يبدأ مربي الخيل عبد اللطيف الذيبو يومه في مزرعة على أطراف مدينة داريا بتفقد كل حصان قبل تقديم وجبة الصباح، ثم ينظم العلف والحركة والاستحمام خلال بقية اليوم.
ويزداد الاهتمام بهذا الروتين مع وجود خمس أفراس حوامل، أو «عشار» كما يسميها مربو الخيل، تنتمي إلى ثلاثة أرسان من الخيل العربية السورية، إلى جانب فحول ومهر يبلغ عمره شهرين.
وتتركز أعمال المزرعة على توليد الخيل، ولم تشارك خيولها حتى الآن في السباقات، لذلك ينصرف الجزء الأكبر من عمل الذيبو إلى متابعة الأفراس الحوامل والفحول والمهر، بدءًا من العلف والمياه وصولًا إلى الحركة والحالة الصحية.
خمس أفراس وثلاثة أرسان
يقول الذيبو لعنب بلدي إن الأفراس الخمس بنات فحل واحد هو «بلال الزعيم»، ابن الفحل «أدهم الزعيم»، الذي يمتد نسبه، بحسب المربي، إلى خيل الجزيرة السورية.
ورغم اشتراك الأفراس في الأب، فإنها تنتمي إلى ثلاثة أرسان مختلفة تبعًا لأصولها من جهة الأم، هي الصقلاوي الجدراني، والحمداني السمري، وكحيلان كروش البيضا، الذي يصفه الذيبو بأنه من الأرسان النادرة جدًا في سوريا.
ويشرح الذيبو «الرسن» بأنه خط النسب الذي تتحدر منه الخيل، ولذلك يمكن لأفراس من أب واحد أن تنتمي إلى أرسان مختلفة.
وترتبط هذه الأسماء بتاريخ تربية الخيل العربية في سوريا، وتصف المنظمة العالمية للجواد العربي (WAHO) سوريا بأنها من المواطن التقليدية للخيل العربية الأصيلة، وتربط تربيتها تاريخيًا بالبادية السورية والجزيرة، حيث حافظ مربون وقبائل وعائلات على أنساب الخيل عبر أجيال.
وتورد المنظمة ضمن الأرسان المعروفة في سوريا الصقلاوي الجدراني، والحمداني السمري، وكحيلان كروش البيضا، وهي الأرسان الثلاثة الموجودة في المزرعة.
واستخدمت أسماء الأرسان تاريخيًا للمساعدة في تتبع أصول الخيل وعائلاتها، إلى جانب معرفة المربي أو المالك الذي يعود إليه خط النسب.
ولا يعتمد توثيق أصل الخيل اليوم على معرفة الرسن وحدها، ويقول الذيبو إن الخيل المسجلة لديها سجل نسب ووثائق وعينات ووسم للتعريف، مشيرًا إلى أن الفحل «بلال الزعيم» يحمل جواز سفر ورقم تسجيل.
وتعتمد عملية توثيق الخيل العربية الأصيلة في سوريا على سجلات الأنساب ووسائل التعريف والتحقق من النسب.
ويميز الذيبو بين الخيل العربية السورية الأصيلة وما يسميه الخيل «المحسنة»، ضاربًا مثالًا بخيل يكون أحد أبويها من سلالة أجنبية والآخر سوريًا، ويقول إن معرفة أصل كل حصان تعتمد على وثائقه وسجل نسبه.
يوم يبدأ بالعلف
بعد تفقد الخيل صباحًا، يقدم الذيبو الوجبة الأولى، ويقول إن الحصان في المزرعة يستهلك نحو ستة كيلوغرامات من العلف يوميًا، موزعة بين التبن والنخالة والشعير.
وتقدم وجبتان أساسيتان صباحًا ومساءً، إضافة إلى الفصّة الخضراء وقت الظهر، وتحتاج الخيل، بحسب الذيبو، إلى ما بين ساعة وساعتين لإنهاء وجبتها.
وتتناول الأفراس طعامها في الساحة الخارجية، ثم يعيدها إلى الإسطبل ويبدأ بإخراج الفحول.
ولا يجمع الفحول معًا في الساحة، بل يخرج كل واحد منها على حدة، ويترك له وقتًا للحركة واللعب قبل إعادته إلى حظيرته.
ويقدر الذيبو حاجة الخيل في المزرعة إلى نحو ساعتين من الحركة والمشي يوميًا، سواء داخل الساحة أو ضمن برنامج تدريب منظم.
وبعد الحركة يأتي الاستحمام عند الحاجة. وفي الطقس الحار، يحمم الأفراس مرة أو مرتين أسبوعيًا، بينما قد تحمم الفحول كل يومين تقريبًا، بحسب حركتها وحاجة كل حصان.
ويولي مربي الخيل اهتمامًا لمواعيد العلف ونظافة المياه، ويضع المغص في مقدمة المشكلات الصحية التي يخشاها، إلى جانب العرج والحساسية وأمراض الكبد، كما يتجنب تعريض الخيل للهواء مباشرة بعد الحركة والتعرق.
تربية مكلفة
يصف الذيبو تربية الخيل اليوم بأنها مكلفة جدًا، ويختصر حديثه عن الاستمرار في هذا العمل بقوله: «الله ييسر».
وتحتاج الخيل في المزرعة يوميًا إلى العلف والرعاية والمتابعة، بينما تضيف الأفراس الخمس الحوامل متطلبات أخرى إلى العمل الذي يقوم به الذيبو.
ووضعت مديرية الخيول في وزارة الزراعة، في حديث نشرته وكالة الأنباء السورية (سانا) في تموز 2026، ارتفاع أسعار الأعلاف وتراجع المراعي بسبب الجفاف وصعوبة تأمين بعض الأدوية البيطرية وارتفاع تكاليف التربية ضمن أبرز التحديات التي تواجه مربي الخيل في سوريا.
وبحسب المديرية، تنتشر مزارع الخيل العربية الأصيلة في محافظات سورية عدة، من بينها الحسكة ودير الزور والرقة وريف دمشق، مع وجود مزارع مسجلة ومربين أفراد.
مهر في شهره الثاني
إلى جانب الأفراس والفحول، تضم المزرعة مهرًا ولد قبل شهرين، وبدأ الذيبو تعويده على التعامل معه والحركة والمشي والركض.
ولا يتعامل مع هذه المرحلة بوصفها تدريبًا للسباقات، بل فترة لتعويد المهر على وجود المربي والاستجابة له.
ويقول: «بدك تعوده من صغره وتكون دائمًا معه. كلما تعبت معه وهو صغير، بترتاح بعدين».
ويخصص الذيبو للمهر وقتًا للعب والمشي والركض، قبل الانتقال في مراحل لاحقة إلى تدريب أكثر تنظيمًا.
ويرى أن خيولًا من أرسان مختلفة يمكن إعدادها للسباقات، لكن ذلك يحتاج إلى المرور بمراحل تدريب متدرجة، لأن إدخال الحصان إلى المنافسة من دون إعداد صحيح قد يؤثر في أدائه وتعامله مع الفارس والمضمار.
للتوليد لا للسباق
لم تشارك المزرعة في أي سباق حتى الآن، إذ يتركز عملها على توليد الخيل، وجميع الأفراس الخمس الموجودة فيها حوامل حاليًا.
ويقول الذيبو إن الفرس تلد عادة مرة واحدة في العام، ويمكن أن تستمر بعض الأفراس في الإنجاب إلى أعمار متقدمة بحسب حالتها الصحية.
وعند الحديث عن المنافسات، يربط الذيبو الخيل العربية بسباقات السرعة والتحمل ومسابقات الجمال، بينما يرى أن مسابقات القفز ترتبط أكثر بسلالات أخرى من الخيل.
وتقام في ريف دمشق سباقات وأنشطة مخصصة للخيل العربية. ففي نيسان الماضي، افتتحت الجمعية السورية للخيول العربية الأصيلة موسم سباقات السرعة في مضمار دمشق بالديماس، بالتعاون مع مديرية الخيول العربية في وزارة الزراعة، واستمرت السباقات الدورية خلال العام.
واستضاف الديماس في تموز أيضًا بطولة العرض الوطني الحادية عشرة لجمال الخيل العربية الأصيلة، بمنافسات شملت الأمهار والمهرات والأفراس والأحصنة ضمن فئات عمرية مختلفة.
أما خيول المزرعة على أطراف داريا، فلا تزال خارج هذه المنافسات، فمع وجود خمس أفراس حوامل ومهر في شهره الثاني، يبقى يوم الذيبو موزعًا بين الإسطبل وساحة الحركة ومواعيد العلف والمياه، بينما يتركز عمل المزرعة حاليًا على التوليد والعناية بالخيل، في انتظار مواليد جديدة.