الاستثمار في داريا.. فرص للمغتربين أم مخاطرة بالمدخرات؟

محال تجارية في مدينة داريا - 23 تشرين الأول 2026 (عنب بلدي - نغم لحام)

«محلات كثير فاتحة بس ما في عليها شغل زيادة»، يقول منير الدين العتر، ردًا على سؤال عن المشروع الذي ينصح مغتربًا عائدًا بافتتاحه في مدينة داريا.

المشكلة، من وجهة نظره، لا تكمن في نقص المحلات والمهن، وإنما في قدرة السكان على الشراء، مضيفًا: «ما في مصاري زيادة مع العالم».

طرحت عنب بلدي السؤال نفسه على عدد من سكان داريا وأصحاب المهن فيها، لمعرفة المشاريع التي يرون أن المدينة تحتاج إليها، وفرص نجاحها بالنسبة إلى المغتربين الراغبين في العودة والاستثمار.

وتنوعت الإجابات بين اقتراح المطاعم ومشاريع البناء والإكساء والمهن الحرفية، وبين التحذير من ارتفاع الإيجارات وضعف المبيعات.

واختلف المشاركون حتى بشأن الأنشطة التي تبدو أكثر انتشارًا، فبينما رأى بعضهم أن المطاعم توفر فرصًا للعمل، اعتبر آخرون أن المدينة تحوي ما يكفي منها.

ولم تقتصر الإجابات على اختيار مشروع مناسب، إذ نصح بعض المشاركين المغتربين بالتريث قبل العودة واستثمار مدخراتهم، في حين دعا آخرون إلى المساهمة في إعادة إعمار المدينة وتنشيط أسواقها.

وتعكس هذه الآراء تجارب المشاركين وتقديراتهم الشخصية، ولا تمثل مسحًا شاملًا لاحتياجات السوق أو جدوى الاستثمار في داريا.

المطاعم والبناء في مقدمة الاقتراحات

انتقل محمد كامل من مهنة الخياطة إلى العمل بالعقارات، بحثًا عن مجال آخر لكسب الرزق. وعندما سألته عنب بلدي عن المشروع الذي يقترحه على مغترب عائد إلى داريا، وضع المطاعم والمشروبات في مقدمة الخيارات، شريطة أن تكون أسعارها مقبولة للسكان.

ويرى كامل أن المدينة تضم عددًا كبيرًا من المطاعم وورش النجارة وغيرها من المهن، لكنه يعتقد أن مطعمًا جديدًا يمكن أن يجد فرصة للعمل رغم المنافسة.

أما من يمتلك رأس مال أكبر، فينصحه بشراء أرض والبناء عليها، معتبرًا أن العقارات من المجالات التي يمكن أن تحقق أرباحًا.

ويتفق خليل طوبجي، وهو من كفرسوسة ويقيم في داريا، مع اقتراح الاستثمار في الطعام والشراب، لكنه يربط نجاح المطعم بمهارة صاحبه وجودة ما يقدمه.

ويشير طوبجي أيضًا إلى المهن التي تشتهر بها داريا، ولا سيما صناعة غرف النوم والأبواب والنجارة، بوصفها مجالات يمكن للعائدين العمل فيها.

ويضع عبد حيدر المطاعم إلى جانب البناء والإكساء ضمن الأنشطة التي يراها نشطة في المدينة. ولا يعتقد أن كثرة المطاعم تمنع افتتاح مشروع جديد، إذ يرى أن جودة العمل يمكن أن تمنح صاحبه فرصة للمنافسة.

لكن منير الدين العتر، رغم اعتباره المطاعم من أكثر الأنشطة حركة، لا يرى أن داريا تحتاج إلى المزيد منها.

ويقول إن المشروع الجديد قد يجد فرصة للعمل، لكنه يستدرك: «كفايتها هيك داريا بالمطاعم».

وتحضر أعمال البناء والإكساء أيضًا في اقتراحات عبد الستار الفرخ، الذي يرى أن نجاح أي مشروع يبدأ بمعرفة صاحبه بالمهنة التي يريد العمل فيها.

ويقول الفرخ إن داريا تتيح فرصًا في البناء والطعام والتجارة والزراعة والصناعة، ويصف حركتها الاقتصادية بأنها نشطة مقارنة بمناطق أخرى تضررت خلال الحرب.

ويستشهد بما يقدره بأكثر من 350 رخصة بناء لأبنية جديدة، بعضها اكتمل وبعضها الآخر لا يزال قيد البناء أو الإكساء. ولم تتحقق عنب بلدي بصورة مستقلة من هذا العدد.

ويوافقه معتز شريفة على أهمية قطاع البناء، مشيرًا إلى أن جانبًا من الاستثمارات في داريا يرتبط بالعمران، إلى جانب افتتاح المحلات التجارية.

لكنه يلفت إلى نقص السيولة لدى السكان، ويرى أن المدينة تحتاج أيضًا إلى إصلاح الطرق وتحسين الخدمات لمعالجة آثار الدمار الذي خلفته الحرب.

أما عصام الحلاق، فيقترح التوجه إلى المهن المرتبطة بالسيارات، ومنها الميكانيك والخراطة والتصليح، معتبرًا أن الخيارات المتاحة أمام العائدين لا تقتصر على التجارة والمطاعم.

الإيجارات والمواد الأولية.. كلفة تسبق الأرباح

بالنسبة إلى فادي كيال، الذي أمضى 15 عامًا في السعودية وعمل طاهيًا، لا يكفي اختيار نشاط تجاري مطلوب لضمان نجاح المشروع، إذ تبدأ الحسابات من إيجار المحل وتكاليف تشغيله.

ويمتلك كيال المحل الذي يعمل فيه، لكنه يقول إن بعض المستأجرين يدفعون إيجارات تتراوح بين 800 و1200 دولار، قبل احتساب الكهرباء وأجور العاملين والمواد الأولية.

ويتساءل عن قدرة صاحب المشروع على تغطية هذه النفقات في ظل ارتفاع الأسعار وتقلبها، موضحًا أن المادة التي يشتريها التاجر بسعر معين قد ترتفع كلفتها في اليوم التالي.

ويضع ذلك صاحب العمل، بحسب كيال، أمام خيارين: رفع السعر على الزبون أو تحمل فرق الكلفة.

ويقول إنه يفضل أحيانًا تحمل الخسارة بدل زيادة الأسعار على زبائنه، لكنه يرى أن هذا الخيار يصبح أكثر صعوبة بالنسبة إلى أصحاب المحلات المستأجرة، الذين يواجهون التزامات شهرية ثابتة.

ويحذر كيال من الاعتقاد بأن امتلاك المغترب مدخرات مالية يكفي لضمان استمرار مشروعه، خصوصًا إذا ارتفع الإيجار عند تجديد العقد أو تراجعت المبيعات.

ولا يرى أن امتلاء المحلات بالبضائع دليل على نشاط الأسواق، إذ يتحدث عن منتجات تبقى دون بيع، وأغذية تتلف، وأصحاب محلات يستمرون في عرض بضائعهم للحفاظ على حضورهم التجاري رغم الخسائر.

ويربط كيال هذه المشكلات بضعف القدرة الشرائية، معتبرًا أن محدودية المبيعات تنعكس أيضًا على قدرة أصحاب الأعمال على تشغيل الشباب.

وتتقاطع شهادته مع ملاحظة منير الدين العتر بشأن كثرة المحلات وقلة العمل فيها، وإن كان المشاركون الآخرون أكثر تفاؤلًا بفرص نجاح المشاريع الجديدة.

ويقترح كيال تشكيل لجان مختصة لتقييم إيجارات المنازل والمحلات التجارية، مستشهدًا بتجربته خلال إقامته في السعودية.

ويرى أن الإيجارات المدروسة قد تشجع المغتربين على افتتاح مشاريع، بينما يمكن أن تدفعهم الإيجارات المرتفعة إلى التراجع عن الاستثمار قبل البدء به.

ما الذي ينقص السوق؟

رغم تنوع المشاريع المقترحة، يجد بعض المشاركين صعوبة في تحديد مهنة أو نشاط تجاري غير موجود في داريا.

يقول يحيى العتر إن المطاعم ومحلات الحلاقة والسوبرماركت وغيرها من الأنشطة منتشرة في المدينة، ولذلك ينصح المغترب الذي يفكر في افتتاح مشروع بالعمل في المهنة التي يعرفها بدل دخول مجال لا يمتلك خبرة فيه.

أما أبو خالد الحللي، فيحدد نشاطًا يعتقد أن السوق لا يزال بحاجة إليه، وهو بيع مستلزمات السيارات وزينتها.

ويقول إنه لم يشاهد سوى محلين يعملان في هذا المجال، مقارنة بكثرة محلات الأدوات الكهربائية ومواد البناء والألبسة.

ومع ذلك، لا يعتبر الحللي أن النجاح مرتبط بمهنة محددة، إذ يرى أن صاحب المشروع قد ينجح في أي نشاط يختاره.

وتنظر أم محمد العبار إلى احتياجات المدينة من زاوية أوسع من افتتاح المحال التجارية.

فهي تتحدث عن الحاجة إلى إعادة الإعمار وتحسين النظافة والخدمات والمرافق الصحية، إلى جانب توفير المواد الغذائية والألبسة.

وترى أن المشكلة الأساسية تتمثل في نقص رؤوس الأموال اللازمة لإعادة بناء ما تضرر في المدينة، داعية المغتربين إلى العودة والمشاركة بأموالهم وجهودهم في تحسين أوضاعها.

وفي سياق تنشيط الأسواق، يقترح فادي كيال تنظيم معارض للمنتجات وأنشطة ترفيهية وخيم رمضانية، بهدف تشجيع حركة الزوار والتجارة بين دمشق وداريا.

كما يدعو إلى الاستفادة من كتل عمرانية غير مستثمرة، بحسب وصفه، لإقامة مجمعات أو محلات تجارية منظمة.

ويعتقد كيال أن تحسين تنظيم الأسواق وضبط الإيجارات قد يمنح أصحاب المشاريع فرصة أفضل للاستمرار، خصوصًا في ظل المنافسة على الأسعار ومحدودية القدرة الشرائية التي يلاحظها.

العودة والاستثمار.. أم الانتظار؟

لا يتفق المشاركون في الاستطلاع على توقيت مناسب لعودة المغتربين وافتتاح مشاريع في داريا.

فبينما تدعو أم محمد العبار أبناء المدينة المقيمين خارج البلاد إلى العودة والمساهمة في إعادة إعمارها، يفضل يحيى العتر أن ينتظر المغترب بعض الوقت حتى تتحسن الأوضاع.

ويربط عبد الستار الفرخ قرار الاستثمار بخبرة صاحب المشروع، معتبرًا أن معرفة المهنة شرط أساسي قبل البدء بأي عمل.

أما قتيبة العبار، الذي عاد إلى داريا قبل نحو ثلاثة أشهر، فيقدم نصيحة مختلفة تستند إلى تجربته منذ العودة.

فهو لا يقترح مشروعًا بعينه، بل ينصح المغترب بعدم العودة لافتتاح مشروع في الوقت الحالي، خشية أن يخسر مدخراته وألا يتمكن من الاستمرار.

ويصف قتيبة الأوضاع بأنها صعبة، وعندما سألته عنب بلدي إن كان لا يرى أملًا بتحسنها، أجاب: «الفرج عند ربنا».

وبين من يدعو إلى الاستثمار في المطاعم والبناء والمهن الحرفية، ومن يحذر من الإيجارات المرتفعة وضعف المبيعات، يبقى تقدير فرص العمل في داريا مختلفًا من شخص إلى آخر، تبعًا للمهنة ورأس المال وتجربة صاحب المشروع.

أما منير الدين العتر، الذي بدأ حديثه بالإشارة إلى كثرة المحلات وقلة العمل فيها، فيختصر المشكلة التي يراها أمام أي مشروع جديد: «بدك حدا يشتري».

مقالات ذات صلة

مشاريع تجارية تتعثر في داريا.. لماذا تغلق بعض المحلات أبوابها بعد افتتاحات صاخبة؟

دبس الرمان في داريا.. ساعات من العمل لـ«مونة» تتقاسمها العائلة

من السجاد المستعمل إلى مدافئ الحطب.. كيف تستعد الأسر في داريا للشتاء؟