تشهد أسعار العقارات في داريا ارتفاعًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، مدفوعة بزيادة الطلب على الشراء، وتراجع المعروض، وارتفاع كلفة البناء واليد العاملة، إلى جانب تفاؤل بعض المالكين والمستثمرين بمستقبل عمراني جديد للمدينة بعد عودة الحركة السكانية وطرح ملفات التنظيم وإعادة الإعمار.
وبحسب عقاريين ومسؤولين محليين تحدثوا لعنب بلدي، لا يرتبط ارتفاع الأسعار بعامل واحد، بل بمجموعة عوامل تتداخل بين الموقع القريب من دمشق، ورغبة العائدين والمغتربين بالشراء، وتوقعات التنظيم العمراني، مقابل كلفة بناء مرتفعة تجعل سعر الشقة الجديدة بعيدًا عن قدرة كثير من الأهالي.
داريا أقل من جوارها
يرى عبد الله الحو، صاحب مكتب عقاري، أن أسعار العقارات في داريا ما تزال أقل مقارنة بمناطق قريبة من دمشق، مثل كفرسوسة والمزة، رغم قرب المدينة من مركز العاصمة.
وقال الحو لعنب بلدي إن داريا تبعد عن دمشق نحو ستة أو سبعة كيلومترات، ما يجعل الوصول إلى العاصمة سريعًا نسبيًا، بينما تتمتع بعض شوارعها بمساحات أفضل من شوارع في مناطق دمشقية مرتفعة السعر.
وبرأيه، فإن تحسن البنية التحتية في داريا، من طرق وصرف صحي وخدمات، يمكن أن يرفع قيمة العقارات أكثر، لأن المدينة تملك موقعًا قريبًا من العاصمة ومساحة عمرانية قابلة للتطور.
ويضيف الحو أن تحديد السعر في السوق العقارية يرتبط بالعرض والطلب، مشيرًا إلى أن بعض مناطق داريا تحظى بطلب أعلى من غيرها، مثل الشاميات، والنكاشات، ومناطق السكن الأول، بسبب توفر الخدمات أو قربها من مناطق حيوية.
مواد البناء ترفع السعر
لا ينفصل ارتفاع أسعار العقارات عن كلفة البناء، وفق العقاريين، إذ ارتفعت أسعار المواد الأولية وأجور اليد العاملة، ما انعكس على سعر المتر في الأبنية الجديدة.
ويقول الحو إن ارتفاع سعر مواد البناء، مثل البلوك، يرفع الكلفة تدريجيًا من لحظة خروج المادة من المعمل حتى وصولها إلى موقع البناء ثم استخدامها في الجدار، مع إضافة أجور النقل والعمال والمواد المرافقة.
وأوضح أن قطعة البلوك قد يكون سعرها من أرض المعمل نحو 3800 ليرة (نحو 0.28 دولار)، وتصل إلى موقع البناء بنحو 4000 ليرة (نحو 0.29 دولار)، ثم ترتفع كلفتها بعد البناء مع المواد وأجرة العامل إلى نحو 8000 ليرة (نحو 0.58 دولار).
ويذهب علي عليان، صاحب مكتب عقاري، إلى أن كلفة البناء وصلت إلى مستويات عالية، إذ يقترب سعر المتر من 400 دولار في بعض الحالات.
وبحسب عليان، فإن بناء شقة بمساحة 100 متر قد يكلف نحو 40 ألف دولار على العظم، قبل إضافة كلفة الإكساء التي قد تصل إلى نحو 20 ألف دولار، ما يجعل الكلفة الإجمالية بحدود 60 ألف دولار.
ويرى عليان أن هذا الرقم كبير بالنسبة إلى شقة متوسطة المساحة، ويجعل شراء العقار أو بنائه صعبًا على كثير من الأهالي، خاصة العائدين بعد سنوات تهجير وخسارة ممتلكات.
الطلب يتركز في مناطق مخدمة
يرى جلال داوود، صاحب مكتب عقاري، أن ارتفاع الأسعار نتيجة طبيعية لزيادة الطلب، معتبرًا أن العقار، مثل أي سلعة، يرتفع سعره عندما يزيد الطلب عليه.
وأضاف أن داريا تتميز ببيئة اجتماعية محافظة، ما يجعلها مرغوبة لدى شريحة من المشترين، ويمنحها قيمة إضافية مقارنة بمناطق أخرى.
وتتقاطع شهادة داوود مع ما ذكره الحو حول تركز الطلب في مناطق بعينها داخل المدينة، إذ يتجه كثير من الراغبين بالشراء إلى مناطق مخدمة أكثر، أو قريبة من الأسواق والطرق الرئيسية، مثل الشاميات والسكن الأول والنكاشات.
وتنعكس هذه الرغبة على الأسعار، إذ لا تتساوى قيمة العقارات بين منطقة وأخرى داخل داريا، بل تتحدد بحسب الموقع والخدمة والقرب من الطرق والقدرة على السكن أو الاستثمار.
مشاريع شفافة قد تخفض الكلفة
سارية الشربجي، وهو تاجر بناء سابق، يرى أن جزءًا من ارتفاع الأسعار يمكن التعامل معه عبر مشاريع سكنية تقوم على هامش ربح واضح ومحدود.
ويقترح الشربجي أن يتفق عدد من التجار على تنفيذ مشاريع بناء بهامش ربح يقارب 10% فقط، مع إعلان حسابات واضحة للمشترين، ما قد يشجع الأهالي على الاكتتاب ويخفض سعر الشقق.
وبحسب تقديره، فإن وجود الثقة بالجهة المنفذة ضروري لنجاح هذه الفكرة، إذ يحتاج المشترون إلى التعامل مع أشخاص معروفين بالالتزام والسمعة الجيدة.
ويرى الشربجي أن الاكتتاب المبكر يمكن أن يخفف رأس المال المطلوب من التاجر، فبدل أن يضع كامل كلفة المشروع من البداية، قد يبدأ بمبلغ أقل، ثم يمول المشروع جزئيًا من دفعات المكتتبين.
وبهذه الطريقة، يتوقع الشربجي إمكانية خفض سعر المتر من نحو 400 دولار إلى 300 دولار، مع تقديم الخدمات نفسها، ما قد ينعكس على سعر العقارات في داريا بنسبة تتراوح بين 20 و25%.
تفاؤل عمراني يقلل العرض
حسين مطر، مسؤول الإدارة المحلية، يربط ارتفاع أسعار العقارات في داريا بعاملين أساسيين، هما زيادة الطلب وانخفاض العرض، إلى جانب وجود تفاؤل بمستقبل عمراني وتنظيمي أفضل للمدينة.
وقال مطر إن داريا تعيش حالة خاصة من التفاؤل المرتبط بالفرص الإعمارية المنتظرة، ما حرك رغبة لدى أصحاب رؤوس الأموال بشراء العقارات.
وأضاف أن هذا التفاؤل لا يقتصر على أهالي داريا، بل يشمل أشخاصًا من خارج حدودها الإدارية يرغبون بامتلاك عقار فيها، نتيجة توقعات بحدوث نهضة عمرانية أو تنظيم مناطق جديدة.
وفي المقابل، أدى التفاؤل نفسه إلى تراجع العرض، بحسب مطر، إذ بات بعض مالكي الأراضي والعقارات يتريثون في البيع، انتظارًا لما قد تحمله المرحلة المقبلة من تنظيم أو ارتفاع إضافي في الأسعار.
وأشار مطر إلى أن الحديث عن مخططات تنظيمية لمناطق مثل الخليج، والجهود التي تبذلها الإدارة المدنية والبلدية والمجلس التنفيذي، ساهم في رفع التوقعات لدى السكان والمستثمرين.
لكنه عبر عن أمله ألا يستمر التضخم السريع في أسعار العقارات، معتبرًا أن بعض الأسعار الحالية لا تتناسب مع حجم التوقعات لدى الناس، وأن زيادة المعروض مستقبلًا عبر تنظيم مناطق جديدة قد تعيد شيئًا من التوازن إلى السوق.
سوق يتحرك فوق قدرة كثيرين
تظهر شهادات العقاريين أن ارتفاع أسعار العقارات في داريا ليس نتيجة المضاربة وحدها، بل يرتبط بموقع المدينة، وعودة الطلب، وارتفاع كلفة البناء، وتوقعات التنظيم، وتريث المالكين في البيع.
لكن هذه العوامل تجعل السوق يتحرك بوتيرة أسرع من قدرة كثير من السكان، خصوصًا العائدين الذين يحتاجون إلى ترميم منازلهم أو شراء شقة بعد سنوات الحرب.
وبحسب العقاريين فإن أسعار العقارات في داريا ما تزال أقل من جوارها القريب من دمشق، ورغم تحذيرهم من تضخم لا يتناسب مع القدرة الشرائية، تبقى السوق العقارية في المدينة مرتبطة بما ستشهده المرحلة المقبلة من تحسين للخدمات، وتنظيم عمراني، وزيادة في المعروض السكني.