المفاضلة تفتح باب الاختيار.. طالبات في داريا يتحدثن عن دور أسرهن في رغباتهن

صورة تعبيرية مولدة بالذكاء الاصطناعي (عنب بلدي)

تريد أسماء دراسة الحقوق، لكنها تستعد للتسجيل في مفاضلة القبول الجامعي بتخصص آخر إرضاءً لأسرتها.

ترى الأسرة أن دراسة الحقوق والعمل فيه لا يناسبانها بسبب تعاملها مع الرجال خلال الدراسة والعمل، فيما تقول أسماء إنها لا تحب البديل الذي تفكر فيه، لكنها ستحاول تقبله.

وتختلف تجارب طلاب من داريا مع حضور رأي الأسرة عند اختيار التخصص الجامعي، فبينما غيرت أسماء رغبتها استجابة لموقف أهلها، توقفت غادة عن الدراسة بعد التحاقها بتخصص لم تكن تعرف عنه شيئًا، في حين وجدت نسرين دعمًا من أسرتها لاختيار الفنون الجميلة.

أما نورهان، فاختارت الطب وهي تحبه، بالتوازي مع رغبة والدها في أن تصبح طبيبة، لكن طريقها الجامعي امتد لسنوات بسبب انتقالها إلى تركيا وصعوبة متابعة دراسة الطب باللغة التركية، قبل أن تعود إلى سوريا وتستأنف دراستها.

وتأتي هذه التجارب بالتزامن مع بدء إجراءات القبول الجامعي للعام الدراسي الجديد، بعد إعلان وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في 30 من أيلول، صدور مفاضلات القبول الجامعي للعام الدراسي 2026-2027.

الحقوق رغبة تصطدم بتحفظ الأسرة

تقول أسماء، وهي من المقبلات على التسجيل في مفاضلة القبول الجامعي، إن دراسة الحقوق تتوافق مع شغفها وطموحها، لكن أهلها يعارضون اختيارها.

وبحسب أسماء، ترى أسرتها أن الحقوق تخصص لا يناسبها، بسبب ما يتطلبه من تعامل مع الرجال خلال الدراسة والعمل، وتربط موقفها بطبيعة المجتمع المحافظ في داريا.

قررت أسماء تغيير رغبتها بناء على موقف أهلها، رغم أنها لا تحب التخصص البديل الذي تفكر فيه.

وتميل حاليًا إلى التسجيل في الأدب العربي، على أمل أن تعمل لاحقًا معلمة أو في مجال التدقيق، أو في عمل لا يتطلب، بحسب وصفها، تعاملًا زائدًا مع الرجال.

وتصف شعورها بالخيبة والعجز لأنها لا تستطيع اختيار التخصص الذي تريده، ولا تعتقد أنها قادرة على تغيير موقف أهلها مهما حاولت إقناعهم.

«إذا ما طلعلك طب اقعدي بالبيت»

كانت غادة تسمع من والدها خلال دراستها للبكالوريا عبارة: «إذا ما طلعلك طب اقعدي بالبيت».

وتقول إن والدها لم يكن يرى مبررًا لخروجها من المنزل للدراسة إلا إذا كان التخصص يستحق ذلك في نظره، ولم يكن يعد التخصصات الجامعية الأخرى مناسبة لها.

أمضت غادة عام البكالوريا وهي تحاول الوصول إلى الفرع الذي يريده والدها، وحصلت على مجموع تصفه بأنه جيد جدًا، لكنه لم يؤهلها لدراسة الطب البشري.

وعندما ظهرت النتائج، تقول إن والدها لم يكن راضيًا عنها، وأخبرها أنه لن يسمح لها بإكمال الدراسة أيًا كان الفرع الذي تقبل فيه، رغم أن مجموعها كان يتيح لها خيارات أخرى، من بينها الاقتصاد والحقوق.

ولأنها لم تكن متأكدة أصلًا من قدرتها على الذهاب إلى الجامعة، تقول غادة إنها رتبت رغباتها في المفاضلة عشوائيًا.

قُبلت في كلية العلوم السياسية، وهي تقول إنها لم تكن تعرف شيئًا عن التخصص عندما وضعته ضمن رغباتها.

سجلت في الجامعة سرًا، ثم تمكنت من إقناع والدها بالسماح لها بالدوام، لكن التجربة لم تستمر طويلًا، إذ توقفت عن الذهاب إلى الجامعة بعد نحو شهر.

وتقول إنها فقدت رغبتها في الدراسة، ولا تعرف حاليًا ما الذي ستفعله.

الفنون الجميلة بدعم الأسرة

وصلت نسرين حديثًا إلى داريا قادمة من لبنان، وقدمت امتحان البكالوريا هذا العام في معهد خاص.

وتقول إنها واجهت صعوبة في التأقلم مع الدراسة بسبب اختلاف البيئة والمنهاج عما اعتادت عليه في لبنان.

لم تحصل نسرين على المجموع الذي كانت تتمناه، لكنها تقول إن أهلها فخورون بما استطاعت تحقيقه في تلك الظروف، وإنهم كانوا مصدر دعم نفسي لها خلال فترة الدراسة.

ولا يفرض أهلها عليها تخصصًا معينًا، بحسب قولها، ولا يعارضون تسجيلها في أي فرع يتيحه مجموعها.

تريد نسرين دراسة الفنون الجميلة، لأنها تحب الفن وترغب في التعمق فيه، وتقول إن أسرتها تشجعها على هذا الاختيار.

من بكالوريا 2010 إلى السنة الثالثة في الطب

قدمت نورهان امتحان البكالوريا للمرة الأولى عام 2010، وكان والدها يتمنى أن يراها طبيبة.

تؤكد نورهان أن والدها لم يجبرها على اختيار الطب، لكنها أحبت التخصص وأرادت في الوقت نفسه تحقيق أمنيته.

التحقت بمعهد خاص خلال دراستها للبكالوريا للتركيز على الدراسة، لكن مجموعها في المرة الأولى لم يؤهلها لدخول الطب، رغم أنه كان يتيح لها دراسة تخصصات هندسية.

لم تسجل في أي منها، وأعادت البكالوريا، ثم بدأت دراسة الطب عام 2012.

لاحقًا غادرت نورهان إلى تركيا، وبعد نحو عامين سجلت في كلية للطب هناك، لكنها واجهت صعوبة في متابعة الدراسة باللغة التركية، ولم تتمكن من مواصلتها كما كانت تريد.

عادت إلى سوريا العام الماضي، واستأنفت دراستها الجامعية من السنة الثانية، ثم انتقلت هذا العام إلى السنة الثالثة.

وتقول نورهان إنها تحب الطب، لكنها تشعر بالتعب من طول الطريق الذي استغرقته دراستها، فعندما بدأت التخصص، لم تكن تتوقع أن تبقى بعد كل هذه السنوات في المرحلة الجامعية.

وتزيد مقارنة مسارها بأصدقائها من شعورها بالحزن، إذ تخرج معظمهم وبدأوا العمل، بينما ما تزال هي في السنة الثالثة.

ومع ذلك، بقيت رغبة والدها في أن تصبح طبيبة دافعًا لها إلى الاستمرار. وتقول إنها عندما تواجه صعوبة في الدراسة تتذكر أمله بها وتحاول المواصلة.

لماذا يتمسك الأهل بتخصص معين؟

ترى الأخصائية الاجتماعية بيان كوكي أن أسباب تدخل الأسر في اختيار التخصص الجامعي تختلف من حالة إلى أخرى.

وتقول لعنب بلدي إن بعض الأهالي قد يحاولون تحقيق حلم دراسي لم يتمكنوا هم من تحقيقه عبر أبنائهم، بينما يدفع المجموع المرتفع أسرًا أخرى إلى الإصرار على تخصص معين، حتى عندما لا يتوافق مع ميول الطالب أو قدرته على تحمل متطلباته.

وتضرب مثالًا بطالب يحب الشعر واللغة العربية، بينما تريده أسرته طبيبًا، أو بطالب يميل إلى العلوم لكنه يخاف من رؤية الدم، فيدفع إلى الطب لمجرد أن مجموعه يسمح له بدراسته.

وتشير كوكي أيضًا إلى تأثير المكانة الاجتماعية والعائد المادي، إذ تربط بعض الأسر فرص العمل أو الدخل أو نظرة المجتمع بعدد محدود من التخصصات.

لكن الطالب، بحسب كوكي، هو من سيخوض الدراسة والامتحانات ويتعامل يوميًا مع المواد والأساتذة ومتطلبات التخصص.

وقد ينعكس الالتحاق بفرع لا يتوافق مع ميوله على تركيزه ورغبته في الدراسة وحالته النفسية، وفق كوكي، التي تذكر العزلة والتشتت والتفكير المفرط ضمن الآثار التي قد تظهر في بعض الحالات.

وقد يتعثر الطالب سنوات في تخصص لا يريد دراسته، بينما يتخرج أقرانه ويبدؤون العمل.

وترى كوكي أن دور الأسرة هو تقديم النصيحة والدعم، مع ترك مساحة للطالب لاتخاذ القرار المتعلق بتخصصه.

المفاضلة صدرت.. والاختيار ينتظر الطلاب

أعلنت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، في 30 من أيلول، صدور مفاضلات القبول الجامعي للعام الدراسي 2026-2027، واعتمدت هذا العام منظومة إلكترونية موحدة لمختلف مسارات القبول.

وبحسب الوزارة، تبدأ إجراءات التسجيل بإنشاء الطالب حسابه وتثبيت بياناته الشخصية، من دون إدخال الرغبات في هذه المرحلة، على أن تفتح في المرحلة الثانية إمكانية إدخال الرغبات وترتيبها وتثبيتها وفق التعليمات التي تعلنها الوزارة.

ومع اقتراب مرحلة ترتيب الرغبات، تقول كوكي إن بعض الطلاب يصلون إلى المفاضلة من دون امتلاك تصور واضح عن التخصصات الجامعية المتاحة لهم، وقد يبنون اختيارهم على اسم التخصص أو نظرة الأسرة إليه من دون معرفة طبيعة الدراسة داخله.

وتقترح الاستفادة من الأنشطة التعريفية، والتحدث إلى طلاب يدرسون الفروع التي يفكر الطالب فيها وإلى أشخاص مختصين بها، للتعرف إلى المواد والصعوبات ومتطلبات الدراسة.

ويمكن للأسرة، بحسب كوكي، الاستفادة من معرفة ميول أبنائها خلال سنوات الدراسة: هل يميل الطالب إلى الحفظ أم إلى حل المسائل؟ وما المواد التي يفضلها؟ وهل يستطيع تحمل حجم الدراسة ومتطلبات التخصص الذي يفكر فيه؟

كما تدعو إلى البحث في فرص العمل والدخل وإمكان متابعة الدراسات العليا، إلى جانب صعوبة الدراسة والدورات أو المهارات الإضافية التي قد يحتاج إليها الطالب.

ولا ينبغي تجاهل الكلفة المالية لبعض التخصصات، بحسب كوكي، ففي طب الأسنان، على سبيل المثال، يمكن أن تشكل المواد والتطبيقات العملية عبئًا على أسرة ذات دخل متوسط أو أقل.

وترى أن على الطالب بدوره ألا يكتفي بإعلان اسم التخصص الذي يريده، بل أن يتعرف إليه ويشرح لأهله أسباب اختياره وما يعرفه عن الدراسة والعمل بعد التخرج.

وبالنسبة إلى الأخصائية، لا ينتهي اختيار التخصص بالحصول على شهادة جامعية، بل بما إذا كان الطالب قادرًا على الاستمرار في المجال والعمل فيه والتطور بعد التخرج.

مقالات ذات صلة

دفتر النقوط في داريا.. هدايا المناسبات تحفظ بالأسماء وترد بزيادة

على الصاج نفسه.. أم فواز تخبز في داريا منذ خمسين عامًا

أطفال بلا تسجيل مدني في داريا.. حضور الصفوف لا يضمن وثيقة مدرسية