تجمع عبير محمود، 27 عامًا، من أهالي داريا، بين عملها معلمة ورعاية والدتها وإدارة المنزل. وحين تحتاج إلى من يرافق والدتها أو يعتني بها، تتردد في طلب المساعدة، بعدما اعتادت اعتذار شقيقتيها لانشغالهما بأسرتيهما. ومع الوقت، أصبحت تتوقف عن الطلب، حتى حين تشعر بأن المسؤوليات تفوق قدرتها.
أما سيدرا الخلد، 29 عامًا، من أهالي داريا أيضًا، فتتصل بأخيها الأصغر عندما تحتاج إليه، وتستعين بأهلها حين تتعب، دون أن تشعر بأن ذلك ينتقص من استقلالها. وتقول إن استجابتهم وسؤالهم المستمر عنها يجعلان طلب المساعدة أمرًا طبيعيًا.
وفي تجربة نادية، 34 عامًا، امتد الاعتماد على النفس منذ الطفولة إلى الحياة الزوجية، فتغير أسطوانة الغاز والمصابيح، وتصلح الحنفية إذا استطاعت، حين يتأخر زوجها في إنجاز هذه المهام. وتقول إن اعتيادها القيام بها جعلها تتحمل وحدها مسؤوليات كان يمكن تقاسمها.
وتروي النساء الثلاث لعنب بلدي كيف تؤثر استجابة المقربين، أو غيابها، في استعدادهن لطلب الدعم، وفي توزيع مسؤوليات الرعاية والمنزل داخل الأسرة.
عبير.. رعاية الأم تؤثر في قرار الزواج
تعيش عبير مع والدتها التي تعاني من ارتفاع ضغط الدم والسكري، وتحتاج غالبًا إلى المرافقة والاهتمام.
ولها شقيقتان متزوجتان، تقول إنهما تعتذران في معظم المرات التي تطلب فيها من إحداهما الحضور، بسبب انشغالهما ببيوتهما وأطفالهما.
وتقول لعنب بلدي إن تكرار الاعتذار دفعها تدريجيًا إلى التوقف عن طلب المساعدة من شقيقتيها، ثم امتد ترددها إلى طلبها من الآخرين أيضًا.
وتحاول اليوم التوفيق بين دوامها ومتابعة والدتها وشؤون المنزل، لكنها تشعر أحيانًا بأن هذه المهام أكثر مما تستطيع تحمله وحدها.
ولا يقتصر أثر رعاية والدتها على ترتيب يومها، بل يمتد إلى تفكيرها في الزواج، فكلما فكرت فيه، حضرت أمامها فكرة ترك والدتها وحدها، وأصبحت الرعاية عاملًا مؤثرًا في قرارها.
سيدرا.. المساعدة جزء من العلاقة
تروي سيدرا تجربة مختلفة مع أسرتها، فهي الابنة الوحيدة بين ثلاثة شبان، وتقول إن أفراد عائلتها يحرصون على التواصل معها وسؤالها عما تحتاج إليه.
وعندما تطلب مساعدة أخيها الأصغر، لا يجعلها تشعر بأن طلبها يثقل عليه، وهو ما يساعدها على اللجوء إليه عند الحاجة، رغم زواجها.
وتقول سيدرا لعنب بلدي إنها تتحمل مسؤولياتها، لكنها تستعين بأهلها حين تتعب.
كما تعتبر تقاسم المهام مع زوجها، بما فيها رعاية الأطفال، جزءًا من حياتهما المشتركة، ولا ترى في طلب الدعم انتقاصًا من قدرتها على إدارة شؤونها.
نادية.. الاعتماد على النفس منذ الطفولة
تقول نادية، 34 عامًا، إنها اعتادت الدراسة بمفردها منذ طفولتها، فلم تكن والدتها تعرف كيف تساعدها في دروسها، وكان التحصيل الدراسي لإخوتها ضعيفًا.
وعندما كبرت وبدأت تطلب مساعدة إخوتها الأكبر سنًا، لم تكن تجد دائمًا ما تحتاج إليه، فتتراجع عن طلبها وتحاول إنجاز الأمر وحدها.
وتضيف أن والدتها كانت توبخها أحيانًا عندما تطلب المساعدة، وتقول لها: «اعتمدي على نفسك»، أو تتجاهل طلبها. ومع تكرار ذلك، اعتادت تولي أمورها دون الاستعانة بغيرها، واستمر هذا السلوك بعد الزواج.
تغير نادية أسطوانة الغاز والمصابيح، وتصلح الحنفية إذا استطاعت، عندما يتأخر زوجها في القيام بهذه الأعمال.
وتقول إن تكرار إنجازها للمهام جعله يعتمد عليها أكثر، وترجح أنه يتجنب أحيانًا بعض المسؤوليات لمعرفته بأنها ستتولاها في النهاية.
وأصبحت، بحسب وصفها، تتعامل وحدها مع مشكلات كان يمكن أن تشاركه في تحملها.
متى يصبح الاعتماد على الذات مرهقًا؟
تقول الأخصائية النفسية مرح صبح، لعنب بلدي، إن الاعتماد على الذات يكون صحيًا عندما يستطيع الشخص اتخاذ قراراته وتحمل مسؤولياته، ويعرف أيضًا متى يحتاج إلى استشارة غيره أو مساعدته.
وتظهر الصعوبة، وفق صبح، عندما يشعر بأنه مضطر إلى إنجاز كل شيء وحده، حتى في أوقات الإرهاق.
وتربط ذلك أحيانًا بتجارب الطفولة، فقد يُطلب من طفل تحمل مسؤوليات أكبر من عمره، أو يُعامل الخطأ والفشل باعتبارهما غير مقبولين، أو لا يجد من يستجيب لاحتياجاته، فيعتاد الاعتقاد بأن عليه الاعتماد على نفسه في كل أمر.
لكن الطفولة ليست السبب الوحيد، بحسب صبح، إذ قد تدفع تجارب لاحقة من الخذلان في العلاقات أو العمل إلى تجنب طلب المساعدة.
ومع تكرار عدم الاستجابة، قد يخشى الشخص الرفض أو يشعر بأن حاجته إلى الدعم تجعله عبئًا على الآخرين.
وقد ينعكس ذلك على علاقاته، فمن لا يعبر عن احتياجاته يصعب أحيانًا على المقربين منه معرفة ما يمر به أو تقديم المساعدة، وقد يشعر بالوحدة رغم وجودهم حوله.
وفي العلاقة العاطفية، قد يحول رفض المساعدة باستمرار دون تقاسم المسؤوليات بين الشريكين.
طلب واضح ومهمة بسيطة
تقترح صبح أن يسأل الشخص نفسه، حين يختار إنجاز مهمة وحده، إن كان يملك الوقت والقدرة والرغبة في ذلك، أم أنه يتجنب طلب المساعدة خوفًا من الرفض.
وتدعو إلى ملاحظة تكرار هذا الاختيار في المواقف المختلفة، والإصغاء إلى ما يقوله الأشخاص الموثوقون بشأنه.
ويمكن البدء، وفق صبح، بطلب مساعدة بسيطة من شخص موثوق، والتعبير عن الحاجة بوضوح دون إفراط في تبريرها.
أما إذا أصبح تجنب المساعدة أو رفضها سببًا للعزلة أو الإنهاك المستمر، أو أثر بوضوح في العلاقات، فترى أن استشارة أخصائي نفسي قد تساعد على فهم أسباب هذا السلوك والعمل على تغييره.