داريا تستعيد مجزرتها الكبرى.. وعود بالمتابعة من دون مواعيد

استعاد ناجون وذوو ضحايا ومفقودين في داريا ما عاشوه خلال المجزرة التي شهدتها المدينة في آب 2012، خلال فعالية أهلية لإحياء ذكراها الرابعة عشرة، الثلاثاء 25 من آب، حضرها أكثر من ألفي شخص، إلى جانب ممثلين عن جهات حكومية وهيئات معنية بالمفقودين والعدالة الانتقالية.

ولم تقتصر الفعالية على استعادة أسماء الضحايا وشهادات الناجين، إذ طرح الأهالي مطالب تتعلق بمحاسبة مرتكبي الجرائم، وكشف مصير المفقودين، وجبر ضرر العائلات، خلال لقاء جمع عددًا منهم بوفد رسمي في مقبرة الشهداء.

ونقل المنسق العام للفعالية، ياسر جمال الدين، عن ممثلين لوزارة العدل والهيئتين الوطنيتين للمفقودين والعدالة الانتقالية حديثهم عن متابعة هذه الملفات، وإطلاق منصة لجمع بيانات المفقودين، والعمل على الذاكرة التاريخية للمدن، من دون تحديد مواعيد لتنفيذ ما طُرح خلال اللقاء.

وتوزع إحياء الذكرى على قسمين، أولهما لقاء في مقبرة الشهداء جمع ناجين وذوي ضحايا بوفد ضم وزير العدل والمحامي العام، إلى جانب ممثلين عن الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية.

أما القسم الثاني، فكان تجمعًا أهليًا أقيم مساء الثلاثاء، من الساعة السابعة والنصف حتى العاشرة، بحضور سكان من داريا وشهود على المجزرة وذوي ضحايا ومفقودين، إلى جانب مشاركين من المعضمية ووفد من مشايخ الطائفة الدرزية في صحنايا.

وحضر التجمع ممثل وزارة الدفاع سعيد نقرش، وأعضاء في مجلس الشعب، وممثلون عن مديرية أوقاف ريف دمشق ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل.

وتضمن البرنامج تلاوة للقرآن الكريم، وكلمات لمؤيد حبيب، أمين سر مجلس الشعب، وأسامة أبو زيد وعبد المنعم زين الدين والدكتور سليم أسد، إلى جانب كلمة لممثل عن الأوقاف وفقرات إنشادية قدمها المنشد يحيى حوا.

وقدر جمال الدين عدد الحضور بأكثر من 2300 شخص، وقال إن عددًا منهم تابع الفعالية وقوفًا بعد امتلاء المقاعد.

«الأم ما بتنسى»

بالنسبة إلى أم أيمن صريم، التي فقدت اثنين من أبنائها، أحدهما في بداية الأحداث والآخر قبل خروج العائلة من داريا بنحو شهر، تعيد ذكرى المجزرة خسارات لم تنتهِ آثارها بالنسبة إلى عائلات الضحايا.

وقالت لعنب بلدي إن «الأم ما بتنسى، ولا حدا بينسى ولده»، وربطت استمرار إحياء الذكرى بالمطالبة بحقوق الضحايا ومحاسبة المسؤولين عن قتلهم، إلى جانب تعريف الأجيال اللاحقة بأسمائهم وقصصهم.

وشارك محمد زهير الجزر، المعروف بأبي فراس، في دفن ضحايا المجزرة، ولا تزال في ذاكرته مشاهد دفن أفراد من أسرة واحدة وأقارب لهم.

وقال إن نقل ما حدث ضروري، لأن كثيرين لم يكونوا في داريا ولم يشاهدوا المجزرة، مضيفًا: «لازم نوصل صوتنا لأعلى مستويات، وما نخلي حدا ما بيعرف شو اللي صار بداريا».

ويتذكر الجزر حالة الخوف التي عاشها السكان وعدم معرفتهم بما ينتظرهم، ويتهم النظام السابق بحجب صور ما حدث وتقديم رواية تحمل سكان المدينة مسؤولية العنف، في وقت كان الأهالي، بحسب شهادته، يجمعون ضحاياهم ويدفنونهم.

أما أسامة حافظ، فيربط المجزرة بالخوف والنزوح الذي شهدته داريا بعدها. ويرى أن مرور 14 عامًا يجعل تعريف الجيل الذي لم يشهدها بما حدث أكثر أهمية.

وضرب مثالًا بابنه الذي لم يعش المجزرة ولا يتذكر المشاهد التي رافقتها، معتبرًا أن إحياء الذكرى يتيح للآباء نقل ما عاشوه إلى أبنائهم بدل أن تبقى الأحداث محصورة بمن شهدوها.

من جمع الضحايا إلى المطالبة بالتوثيق

شارك أديب المعضماني أيضًا في دفن الضحايا، وقال إن من أكثر المشاهد التي بقيت معه جمع جثامين من منطقة أرض نجاصة ونقلها بالعربات إلى مكان الدفن، في وقت لم تكن هويات بعض الضحايا معروفة.

ويرى المعضماني أن توثيق ما حدث يجب ألا يعتمد على الذاكرة الشفوية وحدها، وطالب بإدراج ما شهدته داريا ومناطق سورية أخرى ضمن المناهج الدراسية منذ المراحل الأولى، حتى تتعرف الأجيال الجديدة إلى هذه الأحداث من خلال مواد موثقة.

أما سيرين بيرقدار، فوصفت حضور الذكرى بشعورين متداخلين، أولهما الألم المرتبط بالمجزرة وما فقدته عائلات المدينة، والثاني عودة الأهالي إلى داريا بعد سنوات من الغياب.

ولم تكن بيرقدار داخل المدينة طوال فترة المجزرة، لكن أفرادًا من عائلتها كانوا فيها.

وقالت إن والدتها وشقيقتها عادتا إلى المنزل خلال القصف للحصول على أوراق ثبوتية، وإن شقيقتها شاهدت في الطريق مشاهد ظلت بعدها لأكثر من أسبوع تستيقظ وتنام وهي تبكي.

وقال الباحث الإسلامي عبد المنعم زين الدين إن إحياء أحداث الثورة والمجازر التي وقعت خلالها يحفظ رواية من عايشوها وينقلها إلى من لم يشهدها، معتبرًا أن إقامة الفعالية في مكان وقوع المجزرة تعطيها أهمية إضافية.

وربط زين الدين استعادة أسماء الضحايا بحق عائلاتهم في المطالبة بالعدالة، مؤكدًا ضرورة محاسبة مرتكبي الجرائم وعدم إفلاتهم من العقاب.

وقال المنشد يحيى حوا إن داريا ترتبط لديه بما قدمه سكانها خلال السنوات الماضية وبالسلم الأهلي، وإن عودة الأهالي إلى المدينة وإحياء الذكرى فيها بعد سنوات التهجير تحمل دلالة خاصة بالنسبة إليه.

وتحدث مشاركون لعنب بلدي أيضًا عن حكم الإعدام الغيابي الصادر بحق بشار الأسد وشخصيات من نظامه.

وقال الجزر وحافظ إن صدور الحكم لا يمثل بالنسبة إليهما إنصافًا كاملًا ما لم ينفذ، بينما عبر المعضماني وبيرقدار عن مواقف مختلفة بشأن العقوبة التي يرون أنها تتناسب مع الجرائم المرتكبة.

من التهجير إلى إحياء الذكرى في داريا

لم يبدأ تنظيم فعاليات ذكرى المجزرة بعد العودة إلى داريا، إذ قال ياسر جمال الدين إن ناشطين من المدينة كانوا يحيون ذكرى المجزرة والثورة خلال سنوات تهجيرهم في شمال غربي سوريا، ثم واصلوا تنظيمها بعد عودتهم.

وأوضح أن التحضير لفعالية هذا العام جرى بالتنسيق مع الهيئة الوطنية للمفقودين والهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، إضافة إلى المحافظة والجهات الإدارية في المنطقة، وشمل الحصول على الموافقات وتوجيه الدعوات إلى جهات رسمية وأهلية.

وتوزعت مهام التنظيم بين ناشطين من المدينة.

وتولى مالك الرفاعي التواصل مع الأهالي وعائلات الناجين، بينما عمل محمد الإمام على ترتيبات الصرح المقرر وضعه في المقبرة والتجهيزات اللوجستية وتنظيم اللقاء بين ذوي الضحايا والوفد الرسمي.

وكان التجمع المسائي مفتوحًا أمام الأهالي، في حين اقتصر اللقاء مع الوفد الرسمي على عدد من الناجين والناجيات وذوي الضحايا.

وقال جمال الدين إن المشاركين في اللقاء اختيروا ممن نجوا من المجزرة، أو فقدوا أقارب فيها، أو اعتُقل أو فُقد أحد أفراد أسرهم في ذلك اليوم، إلى جانب مصابين، بالتعاون مع الناجية خديجة هدلة.

وبحسب جمال الدين، حاول المنظمون أن يكون اللقاء مفتوحًا في نقاشه، بحيث يستطيع الناجون وذوو الضحايا عرض مطالبهم مباشرة على ممثلي وزارة العدل والهيئتين المعنيتين.

كما وجهت دعوات إلى مناطق أخرى للمشاركة، انطلاقًا من أن مطالب العدالة والمحاسبة لا تخص داريا وحدها، خصوصًا أن شهر آب يحمل ذكريات مجازر وقعت في أكثر من منطقة سورية.

ولخص جمال الدين مطالب المنظمين بالمحاسبة، وكشف مصير المفقودين، وجبر ضرر العائلات، إلى جانب حفظ أسماء الضحايا وتعريف الجيل الجديد بما حدث.

وخلال الفعالية، عرض المنظمون صورًا لضحايا المجزرة داخل خيمة مؤقتة أقيمت في المقبرة، ووضعوا لافتات ليضيف الأهالي إليها أسماء ضحايا آخرين.

وقال جمال الدين إن ناشطين وأفرادًا من المجتمع المحلي يعملون سنويًا على صيانة المقبرة التي تضم ضحايا المجزرة وقسمًا من ضحايا الحصار، بالتوازي مع العمل على مقبرة أخرى في المدينة.

مطالب الأهالي أمام الجهات الرسمية

أخذ اللقاء في مقبرة الشهداء مطالب الناجين وذوي الضحايا مباشرة إلى ممثلي الجهات المعنية بملفات العدالة والمفقودين.

ونقل جمال الدين عن وفد وزارة العدل تأكيده أن ملفات مرتكبي الجرائم ستتابع، وأن المسؤولية يجب أن ترتبط بالأفعال المنسوبة إلى الأشخاص، لا بمجرد بقائهم في مناطق سيطرة النظام السابق أو صمتهم خلال تلك الفترة.

كما نقل عن ممثلي الهيئة الوطنية للمفقودين حديثهم عن منصة لجمع بيانات المعتقلين والمفقودين، تتضمن، وفق ما أبلغ به المنظمون، أكثر من 150 سؤالًا تتعلق بأوصاف المفقود ومعلوماته وظروف اختفائه.

وبحسب جمال الدين، ستتيح المنصة للعائلة إدخال اسم الشخص الذي تعتقد أنه تسبب باعتقال قريبها، إذا كانت لديها معلومات بهذا الشأن، إلى جانب بيانات أخرى يمكن الاستفادة منها في البحث عن المفقودين.

أما ممثلو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، فتحدثوا، وفق جمال الدين، عن عمل يتعلق بالذاكرة التاريخية للمدن وتوثيق سردية الثورة.

لكن وزارة العدل والهيئتين لم تحدد، بحسب ما نقله جمال الدين، موعدًا لإطلاق المنصة أو جدولًا زمنيًا لمتابعة المطالب التي طرحها الأهالي خلال اللقاء.

رابطة للناجين وذوي الضحايا

يدرس منظمو الفعالية إنشاء رابطة لذوي ضحايا مجزرة داريا والناجين منها، تتولى تنظيم جمع الشهادات والمعلومات ومتابعة مطالب العائلات.

وقال جمال الدين إن الفكرة نوقشت مع حقوقيين، وإن النصيحة التي تلقاها المنظمون كانت جمع ما يتوافر من أسماء وشهادات وأدلة يمكن استخدامها في دعم الملفات.

ويواجه ذلك صعوبة تتعلق بطبيعة ما جرى خلال المجزرة والاعتقالات، إذ قال جمال الدين إن كثيرًا من الضحايا وذويهم لا يعرفون هوية الشخص المسؤول عن قتل قريبهم أو اعتقاله، ولا يملكون بالتالي أسماء أو أدلة تفصيلية يمكن تقديمها.

وبعد 14 عامًا على المجزرة، خرج المشاركون من فعالية هذا العام بمطالب تتعلق بالمحاسبة والمفقودين وجبر الضرر، وبحديث من الجهات الرسمية عن ملفات وخطط قيد العمل، لكن من دون مواعيد معلنة لتنفيذها أو آلية محددة لمتابعة ما طرحه الأهالي خلال اللقاء.

مقالات ذات صلة

تعريش الدراجات النارية في داريا.. هواة يطلبون مكانًا مخصصًا وسكان يطالبون بضبط الشوارع

من أرض حزايا إلى الشاميات.. ما علاقة مطعم الفلافل؟

حملة لجمع الكلاب الشاردة في داريا.. السكان يشتكون من خطرها على الأحياء وطرق المدارس