تنحني نساء من عائلة واحدة في داريا فوق ملحفة بيضاء مفروشة في أرض الدار، أمامهن كتل من الكشك نصف الجاف، تفركها الأيدي وتعيد جمعها، بينما تصل بقع الشمس المتسللة بين أوراق الشجر إلى أجزاء من القماش.
حول الجلسة أطفال يتابعون ما يجري، وتستمر الأحاديث بين النساء وهن يعملن، تتوقف بعض الأيدي للحظات ثم تعود إلى فرك الكتل المنتشرة فوق الملحفة.
بينهن تجلس مفيدة العبار، المعروفة بأم محمد خشفة، 75 عامًا، التي تعلمت إعداد الكشك منذ طفولتها، وتقول لعنب بلدي إن الفرك اليدوي كان الطريقة التي عرفتها في بيوت داريا، بينما يتجه كثيرون حاليًا إلى تجفيف الكشك وطحنه في المطحنة اختصارًا للوقت والجهد.
لكن أم محمد ما تزال تفضل الطريقة التي تعلمتها: «ما بنرضى نطحنه طحن، الفرك بيطلع أطيب».
عشر نساء حول الملحفة
لا تستطيع أم محمد إنجاز مرحلة الفرك بمفردها عندما تكون كمية الكشك كبيرة، فتجتمع معها أختها وبنت أخيها وزوجة أخيها وكنائنها وكنة أختها، وقد يصل عدد المشاركات إلى نحو عشر نساء.
تجلس كل واحدة عند طرف من الملحفة، وتبدأ بتفتيت الكتل وتمريرها تحت راحتيها.
تحتاج العملية إلى التكرار، فكلما صغرت القطع أعيد فركها حتى تصبح ناعمة بما يكفي للنخل.
وبحسب أم محمد، تحتاج هذه المرحلة إلى من تعرف طريقة الفرك، فلا يكفي تفتيت الكتل مرة واحدة للوصول إلى القوام المطلوب.
بعد ذلك، يجمع الكشك ويوضع في منخل مخصص له. ينزل الجزء الناعم من فتحاته، بينما تبقى قشور البرغل والقطع الخشنة في الأعلى، وهي التي يمكن طحنها لاحقًا.
وترى أم محمد أن الكشك الذي يمر من المنخل بعد فركه يحتفظ بقوام وطعم تفضلهما على طحن الكمية كاملة في المطحنة.
ولا تنكر أن العمل متعب، لكنها لا تفكر في الاستغناء عنه: «بس الفرك بيتعب والله، بس شو بدنا نساوي، بنحبه وبنفركه فرك».
وخلال العمل، تتحول الملحفة إلى جلسة عائلية أيضًا، إذ تنتقل النساء بين الأحاديث، وتتوقف بعضهن للحظات قبل العودة إلى الفرك، بينما تتناقص الكتل الكبيرة تدريجيًا أمامهن.
السيدة مفيدة العبار خلال مشاركتها في إعداد الكشك بداريا (عنب بلدي)
أيام قبل الوصول إلى الملحفة
لا تبدأ صناعة الكشك عند مرحلة الفرك، بل تسبق اجتماع النساء عدة أيام من تجهيز البرغل واللبن والتصفية والتجفيف.
وتشرح أم محمد أن المرحلة الأولى تمتد نحو خمسة أيام، ويجهز خلالها البرغل واللبن على دفعات بحسب الكمية.
وفي المقادير التي تستخدمها عائلتها، تحتاج خمسة كيلوغرامات من البرغل إلى نحو 25 كيلوغرامًا من اللبن.
بعد أن يتشرب البرغل، يضاف إليه الماء الساخن حتى ينتفخ جيدًا، ثم يصفى.
وتضع الأسرة البرغل بعد ذلك في سلة كبيرة تستخدم عادة للعنب، بعد تبطينها بملحفة نظيفة.
في المساء، يخلط اللبن مع البرغل داخل السلة، ثم تجمع أطراف الملحفة لتصبح على شكل صرة، وتوضع فوقها أثقال تساعد على إخراج الماء ومصل اللبن.
وتستمر عملية التصفية نحو يومين، وفق أم محمد، قبل نقل الخليط إلى «الدبجانة» أو سطل كبير، وتركه مدة تراوح بين ثلاثة وأربعة أيام.
بعد ذلك، تمد الملاحف تحت الشمس، ويوزع الخليط فوقها على شكل قطع صغيرة لتبدأ مرحلة التجفيف.
وعندما تتماسك القطع بما يكفي، تبدأ النساء بفركها.
تعاد العملية أكثر من مرة مع استمرار الجفاف، ثم ينخل الكشك لفصل الجزء الناعم عن القشور والقطع الخشنة.
ولا يعني الوصول إلى الكشك الناعم انتهاء العمل.
تقول أم محمد إن الكشك يترك مفرودًا على الملحفة حتى اليوم التالي ويغطى بملحفة أخرى، ثم يوضع في أوعية كبيرة تحت الشمس مدة قد تصل إلى 15 يومًا، مع تغطيته بشاش أبيض وتحريكه يوميًا، وبعد التأكد من جفافه، يعبأ في المرطبانات.
وبحسب تجربة أم محمد، لا يحتاج الكشك المجفف إلى الحفظ في البراد، ويمكن أن يبقى في المنزل مدة طويلة إذا جف جيدًا وتخلص من الرطوبة ومصل اللبن خلال مراحل التحضير.
الأدوات تغيرت والفرك بقي
ليست كل تفاصيل الطريقة التي تعلمتها أم محمد في طفولتها مستخدمة اليوم.
في السابق، كانت النساء يضعن تبن القمح وقش اليانسون في الأسفل، ثم يفرشن فوقهما ملحفتين ويوضع البرغل المخلوط باللبن داخلهما.
وتقول السيدة إن التبن وقش اليانسون كانا يساعدان على امتصاص مصل اللبن الخارج من الخليط. وكانت الملحفة تغلق على شكل صرة وتوضع فوقها الأثقال نحو يومين، قبل نقل الخليط إلى أوعية أخرى.
أما اليوم، فتستخدم عائلتها سلة العنب الكبيرة المبطنة بالملاحف، وهي طريقة تجدها أم محمد أنظف وأسهل.
تغيرت أداة التصفية، لكن العائلة لم تستبدل الفرك اليدوي بالطحن.
وبحسب ما تعرفه أم محمد، يستخدم الناس في مناطق أخرى البرغل واللبن أيضًا لإعداد الكشك، لكنهم يطحنونه بعد التجفيف.
أما الطريقة التي تعلمتها في داريا، فتقوم على فرك الكشك ونخله، ثم طحن ما يبقى من الأجزاء الخشنة فقط.
ويمتد موسم إعداد الكشك، بحسب أم محمد، من تموز حتى تشرين الأول من كل عام.
ويبدأ بعض الأهالي بتحضيره في تموز وآب، بينما تفضل هي الانتظار حتى أيلول أو تشرين الأول، إذ ترى أن الكشك يكون حينها أكثر بياضًا وأفضل طعمًا.
أخضر في الصيف ومونة للشتاء
قبل أن يصل الكشك إلى مرحلة التجفيف، تأكل العائلة من الخليط نفسه نوعًا تعرفه باسم «الكشك الأخضر».
يتكون من البرغل واللبن أيضًا، لكنه يؤكل طازجًا قبل التجفيف والفرك، ولذلك يرتبط تناوله بفترة إعداد الكشك في الصيف.
أما الكشك المجفف، فيحفظ ضمن مونة المنزل ويستخدم خلال الشتاء.
وتعدد أم محمد عدة طرق لإعداده، منها طبخه مع اللحم، و«الكشكية» بالزيت التي يفت فيها الخبز، إلى جانب الكشك «المنوش» الذي يؤكل بالغمس بالخبز.
ويأتي موسم الكشك ضمن أشهر تنشغل فيها العائلة بإعداد أنواع أخرى من المونة.
فمن تموز حتى تشرين الأول، بحسب أم محمد، تمشق الملوخية وتجفف، ويبدأ إعداد المكدوس في أيلول، ثم حمض الرمان في تشرين، إلى جانب حمض البندورة ومواد أخرى تفضل العائلة إعدادها في المنزل.
وعلى الملحفة، تستمر الأيدي في فرك ما تبقى من الكتل. يقل حجم القطع مع كل جولة، ويتجمع تحت المنخل الكشك الناعم الذي تتمسك أم محمد بالطريقة اليدوية للوصول إليه.
وعندما تصفه، تقول: «بيطلع مثل الثلوج وما أطيبهن».