داريا تولد من جديد

بين ركام حي “الخليج” المتاخم لمطار المزة العسكري، وشوارع وسط المدينة التي تعج بالحياة حتى ساعات متأخرة من الليل، ترسم داريا اليوم مشهدًا لمدينة ترفض الموت السريري.

وبينما تعاني المدينة من تراجع الخدمات البلدية، يتكفل “النفس” المحلي ومبادرات المغتربين بترميم ما دمرته سنوات الحرب، في محاولة لإعادة بناء المدينة بالاعتماد على الخبرات المهنية والتجارية التي لطالما تميزت بها.

وتشهد داريا مؤخرًا قفزة ديموغرافية وعودة سكانية تفوق التوقعات، إذ تشير التقديرات الميدانية إلى ارتفاع عدد القاطنين من نحو 40 ألفًا إلى قرابة 200 ألف نسمة، وهي عودة لم تقتصر على النازحين في الداخل، بل شملت لاجئين عادوا من دول الجوار مثل تركيا والأردن ولبنان، محملين بخبرات مهنية وتقنية جديدة صبّوها في أسواق المدينة، لا سيما في قطاعي المطاعم والمفروشات اللذين استعادا بريقهما كواجهة اقتصادية للمنطقة.

هذا الحراك العمراني يتجاوز واجهة الأسمنت والجدران، ليضع “إعمار الإنسان” في صدارة التحديات الحقيقية، خاصة فيما يتعلق بردم الفجوة بين جيل الخبرة الذي عاصر استقرار المدينة، وجيل الشباب الذي كبر في سنوات الحرب والتهجير.

وتبرز هنا العدالة الانتقالية و”جبر الخواطر” كركيزة أساسية لاستدامة العودة، مع ضرورة الحفاظ على الهوية التراثية للمدينة في مواجهة التحديث العشوائي الذي قد يطمس معالمها التاريخية.

وعلى الصعيد الحقوقي، يطل ملف الملكيات العقارية كقنبلة موقوتة تواجه العائدين، خاصة في مناطق السكن العشوائي التي تعرضت لتدمير واسع.

فبينما تظل ملكيات وسط المدينة المنظمة موثقة في السجلات العقارية، يواجه أصحاب الحقوق في المناطق المحيطة، مثل منطقة الخليج، خطر ضياع أملاكهم بسبب غياب الوثائق أو تلفها، مما يلقي بمسؤولية كبيرة على عاتق منظمات المجتمع المدني لتوعية السكان وتثبيت حقوقهم العقارية قانونيًا.

ورغم دمار المؤسسات التعليمية بنسبة تصل إلى 70% وشح المياه في “نهر الديراني”، إلا أن اقتصاد المدينة يوصف اليوم بـ “الغليان”، حيث تربط شبكة المواصلات المدينة بمحيطها بشكل دائم، وتستمر حركة البيع والشراء في المحلات التجارية.

ويعتمد هذا النشاط والترميم المستمر للمراكز الصحية والمساجد بشكل أساسي على التحويلات المالية التي يرسلها المغتربون لأهاليهم، لتكون بمنزلة عصب الحياة الذي يحرك عجلة البناء في ظل غياب الخطط الدولية الشاملة لإعادة الإعمار.

لا يمكن فصل هذا المشهد عن الذاكرة المؤسساتية للمدينة، حيث تبرز تجربة جريدة عنب بلدي التي ولدت في أقبية داريا عام 2011 كواحدة من أولى المؤسسات الإعلامية المستقلة.

تلك التجربة التي بدأت بنشرات تُطبع سريًا وتوزع مخاطرة بحياة مؤسسيها، تحولت اليوم إلى مرجع إخباري موثوق في سوريا وخارجها، مؤكدة أن بناء المؤسسات هو أحد الأعمدة الأساسية التي قامت عليها المدينة في أصعب ظروفها.

في هذه الحلقة من برنامج “وين ما كنتو تكونو”، تلتقي عنب بلدي مع المهندس مظهر شربجي، أحد أبناء داريا ورئيس بلديتها السابق، في محاولة لقراءة واقع المدينة اليوم، بين ما تحقق من تعافٍ، وما لا يزال معلقًا بانتظار حلول عادلة ومستدامة.

مقالات ذات صلة

ذهبية وفضية وبرونزية.. لاعبو داريا يعودون من كأس العالم للكيك بوكسينج

«عم نسكر الشبابيك عم نختنق.. عم نفتحها عم نختنق».. حرائق النفايات تتجدد في الخليج بداريا

سرطان الثدي في داريا.. توعية بالكشف المبكر وتعريف بخدمات الفحص المجاني