في مدرسة “بنات داريا المحدثة الثالثة”، لا تتحدث سحر الجبان عن المكان بصفته بناءً مدرسيًا فقط، بل كجزء طويل من حياتها وذاكرة المدينة التعليمية.
تعود الجبان إلى الممرات والغرف الصفية والوجوه التي مرت من هناك وكأنها لم تغادرها منذ سنوات. ففي هذه المدرسة، أمضت نحو ثلاثة عقود بين التعليم والإدارة، قبل أن تتركها عام 2010، بعد مسيرة بدأت أواخر سبعينيات القرن الماضي، حين اختارت التعليم “حبًا بالمهنة”، كما تقول لعنب بلدي.
درست الجبان البكالوريا، ثم تابعت في “الصف الخاص” لتتخرج عام 1979، وتعين بداية في مدرسة الشهيد فياض الحو، قبل أن تنتقل عام 1980 إلى مدرسة بنات داريا الثالثة.
بعد سنوات من العمل التعليمي والإداري، تسلمت إدارة المدرسة عام 1989، وهي مرحلة تصفها بأنها كانت “صعبة” بسبب حجم المسؤولية، لكنها كانت “ممتعة” في الوقت نفسه.
مدرسة بحجم حي كامل
في ذاكرة الجبان، لم تكن داريا الثالثة مدرسة عادية. كانت واحدة من أكبر مدارس البنات في المدينة، تستقبل أعدادًا كبيرة من التلميذات في مرحلة كان الضغط السكاني يتزايد، ولا توجد مدارس كافية في بعض المناطق، مثل السكة والفصول الأربعة.
كان عدد التلميذات يتراوح سنويًا بين 1800 و2200 تلميذة، بينما تراوح عدد الشعب الصفية بين 20 و24 شعبة، ووصل في إحدى السنوات إلى 48 شعبة بسبب الكثافة العالية.
كانت المدرسة تعمل بنظام الدوامين، صباحي يبدأ عند السابعة والنصف، ومسائي يمتد حتى الرابعة والربع عصرًا، ما جعل الإدارة اليومية للمدرسة مهمة واسعة تتجاوز متابعة الصفوف إلى تنظيم حركة التلميذات والمعلمات والخدمات والامتحانات.
وتقول الجبان إن المدرسة كانت في تلك الفترة أكثر استقرارًا مما هي عليه اليوم، متمنية أن يعود واقع التعليم “مثل الأول وأحسن”.
“التربية قبل التعليم”
تختصر الجبان فلسفة العمل المدرسي بعبارة واضحة: التربية قبل التعليم.
كان يومها الإداري يبدأ بمتابعة شؤون التلميذات والمعلمات، وتوزيع المهام، والاطلاع على الدروس والخطط والنشاطات، إضافة إلى الاهتمام بتأمين مستلزمات المدرسة من كتب وأثاث ووسائل تعليمية وتدفئة ومياه وكهرباء.
لم تكن الإدارة، في نظرها، مكتبًا منفصلًا عن تفاصيل المدرسة، كانت مسؤولية يومية عن الصفوف والساحة والنظافة والعلاقة مع الأهالي، وعن صورة المدرسة داخل المدينة.
وتتذكر أن العلاقة بين المدرسة والأهالي كانت جيدة، تظهر من خلال مجالس الأولياء وزيارات الأهالي وتعاونهم مع الإدارة بما يخدم مصلحة التلميذات والمدرسة.
نشاطات خارج الصف
تتحدث الجبان عن زمن كانت فيه المدرسة أكثر من مكان لتلقي الدروس.
فقد شهدت مدرسة داريا الثالثة مسابقات ثقافية وعلمية وفنية، وحلقات بحث، ومعارض مدرسية، ورحلات، وحملات تشجير، ودورات لمحو الأمية، إلى جانب عروض مسرح أطفال وندوات بيئية ومشاركات في معرض الكتاب.
وكانت الإدارة تتابع حالات التسرب المدرسي وتحاول معالجة أسبابها، وتكرم الطالبات المتفوقات، وتدعم تدريب الكادر التعليمي.
ومن المحطات التي بقيت في ذاكرتها إقامة المهرجان القطري للطلائع داخل المدرسة، وزيارة وزير التربية الأسبق غسان الحلبي، إضافة إلى تكريمات حصلت عليها المدرسة من مديرية التربية ونقابة المعلمين والمؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية.
هذه التفاصيل، بالنسبة إليها، ليست نشاطات عابرة، بل جزء من زمن بقي حاضرًا في ذاكرتها بعد التقاعد.
أسماء لا تغادر الذاكرة
ورغم مرور سنوات طويلة على تقاعدها، ما زالت الجبان تستحضر أسماء كثيرة من المعلمات والإداريات اللواتي عملن معها في المدرسة.
وتذكر من بينهن إيمان الخاص، وعبير الحمد، وسامية مربية، وماجدة الخطيب، وسوزان البقاعي، وخلود خسارة، وغصون السماوي، وجميلة الدربولي، وميساء نجم الدين، وهيام الطمير، وهدى فرهود، وثناء العزب.
كما تتحدث عن الموجه التربوي محمد عمر الحو، الذي رافق المدرسة لنحو 14 عامًا، وكان من الشخصيات المؤثرة في مسارها التربوي.
ولا تقتصر ذاكرتها على زميلات العمل فقط، بل تمتد إلى الطالبات اللواتي مررن من المدرسة ثم أصبحن جزءًا من حياتها لاحقًا.
وتذكر من بينهن نداء قصاص، وياسمين برازي، وإيمان البسرك، وهازار جعنينة، ولمى صبورة، إضافة إلى كثيرات غيرهن ما زالت تتذكر وجوههن وإن لم تستطع تعداد أسمائهن جميعًا.
وتقول إن بعض الطالبات السابقات يوقفنها في الشارع ليسلمن عليها ويحدثنها عن حياتهن وأعمالهن وأسرهن، بينما تشعر بسعادة خاصة عندما ترى بعضهن في مواقع مسؤولية أو عندما تكتشف أن طالبة سابقة أصبحت معلمة.
وتضيف أن رؤية بعض طالباتها وهن يدرّسن في المدرسة نفسها تعني لها أن الجهد الذي بُذل على مدى سنوات لم يذهب سدى، وأن الرسالة التربوية انتقلت من جيل إلى آخر.
آخر يوم في المدرسة
مع بداية الثورة السورية، بدأت ظروف المدرسة تتغير. تقول الجبان إن معظم المعلمات نقلن إلى مناطق سكنهن بسبب صعوبة الظروف والمواصلات، واستبدلن بمعلمات وكيلات من داريا.
ورغم ذلك، بقي المستوى التعليمي مستمرًا، بحسب قولها، إلى أن وقع التهجير وأغلقت المدرسة عام 2012.
أما أصعب لحظة مرت عليها داخل المدرسة، فكانت آخر يوم لها فيها.
تقول إنها ودعت زميلاتها المعلمات والإداريات وبعض الطالبات، وكانت تلك لحظة “صعبة وقاسية”، لا تزال تتذكر أثرها حتى اليوم.
لم تكن مغادرة مكان العمل بالنسبة إليها خروجًا من مبنى فقط، بل نهاية مرحلة طويلة من علاقتها اليومية بالمدرسة وبطالباتها وبفريق تعليمي تشكلت معه سنوات من الخبرة والذاكرة.
العودة إلى مدرسة تغيّرت
بعد سنوات، زارت الجبان المدرسة التي عملت فيها طويلًا.
لم تكن المشاعر خالية من الحنين، كما تقول، فالعودة إلى المكان أعادت معها صورًا كثيرة من الماضي.
ترى الجبان أن واقع المدارس سابقًا كان أفضل من اليوم من حيث الاستقرار، لكنها تشيد في الوقت نفسه بعمل الإدارة الحالية في مدرسة بنات داريا الثالثة، وتقول إن المديرة الحالية، أسماء قريطم، تعمل بجد وتفان وإخلاص مع المعلمات للوصول إلى أفضل مستوى ممكن للمدرسة.
وتشير إلى أن المدارس اليوم تواجه صعوبات مختلفة، بعضها مرتبط بالإمكانات، وبعضها بآثار السنوات الماضية على العملية التعليمية.
وترى الجبان أن المدرسة تحتاج اليوم إلى وسائل تعليمية وإذاعة مدرسية وصالة رياضية لفصل الشتاء، وإعادة تأهيل قبو المدرسة ليعود مركزًا للنشاطات كما كان سابقًا.
رسالة إلى الجيل الجديد
لا تنظر الجبان إلى التعليم بوصفه مرحلة انتهت بتقاعدها، فرسالتها إلى الطالبات والأجيال الجديدة ما زالت تحمل لهجة المديرة والمعلمة معًا.
تقول لكل طالبة: اختاري هدفك في الحياة حسب ميولك وظروفك وإمكاناتك، واعملي لتحقيقه. كوني فاعلة في المجتمع، فالمرأة نصف المجتمع وتربي نصفه الآخر.
وتدعو الطالبات إلى استغلال الوقت بما يعود عليهن بالفائدة، واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي بما يخدم مصلحتهن لا بما يضيع وقتهن.
أما أمنيتها لمدارس داريا اليوم، فهي أن تتجاوز صعوبات العمل التربوي، وأن تعمل بجد على تنشئة جيل واعٍ ومثقف يشارك في بناء سوريا الحديثة.
ذكريات “الزمن الجميل”
بعد التقاعد، تصف الجبان نفسها بأنها “ربة منزل”، لكنها لا تتعامل مع التقاعد بوصفه انقطاعًا عن الذاكرة التربوية.
ما بقي من المدرسة، كما تقول، هو “ذكريات الزمن الجميل”.
وبين ذاكرة مديرة سابقة وعودة المدرسة إلى استقبال الطالبات مجددًا، تبدو “بنات داريا الثالثة” أكثر من مؤسسة تعليمية، فهي جزء من ذاكرة اجتماعية في المدينة، ومكان مرت منه أجيال من الطالبات والمعلمات، قبل أن تغير الحرب وجوه المدينة ومدارسها.