فرضت ندرة الفئات الصغيرة من العملة السورية الجديدة على سكان وأصحاب أعمال في داريا اللجوء إلى تسوية باقي الحساب بسلع منخفضة الثمن أو بالتنازل عنه، بعدما أصبحت أجور النقل وأسعار بعض المنتجات والأدوية تنتهي بقيم لا تتوافر لها فئات نقدية مقابلة.
وتظهر المشكلة عند مبلغ خمس ليرات، إذ لا توجد هذه الفئة في التداول داخل المدينة، إلى جانب محدودية توافر فئة العشر ليرات، وفق ما رصدته عنب بلدي في وسائل النقل والبقالات والصيدليات.
ورغم محدودية المبلغ في المعاملة الواحدة، فإن تكرار التنازل عنه خلال اليوم يحوله إلى خسارة متراكمة على السائق أو صاحب المحل أو الصيدلية، بينما يلجأ بعضهم إلى تقديم علكة أو شوكولا أو لصاقات طبية بدلًا من الباقي النقدي.
وبدأ العمل بالعملة السورية الجديدة مطلع كانون الثاني 2026، بعد إصدار المرسوم رقم 293 لعام 2025، الذي اعتمد حذف صفرين من العملة السابقة، بحيث تعادل الليرة الجديدة 100 ليرة من الإصدار القديم.
وتضم المرحلة الأولى من الإصدار الجديد ست فئات ورقية متداولة هي: 5 و10 و25 و50 و100 و500 ليرة، مع استمرار استبدال العملة القديمة عبر المراكز المعتمدة خلال الفترة الانتقالية.
إلا أن سكانًا وأصحاب محال في داريا يقولون إن ورقة الخمس ليرات لم تصل إلى التداول في المدينة حتى الآن، في حين تبقى فئة العشر ليرات محدودة التوافر، وهو ما خلق صعوبة في تسوية التعاملات اليومية ذات القيم الصغيرة.
خمس ليرات بين الراكب والسائق
تبلغ أجرة الراكب داخل مدينة داريا 20 ليرة من العملة الجديدة (ما يعادل 2000 ليرة من الإصدار السابق)، وهي قيمة لا تقابلها فئة نقدية مستقلة، ما يفرض على الركاب والسائقين تركيب المبلغ من فئات أخرى.
وتزداد صعوبة الدفع مع محدودية فئة العشر ليرات وغياب فئة الخمس ليرات من التداول، خصوصًا عندما يدفع الراكب بورقة من فئة 25 أو 50 ليرة، ولا يجد السائق فئات مناسبة لإعادة المبلغ المتبقي.
وقال أبو يحيى، وهو سائق سرفيس على أحد خطوط داريا، لعنب بلدي، إنه يواجه المشكلة منذ بدء تداول العملة الجديدة، إذ لا توجد وسيلة نقدية لإعادة خمس ليرات إلى الراكب.
وفي معظم الحالات، يتنازل أبو يحيى عن المبلغ المتبقي، بينما يتنازل عنه الراكب أحيانًا، بحسب ما يتوافر لدى كل طرف من فئات نقدية لحظة الدفع.
ولا تتوقف المشكلة عند مبلغ الخمس ليرات، إذ قال السائق إنه يضطر أحيانًا إلى إعفاء الراكب من الأجرة كاملة عندما لا تتوافر فئات تسمح بإتمام عملية الدفع.
وبذلك يصبح تسديد أجرة السرفيس مرتبطًا بما يحمله السائق والراكب من فئات، لا بقيمة الأجرة وحدها، بينما يتحول التنازل المتبادل إلى حل يومي لغياب الفئة المطلوبة.

العلكة والشوكولا بدل الباقي
تظهر المشكلة نفسها في البقالات والمحال التجارية، إذ يصعب على أصحابها إعادة باقي الحساب، خصوصًا بقيمتي خمس وعشر ليرات.
ويلجأ بعض أصحاب المحال إلى مطالبة الزبون بإضافة منتج صغير إلى مشترياته حتى تصبح قيمة الفاتورة متوافقة مع الفئات المتوفرة، بينما يقدم آخرون سلعة منخفضة الثمن بدل المبلغ الذي لا يستطيعون إعادته نقدًا.
وقال محمد الحلاق، الذي يعمل في محل بقالة بشارع المعضمية، لعنب بلدي، إنه لا يستطيع التنازل عن خمس ليرات في كل عملية بيع، لأن تكرار ذلك طوال اليوم يتحول إلى خسارة على المحل.
ولمعالجة المشكلة، يقدم الحلاق قطعة علكة أو شوكولا بدلًا من المبلغ المتبقي، محاولًا تجنب خسارته وعدم تحميل الزبون الخسارة في الوقت نفسه.
ولا يعني هذا الحل أن الزبون اختار شراء السلعة الإضافية، بل تصبح جزءًا من تسوية الحساب بسبب عدم وجود فئة نقدية تعادل قيمتها.
وبذلك تتحول “الفراطة” من مبلغ نقدي مستحق إلى سلعة يحددها ما يتوافر لدى صاحب المحل، في حين يبقى التنازل عن المبلغ خيارًا آخر عندما لا توجد سلعة مناسبة.
لصاقات طبية بدل خمس ليرات
لم تقتصر البدائل العينية على العلكة والشوكولا، بل وصلت إلى الصيدليات، حيث تنتهي أسعار بعض الأدوية بقيم تتضمن خمس ليرات، وفق الصيدلانية خلود العزب.
وقالت العزب لعنب بلدي إن بعض الزبائن يحذفون الخمس ليرات من قيمة الحساب من تلقاء أنفسهم، بسبب عدم وجود فئة نقدية يمكن استخدامها لدفعها.
وأضافت أن التنازل المتكرر عن هذا المبلغ يسبب خسائر تتراكم مع عدد عمليات البيع، ولا سيما أن المشكلة تتكرر في أسعار أدوية عديدة.
واختارت العزب تقديم لصاقتين طبيتين بدل كل خمس ليرات متبقية للزبون، بوصفهما سلعة يمكن أن تعوض المبلغ الذي لا تستطيع إعادته نقدًا.
الزبون يتنازل أيضًا
لا يتحمل أصحاب الأعمال وحدهم كلفة غياب الفئات الصغيرة، إذ يجد السكان أنفسهم أمام قبول سلعة بدل باقي الحساب أو التنازل عنه.
وقالت رند جنح، وهي من سكان داريا، لعنب بلدي، إنها غالبًا ما تتنازل عن خمس ليرات في البقالات ووسائل النقل منذ بدء تداول العملة الجديدة، بسبب غياب الفئة النقدية المقابلة وعدم توافر بديل في كل مرة.
ورغم محدودية المبلغ في المعاملة الواحدة، فإن تكراره خلال التنقل والتسوق وشراء الأدوية يؤدي إلى تراكم ما يخسره الزبون أو صاحب العمل على مدار اليوم.
وبحسب الحالات التي رصدتها عنب بلدي، لا ترتبط المشكلة برفض أحد الأطراف إعادة الباقي فقط، بل بعدم تطابق الفئات النقدية المتوفرة مع أجور النقل وأسعار السلع، ما جعل تقديم سلعة صغيرة أو التنازل عن جزء من الحساب حلًا متكررًا عند تعذر تسوية المبلغ نقدًا.
