقة، والفارس، والمراح.

وأوضح أن الشاميات تشهد طلبًا أكبر من غيرها، لأنها لم تتعرض لحجم الدمار الذي طال مناطق أخرى، ولأنها قريبة من الأسواق والخدمات، إضافة إلى وجود محاضر جديدة وأبنية حصلت على تراخيص للارتفاع الشاقولي.

ويرتبط هذا النشاط، بحسب بلابيشو، بعودة عائلات كانت مهجرة في لبنان ومصر وألمانيا وغيرها، ووجد قسم منها أن منازله مهدمة أو غير قابلة للسكن، ما دفعها إلى البحث عن شقق أو البدء بترميم ما يمكن ترميمه.

كلفة مرتفعة وورشات غير مستقرة

مصطفى، أحد سكان داريا، قال لعنب بلدي، إنه نفذ إكساء شقة تعود لشقيقه، مساحتها 110 أمتار، وكانت قد نهبت محتوياتها وتجهيزاتها خلال سنوات الحرب، بكلفة وصلت إلى 12 ألف دولار، لإكساء وصفه بأنه جيد جدًا.

وبحسب ما أورده المراسل، حاول مصطفى شراء منزل في داريا لكنه لم يتمكن من ذلك بسبب ارتفاع الأسعار، فاختار بناء منزل صغير مع عائلته بمساحة 60 مترًا، بكلفة وصلت إلى نحو 110 ملايين ليرة سورية، أي ما يقارب 10 ألف دولار مع الإكساء.

ولا تقف الصعوبات عند الكلفة، إذ أشار مصطفى إلى مشكلات في التعامل مع الورشات، بينها ضعف الالتزام بالمواعيد، وتفاوت مستوى المهنية، والحاجة إلى متابعة مستمرة مع العمال.

كما تحدث عن تغير أسعار المواد بشكل متكرر، ضاربًا مثالًا بسعر طن الإسمنت الذي قد يرتفع من 130 إلى 140 دولارًا خلال يوم واحد، بحسب قوله.

ويرى مصطفى أن أسعار بعض مواد البناء والإكساء في سوريا مرتفعة مقارنة بتجربته السابقة في مصر، مشيرًا إلى تفاوت واضح بين التجار في تسعير المواد.

كلفة البناء

المهندس جلال القباني قال لعنب بلدي، إن كلفة البناء على العظم في داريا تتراوح حاليًا بين 110 و120 دولارًا للمتر الواحد، بينما تضاف كلفة الإكساء بحسب نوعية المواد، وتتراوح بين 90 و200 دولار للمتر، وفق مستوى الإكساء بين المتوسط والجيد جدًا والديلوكس.

وبحسب القباني، يبدأ متوسط سعر البيت الجديد على العظم بحدود 25 ألف دولار، بينما يصل سعر الشقة مع الإكساء إلى نحو 45 ألف دولار لمساحة تتراوح بين 80 و100 متر، مع اختلاف السعر بحسب الطابق والمواصفات.

وتعود أسباب ارتفاع الكلفة، وفق القباني، إلى زيادة الطلب على مواد البناء، وارتفاع أسعار الإسمنت والحديد بدرجات متفاوتة، إلى جانب تكاليف الشحن والنقل. لكنه أشار إلى أن المواد متوفرة في السوق، وكذلك اليد العاملة.

أما متعهد البناء حسام أبو كاسم، فقال لعنب بلدي، إن إكساء بيت على العظم يبدأ من 100 دولار ويصل إلى 300 دولار للمتر الواحد، بحسب جودة المواد ومساحة الشقة، مشيرًا إلى صعوبة إيجاد أيد عاملة متقنة، وإلى أثر ارتفاع الدولار والشحن والنقل على أسعار المواد.

طلب موجود وأسعار تفوق القدرة

رغم ارتفاع الكلفة، لا يزال الطلب على السكن قائمًا في داريا، مدفوعًا برغبة الأهالي بالعودة إلى المدينة أو الاستقرار قرب دمشق.

وقال بلابيشو إن سعر شقة قديمة بمساحة 100 متر في الشاميات قد يصل إلى 25 ألف دولار إذا كانت قد نهبت محتوياتها خلال سنوات الحرب، بينما يتراوح سعر المتر في البناء الجديد على العظم بين 200 و350 دولارًا، مع وجود مرافق مثل بئر مياه، ودرج رخام، وباب حديد، ومصعد، وطاقة.

وأضاف أن السعر يحدده مالك العقار أولًا، ثم يعطي المكتب العقاري تقديره وفق السوق، معتبرًا أن الأسعار الحالية لا تتناسب مع قدرة كثير من الناس على الشراء، خصوصًا أن نسبة واسعة من الأهالي عادت بعد سنوات تهجير وخسارة للمنازل والممتلكات.

وقال مجد، صاحب مكتب عقاري في داريا، إن حركة البيع جيدة، وإن الطلب يأتي من أهالي داريا ومن مغتربين ومن سكان دمشق، بسبب قرب المدينة من العاصمة وتحسن الخدمات وطبيعة البيئة الاجتماعية فيها.

وقدّر أسعار البيوت القديمة ابتداء من 20 ألف دولار، بينما يصل سعر المتر في الأبنية الجديدة على العظم إلى 300 أو 400 دولار.

الملكيات تعرقل البناء

إلى جانب الأسعار، تظهر مشكلات الملكية كعائق أساسي أمام البناء والترميم، خاصة في العقارات التي تضم ورثة كثرًا أو فقد أصحابها أوراقهم خلال سنوات الحرب.

وقال القباني إن من أبرز الصعوبات التي تواجه المهندسين في مشاريع الإنشاء والإكساء عدم وضوح الملكيات، وصعوبة جمع موافقات جميع الورثة، ومشكلات إثبات الملكية والأوراق القانونية.

وأشار بلابيشو إلى أن كثيرًا من أوراق الملكية فقدت أو احترقت، ما خلق صعوبة في البيع أو الشراكة أو البناء، مقترحًا تشكيل لجان محلية من أبناء الأحياء القدامى للمساعدة في التعرف إلى الملكيات ومتابعة الحالات المعقدة عبر المعرفة المحلية.

شروط الرخص والتنظيم

المهندس مجد العبار، من القسم الفني في بلدية داريا، قال لعنب بلدي إن الحصول على رخصة بناء يحتاج إلى أن يحقق العقار ضابطة البناء من حيث المساحة وطول الواجهة، موضحًا أن بعض المناطق التنظيمية تشترط حدًا أدنى لطول الواجهة يبلغ سبعة أمتار، ومساحة دنيا للعقار تبلغ 100 متر.

وأضاف أن استخراج الرخصة يتطلب موافقة جميع المالكين، وأن لكل صفة تنظيمية نسبة بناء خاصة بها، ففي البلدة القديمة، على سبيل المثال، تبلغ نسبة البناء 70%، بينما تبقى النسبة المتبقية للوجائب والإنارة والتهوية.

وأوضح العبار أن عدد الطوابق يرتبط بعرض الشارع، ويصل الحد الأعلى في بعض مناطق داريا إلى ستة طوابق، بينما يمكن أن يؤثر الشكل الهندسي للعقار على منح الرخصة، كأن يكون العقار مثلث الشكل ولا يحقق شروط البناء، ما قد يستدعي دمجه مع عقار مجاور لتشكيل كتلة معمارية مناسبة.

وتشمل الأوراق المطلوبة لرخصة البناء، بحسب العبار، طلب رخصة، وإخراج قيد عقاري حديث، وبيان ملكية أو سند طابو أو وكالة غير قابلة للعزل، ومخطط موقع عام للعقار، وصور هويات المالكين، وموافقة جميع المالكين، واستمارة رخصة تتضمن معلومات العقار، إضافة إلى تعهد بالتنازل عن الأملاك العامة عند الحاجة.

توسع ينتظر الموافقات

زهير الإمام، من المكتب التنفيذي في بلدية داريا، قال لعنب بلدي إن الحركة العمرانية “جيدة جدًا”، وهناك زيادة في طلبات رخص البناء خلال الفترة الحالية، دون أن يتمكن من تحديد نسبة دقيقة لهذه الزيادة.

وأوضح أن الرخص تمنح في المناطق الواقعة ضمن المخطط التنظيمي القديم، بينما لا تمنح في مناطق قيد إعادة التنظيم، بينها منطقة الخليج، ومحيط جامع الأنصار، والجامع الكبير، وبعض المواقع المرتبطة بإعادة التنظيم.

وأشار الإمام إلى وجود مخالفات بناء في بعض مناطق داريا، تتعامل معها البلدية عبر توجيه الإنذارات وفق القانون.

وتعمل البلدية، بحسب الإمام، على دراسة توسيع وإعادة تنظيم بعض المناطق لتحسين الخدمات والشوارع ووضع العقارات الصغيرة والمتداخلة ضمن توزيع تنظيمي أوضح.

وتشمل الدراسة إعادة تنظيم منطقة الخليج، وطريق دمشق باتجاه مشروع باسيليا بحدود 300 متر، إضافة إلى مقترح لتنظيم منطقة صناعية بين طريق الدحاديل وطريق المعامل.

وقال الإمام إن الدراسة أنجزت من جانب البلدية، وتنتظر تحديد موعد مع اللجنة الإقليمية للحصول على الموافقات من المحافظة.

مقالات ذات صلة

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة

المكدوس أغلى هذا الموسم.. أسر في داريا تقلل الكميات وتستبدل بعض المكونات

أجرة واحدة لمسافات مختلفة.. ركاب في داريا يطالبون بتجزئة التعرفة