قد تستيقظ يسرى من نومها عند سماع صوت طائرة، فتضع حجابها استعدادًا لمغادرة المنزل، كما اعتادت خلال سنوات القصف على داريا.
نورا أيضًا ما تزال تخاف من الصوت، لكنها تحاول ألا ينتقل خوفها إلى ابنها، بينما تقول علا، التي عاشت القصف في طفولتها، إن الطائرات لم تعد تثير لديها الخوف الذي كانت تشعر به سابقًا.
ثلاث تجارب مختلفة لسيدات عشن سنوات القصف، بقي فيها الصوت حاضرًا، لكن طريقة الاستجابة إليه تغيرت من واحدة إلى أخرى.
وتقول الأخصائية النفسية مرح صبح لعنب بلدي إن بعض الأشخاص يمكنهم التعامل مع الخوف عبر تمارين تساعدهم على التركيز على اللحظة الراهنة والتمييز بينها وبين التجربة السابقة، بينما تستدعي الأعراض التي تعطل حياة الشخص مراجعة مختص.
«باي» بدل الخوف
تقول نورا، وهي ربة منزل، إن صوت الطائرات يعيد إليها مشاعر الخوف التي عاشتها خلال سنوات القصف والدمار في داريا.
فبمجرد سماعه، تتذكر الفترة التي كان فيها مرور الطائرة يعني بالنسبة إليها احتمال وقوع قصف وما يرافقه من انتظار وترقب.
لكن نورا تحاول أن تتعامل مع الصوت بصورة مختلفة أمام ابنها.
تتذكر أنها حين كانت طفلة، وقبل أن ترتبط الطائرات لديها بالقصف، كان المحيطون بها يقولون لها «باي» عند مرور طائرة في السماء، فتحولت مشاهدتها إلى لحظة عادية بالنسبة إلى الطفل.
اليوم تستخدم العبارة نفسها مع ابنها، وتقول لعنب بلدي إنها لا تريد أن يحمل طفلها الخوف الذي بقي لديها، ولذلك تحاول ألا تظهر أمامه الاستجابة نفسها التي يثيرها الصوت فيها، وأن يتعامل هو مع مرور الطائرة بوصفه حدثًا عاديًا.
وفي الوقت نفسه، تحاول نورا أن تعتاد هي أيضًا على سماع الطائرات من دون ربطها في كل مرة بما عاشته خلال سنوات القصف.
تستيقظ وتضع حجابها
بالنسبة إلى يسرى، وهي ربة منزل وأم لثلاثة أطفال، يرتبط صوت الطائرة بذكرى من عام 2012، حين كانت داريا تتعرض للقصف.
تقول إن القصف طال الحارة التي يقع فيها منزل عائلتها، في محيط المشفى الوطني، وإن أحد المشاهد التي بقيت في ذاكرتها كان لجارهم وهو يسلم على والدها من بعيد، قبل أن يُقتل إثر سقوط قذيفة بالقرب منه.
بعد تلك الفترة، غادرت يسرى داريا، ثم غادرت سوريا، قبل أن تعود إلى مدينتها لاحقًا، لكن عودتها لم تغير استجابتها للصوت بالكامل.
تقول لعنب بلدي إنها قد تستيقظ حتى اليوم عند سماع طائرة، وتضع حجابها استعدادًا للخروج من المنزل، وهي استجابة ارتبطت بما كانت تفعله خلال سنوات القصف عندما كان عليها أن تكون مستعدة للمغادرة.
وتحاول يسرى، مع تكرار سماع الطائرات، أن تذكر نفسها بأن الصوت الذي تسمعه في الحاضر لا يعني بالضرورة تكرار ما عاشته في السابق.
«طالعة تحمينا»
تختلف استجابة علا، البالغة من العمر 20 عامًا، عن تجربتي نورا ويسرى.
عاشت علا القصف وهي طفلة، وتتذكر أنها كانت تخاف كثيرًا عند سماع صوت الطائرات، بسبب ما كانت تشاهده بعد ذلك من قصف وسقوط ضحايا.
وتقول إن خوفها لم يكن من الصوت وحده، بل مما عرفت في طفولتها أنه قد يحدث بعد سماعه.
أما اليوم، فتقول إن مرور الطائرات لم يعد يثير انتباهها أو يدفعها إلى الخوف كما في السابق، مضيفة: «طالعة تحمينا مو تضربنا متل زمان».
وتربط علا تغير استجابتها بتغير الظروف السياسية والأمنية، وبثقتها بالحكومة الحالية، ولذلك لم يعد الصوت يحمل بالنسبة إليها المعنى نفسه الذي ارتبط به خلال طفولتها.
العودة إلى المكان والوقت الحاليين
تقول الأخصائية النفسية مرح صبح إن الشخص الذي يستحضر تجربة سابقة عند سماع صوت الطائرة يمكنه استخدام تمارين التركيز على اللحظة الراهنة، بهدف إعادة انتباهه إلى المكان والوقت الحاليين.
وتقوم هذه التمارين، بحسب صبح، على ملاحظة مكان وجود الشخص وموضع قدميه وما يسمعه أو يلمسه والروائح المحيطة به، بما يساعده على توجيه انتباهه إلى ما يجري حوله في اللحظة الحالية.
وبعد التأكد من عدم وجود خطر فعلي، تنصح صبح بعدم الاستجابة تلقائيًا بالهرب أو الاختباء، مع عدم إنكار الخوف في الوقت نفسه.
ويمكن للشخص، وفق الأخصائية، أن يحدد سبب شعوره ويذكر نفسه بأن الصوت أعاده إلى تجربة سابقة، وأن الظروف التي يعيشها في اللحظة الحالية مختلفة.
وتقول إن تكرار ذلك يمكن أن يساعد على الفصل تدريجيًا بين صوت الطائرة والخطر في الحالات التي لا يكون فيها تهديد قائم.
كيف يتعامل الأهل مع خوفهم أمام الأطفال؟
لا يقتصر التعامل مع الصوت على الشخص الذي عاش تجربة القصف، إذ تلفت صبح إلى الطريقة التي يراقب بها الأطفال استجابة أهاليهم ويتعلمون منها.
وتقول إن الطفل قد يربط صوت الطائرة بالخطر عندما يرى المحيطين به يستجيبون له بخوف شديد أو بالهرب والاختباء.
وبدل إخفاء الشعور تمامًا، يمكن للأب أو الأم، بحسب صبح، أن يشرحا للطفل أن الصوت أعادهما إلى ذكرى صعبة ولذلك شعرا بالخوف، مع توضيح ما إذا كان هناك خطر قائم في اللحظة الحالية أم لا.
وبهذه الطريقة، تقول الأخصائية، يمكن للطفل أن يفهم أن خوف والديه مرتبط بتجربة عاشاها سابقًا، بدل أن يتعلم تلقائيًا أن صوت الطائرة يعني وجود خطر.
وتتقاطع هذه الطريقة مع ما تحاول نورا فعله مع ابنها حين تستخدم كلمة «باي» عند مرور الطائرة، في محاولة لعدم نقل استجابتها إلى طفلها.
متى يحتاج الخوف إلى مساعدة متخصصة؟
تفرق صبح بين الشعور بالخوف أو الضيق عند سماع صوت يذكر الشخص بتجربة سابقة، وبين أعراض تؤثر في قدرته على متابعة حياته.
فإذا شعر الشخص بالخوف، لكنه بقي قادرًا على مواصلة ما يفعله، يمكنه استخدام تمارين التركيز على اللحظة الراهنة وملاحظة مشاعره، وفق الأخصائية.
أما عندما تصبح الاستجابة شديدة إلى درجة تعطل النشاط اليومي، فتوصي صبح بمراجعة مختص.
وتضرب مثالًا بشخص يترك طعامه ويذهب للانعزال بمجرد سماع طائرة، أو يصبح غير قادر على ضبط استجابته ومتابعة ما كان يفعله.
وقد تظهر لدى بعض الأشخاص استرجاعات قهرية لا يقتصر فيها الأمر على تذكر تجربة القصف، بل يشعر الشخص كأنه يعيشها مجددًا، كما قد ترافق ذلك كوابيس أو أحلام مزعجة مرتبطة بالتجربة السابقة، بحسب صبح.
وتقول الأخصائية إن هذه الأعراض قد ترتبط باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، لكن تحديد الحالة يحتاج إلى تقييم متخصص، وعند تأثير الأعراض في العمل أو النوم أو الروتين اليومي ينبغي مراجعة طبيب نفسي أو أخصائي نفسي.