قبل أن يكتمل ضوء الصباح فوق أسطح داريا، تكون عشرات الحمامات قد سبقت صاحبها إلى حواف الجدران وسقف “الحضير”.
بعضها يقف ساكنًا يراقب، وبعضها يتحرك بخطوات قصيرة فوق الإسمنت، فيما تحلق أخرى في دوائر واسعة قبل أن تعود إلى المكان نفسه الذي اعتادته.
يصعد رفيق جمال الدين إلى السطح حاملًا فنجان قهوته، ويجلس على كرسي بلاستيكي في المساحة المفتوحة، بينما تنتشر الحمامات حوله من دون خوف.
لا يبدو المشهد استثنائيًا بالنسبة إليه، فهو يتكرر منذ سنوات، حتى أصبح جزءًا من روتينه اليومي.
يرتدي قبعة سوداء وسترة رمادية فوق قميص أحمر، ويقضي وقتًا في مراقبة الطيور أكثر مما يقضيه في الحديث عنها.
بين حين وآخر يطلق صفيرًا قصيرًا أو يلوح بقطعة قماش في الهواء، فتستجيب مجموعة من الحمام وترتفع معًا في السماء، قبل أن تبدأ بالدوران فوق الحي.
لا يعتبر رفيق نفسه تاجرًا للحمام، ولا يتحدث عن الهواية كمصدر دخل. بالنسبة إليه، يكفي أن يبدأ نهاره بين الطيور.
يقول لعنب بلدي: “بحب اطلع الصبح أقعد ساعتين حدهم، بشرب فنجان القهوة، وبكشهم راس راسين، وبعدها بروح لعند رفيقي، منشرب كاسة شاي ومنقعد”.
بدأت الحكاية في العاشرة
يصعب على رفيق تحديد اللحظة التي أصبح فيها “حميماتيًا”، لأن الهواية كانت موجودة في البيت قبل أن يصبح قادرًا على تربية الطيور بنفسه.
يقول إنه بدأ تربية الحمام وهو في العاشرة من عمره تقريبًا، مضيفًا أن جده كان من هواة الحمام، وكذلك أخوه وشقيق آخر، لتنتقل الهواية بين ثلاثة أجيال من العائلة.
ويصفها بأنها “سوسة”، وهي كلمة يستخدمها هواة الحمام في سوريا للدلالة على الهواية التي يصعب تركها مهما مضى عليها من سنوات.
لكنه يرى أن لهذه “السوسة” جانبًا إيجابيًا أيضًا.
“حلوة ما تأذي جارك، حلوة ما تضر جارك، سوسة بتنهيك عن العالم.. بتقعد مع رفقاتك الحميماتية، بتحكي شو اشتريت، وشو بعت، وشو زقّيت”، يقول رفيق.
في نظره، لا تمنحه هذه “السوسة” المتعة فقط، بل تبعده أيضًا عن أحاديث الناس ومشكلاتهم اليومية. فهي تشغله بطيوره وأحوالها، وبجلسات الحميماتية التي تدور حول الفراخ الجديدة، والأدوية، ونتائج الإنتاج، والحمامات التي عادت إلى الحضير، أو تلك التي هبطت في مكان آخر.
الحميماتي رفيق يحمل إحدى حماماته على سطح منزله في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
حضير صغير.. وعالم كامل
في زاوية السطح ينتصب الحضير، غرفة بسيطة من البلوك والخشب والشبك المعدني، لا توحي من الخارج بما يجري داخلها.
خلف الباب الصغير تقضي أزواج الحمام معظم ساعات النهار، قبل أن تخرج إلى الطيران أو إلى البحث عن الحبوب والماء.
لا تبدو الطيور متشابهة كما قد يراها الزائر للمرة الأولى. فبالنسبة لرفيق، لكل حمامة شكل مختلف، وسلوك مختلف، وحتى طريقة مختلفة في الطيران.
وحين يشير إلى إحدى الحمامات ذات اللون الأصفر المائل إلى البني، يقول إنها من نوع “الشكلي بأصفر”، ويشرح أنها أصبحت اليوم أمًا، وأن فرخها الأول بدأ يخرج من الحضير، بينما تستعد لوضع بيض جديد.
لا يحتاج إلى النظر إلى الحلقة المعدنية في رجل الحمامة ليعرفها، ولا إلى الإمساك بها بين يديه. يكفي أن يراها تطير.
“بعرفها وهي بالسما”
من أكثر ما يلفت الانتباه في حديث رفيق ثقته بقدرته على تمييز حمامه وهو يحلق بين عشرات الطيور.
يقول إنه يستطيع معرفة إن كانت هناك حمامة غريبة دخلت مع سربه قبل أن تهبط على السطح.
ويشرح ذلك قائلًا: “إذا كان عندي ميتين طير، وإجا بقلبهم طير غريب، بعرفه. الطيور تبعي إلها طريقة بالطيران، وإذا كان في طير غريب بيكون واضح بينهم”.
ولا يقتصر الأمر على حمامه وحده، فهو يقول إنه يعرف أيضًا حمام عدد من جيرانه وهواة الحي، ويضيف: “أي حمام بيطير فوقي بعرف لمين”.
لا يعتبر رفيق هذه القدرة مهارة خاصة، وإنما نتيجة سنوات طويلة من مراقبة الطيور، إذ يصبح لكل سرب، بحسب قوله، أسلوبه في الطيران والعودة إلى الحضير.
ولا يفسر ذلك بامتلاك الحمام علامات ظاهرة فقط، بل بطريقة الطيران نفسها، فكل سرب يتحرك بإيقاع متقارب، بينما يبدو الطائر الغريب أقل انسجامًا مع المجموعة، وهو ما يجعله يلفت انتباه المربي قبل أن يهبط.
سرب من الحمام يحلق فوق حضير أبو وفيق في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
من البيضة إلى أول طيران
لا يبدأ اهتمام الحميماتي عندما يصبح الفرخ قادرًا على الطيران، وإنما منذ لحظة خروج البيضة.
يشرح رفيق أن الفرخ يحتاج إلى نحو أسبوعين حتى يقف على قدميه ويبدأ الريش بالنمو، ثم يبقى تحت رعاية أبويه قرابة ثلاثة أسابيع قبل أن يخرج من الحضير ويبدأ بتناول الطعام بنفسه.
ومع خروج الفراخ الأولى، تكون الأنثى قد بدأت دورة إنتاج جديدة، فتضع بيضًا آخر، بينما يتفرغ الأبوان لإطعام الصغار الجدد.
أما أول رحلة طيران، فتأتي بعد نحو شهر من الفقس، عندما تكون الأجنحة قد اكتملت بما يكفي لحمل الطائر في الهواء.
لكن الطيران، بالنسبة إليه، لا يعني انتهاء التربية، فالفرخ يحتاج بعد ذلك إلى التدريب، وإلى الاعتياد على أوقات الخروج والعودة، حتى يصبح جزءًا من السرب.
يقول: “إذا عودته يطلع العصر، بيتعود. وإذا عودته يطلع كل النهار، كمان بيتعود”.
ويعتبر رفيق أن الانتظام في التدريب هو ما يجعل الحمام يعرف موعد خروجه وعودته، ويحافظ على ارتباطه بالحضير.
سلالات تناقلها المربون
لا يقتصر عالم الحمام في داريا على البلدي، بل يضم أسماء يتداولها المربون المحليون منذ عقود، تختلف باختلاف اللون أو شكل الريش أو طريقة الطيران.
ويذكر رفيق أن أكثر السلالات حضورًا بين الهواة اليوم هي المطاويق، والبُلق، والمحاريف، والمساويد بحمر، والشكالي بحمر.
وتعد هذه تسميات محلية متداولة بين مربي الحمام في دمشق وريفها، وقد تختلف دلالاتها من منطقة إلى أخرى، لكنها تشير عمومًا إلى سلالات أو خطوط إنتاج يميزها المربون بحسب اللون أو شكل الجسم أو خصائص الطيران.
فالمطاويق تعرف غالبًا بوجود طوق أو شريط لوني يحيط بالرقبة، بينما يطلق اسم البُلق على الحمام الذي يجمع بين اللونين الأبيض والملون بنسب مختلفة.
أما الشكالي والمحاريف والمساويد بحمر، فهي أسماء يستخدمها الحميماتية لوصف خطوط محلية حافظت على صفاتها عبر الانتخاب والتزاوج بين المربين، أكثر من كونها سلالات مسجلة عالميًا.
ويشير رفيق إلى أن هذه السلالات أصبحت مرتفعة الثمن، ويقول إن أسعار بعض الطيور المميزة تبدأ من نحو 500 دولار، وقد تصل إلى ألفي دولار للطير الواحد، بحسب السلالة وصفات الإنتاج والطيران.
لكنه يوضح أن الحمام الذي يربيه ليس من هذه الفئة المرتفعة الثمن. “أنا اللي عندي عاديات.. بحيث ما اطلع لعند حدا ولا أسأل، ولا حدا يسأل مني”، يقول رفيق.
حمام رفيق يتناول الحبوب على سطح منزله في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
“البذرة الشامية” غادرت
من أكثر ما يأسف له رفيق اختفاء ما يسميه “البذرة الشامية الأصلية”.
ويقصد بها خطوط الإنتاج المحلية التي كانت منتشرة بين مربي دمشق وريفها قبل سنوات الحرب، قبل أن يؤدي النزوح والتهجير إلى انتقال كثير من المربين وطيورهم إلى دول الجوار.
ويقول: “البذرة الشامية الأصلية كلها راحت على الأردن”.
ولا يقصد بذلك انقراضها، وإنما انتقال الجزء الأكبر منها إلى خارج سوريا، حيث استمر عدد من المربين السوريين في الحفاظ عليها وإنتاجها.
ويرى أن الهواة الذين بقوا في داريا يحاولون اليوم إعادة بناء هذه السلالات تدريجيًا، عبر شراء طيور من مربين آخرين والعمل على إنتاجها من جديد.
ليس كل حمام يهبط بسهولة
يشير رفيق إلى أن تربية الحمام لا تعتمد فقط على إطلاقه في السماء، بل على معرفة سلوكه بعد العودة.
ويقول إن بعض الطيور تهبط إلى الحضير مباشرة، بينما يحتاج بعضها الآخر إلى وقت أطول قبل أن يستقر.
ولهذا لا يتعامل مع جميع الحمام بالطريقة نفسها.
ويضيف أنه يتجنب الإمساك بالطيور كلها دفعة واحدة حتى لا تتعرض للإصابة أو تنكسر أجنحتها، بل يكتفي بإعادة الطيور التي يحتاج إليها، ويترك البقية حتى تهبط بهدوء.
أما الطيور التي يحتفظ بها للتربية، فقد يقص جزءًا من ريش جناحها مؤقتًا حتى لا تغادر المكان قبل أن تتأقلم، وهي ممارسة معروفة بين بعض مربي الحمام عند إدخال طيور جديدة إلى الحضير.
حمام رفيق يقف على حافة سطح منزله في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
قواعد لا يكتبها أحد
رغم أن الهواية تبدو بسيطة من الخارج، فإن لها، بحسب رفيق، أعرافًا يتفق عليها المربون من دون حاجة إلى قوانين مكتوبة.
أهم هذه الأعراف يتعلق بالحمامة التي تهبط في حضير أحد الجيران.
فإذا كان بين المربيين اتفاق مسبق، فإن من يمسك الحمامة يعيدها إلى صاحبها، أما إخفاؤها فيعد مخالفة للأعراف التي اعتادها الحميماتية.
ويقول: “إذا كمشلي طير بيعطيني ياه، وإذا كمشتله طير بعطيه ياه”.
ويضيف أن الخلاف يبدأ عندما يخفي أحدهم الحمامة وينكر وجودها.
“بيقلك والله ما كمشت غير واحد.. ليش عم تكذب علي، أنا بعرف وين راح الطير”، يشرح رفيق، مؤكدًا أن هذه الخلافات لا تدور حول قيمة الحمامة وحدها، بل حول الثقة بين المربين.
ومع ذلك، يحرص على التمييز بين المنافسة داخل الهواية والعلاقة الشخصية، موضحًا أن الحميماتية يزور بعضهم بعضًا باستمرار، ويتبادلون الأحاديث حول التربية والإنتاج، حتى لو اختلفوا لاحقًا على طائر هبط في المكان الخطأ.
“صحابي هني.. بفوت لعندن وبفوتوا لعندي، ومنضحك سوا”.
رفيق يكش حمامه فوق سطح منزله – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
العناية اليومية.. أكثر من إطلاق الحمام
رغم أن كثيرين يربطون تربية الحمام بإطلاقه في السماء ومراقبة تحليقه، فإن رفيق يرى أن الجزء الأكبر من الهواية يبدأ على الأرض.
فالتغذية، والنظافة، ومراقبة صحة الطيور، وتدريب الفراخ، كلها أعمال يومية لا تقل أهمية عن الطيران نفسه.
ويقول إن الفرخ يحتاج إلى عناية مختلفة في مراحله الأولى، إذ يعتمد في البداية على والديه، لكن على المربي أن يوفر الغذاء المناسب حتى يتمكن الأبوان من تغذيته جيدًا.
ويضيف أن أفضل الحبوب لهذه المرحلة تشمل الجلبانة، وهي البازلاء الجافة، والذرة الصفراء الصغيرة، وبذور العصفر، لأنها تساعد الفرخ على النمو واكتساب القوة.
وبعد أن يبدأ بالاعتماد على نفسه، يزداد تنوع الغذاء تدريجيًا، بينما يخصص الشعير للحمام البالغ الذي يخرج للطيران باستمرار، باعتباره غذاءً أخف، وفق خبرته.
ولا تتوقف العناية عند الطعام، فالحميماتي يراقب الطيور باستمرار لاكتشاف أي علامات مرض، مثل التهابات العين أو ضعف النشاط، ويستخدم عند الحاجة بعض الأدوية البيطرية المخصصة للحمام، مؤكدًا أن الوقاية اليومية تبقى أهم من العلاج.
وصفات شعبية وخبرة السنين
إلى جانب الأدوية البيطرية، يعتمد رفيق على خلطات غذائية يعدها بنفسه خلال فصل الصيف.
ويقول إنه يخلط الكركم والزنجبيل والكمون والثوم والبصل، ثم يضيفها إلى ماء الشرب.
ويرى أن هذه الخلطة تساعد على رفع مناعة الحمام في مواجهة الحر، خصوصًا خلال موسم التفريخ.
ولا توجد دراسات علمية كافية تثبت فعالية هذه الخلطات بالتركيبة التي يستخدمها، إلا أن استعمال بعض مكوناتها، مثل الثوم أو الكركم، شائع بين مربي الحمام وطيور الزينة في المنطقة باعتبارها مكملات غذائية تقليدية، بينما يوصي الأطباء البيطريون بالاعتماد أساسًا على التغذية المتوازنة، والنظافة، واللقاحات والأدوية البيطرية عند الحاجة.
أما بالنسبة إلى رفيق، فالأمر يعود إلى تجربة امتدت أكثر من أربعة عقود.
الحمام يعرف طريقه.. وصاحبه أيضًا
لا يغلق رفيق باب الحضير ليلًا أو نهارًا، فالحمام، كما يقول، اعتاد المكان حتى أصبح يعرف طريق العودة بنفسه.
ويضيف: “بقوم الصبح بلاقيهم كلهم منتشرين على الحيطان، بصفر عليهم.. بيفزوا كلهم”.
ويشرح أن تدريب الحمام يبدأ منذ الصغر، فبعض المربين يطلقون الفراخ لساعات محددة كل يوم حتى تعتاد العودة في موعد معين، بينما يتركها آخرون حرة معظم النهار، بحسب طبيعة الحضير والمنطقة.
ويؤكد أن الالتزام بالبرنامج اليومي يجعل الطيور أكثر استقرارًا وأقل عرضة للضياع.
رفيق يستمتع بشرب الشاي ومراقبة حمامه على سطح منزله في داريا – 1 تموز 2026 (عنب بلدي)
“شهادة الحميماتي”
من بين أكثر العبارات تداولًا في الموروث الشعبي الشامي، عبارة “شهادة الحميماتي غير مقبولة”.
وحين سألته عنب بلدي عنها، ابتسم رفيق قبل أن يروي قصة قديمة.
يقول إنه كان يومًا في المحكمة عندما طلب منه أحد الأشخاص أن يكون شاهدًا على عقد زواج، فاعتذر مازحًا بأنه “حميماتي”، مستعيدًا المثل الشعبي المعروف.
ويفسر أصل العبارة بقوله إن بعض مربي الحمام كانوا قديمًا ينكرون امتلاك حمامة هبطت عندهم أو يقسمون بأيمان مغلظة لإخفاء الحقيقة، حفاظًا على الطائر.
ويضيف: “بيقولك الحميماتي بيحلف بأمه وبأبوه وبأولاده مشان طير”.
لكن هذه العبارة تبقى مثلًا شعبيًا متداولًا، يعبر عن صورة نمطية قديمة ارتبطت ببعض مربي الحمام، ولا تعني أن شهادتهم القانونية أو الاجتماعية موضع شك، بل تستخدم على سبيل الدعابة أو المبالغة الشعبية.
“سوسة” بقيت في داريا
خلال السنوات الماضية تغيرت أشياء كثيرة في داريا، لكن حضائر الحمام بقيت حاضرة فوق عدد من الأسطح.
بعضها عاد مع أصحاب المنازل بعد سنوات التهجير، وبعضها أعيد بناؤه تدريجيًا، بينما يحاول مربون مثل رفيق الحفاظ على هواية توارثوها عن آبائهم وأجدادهم.
وبالنسبة إليه، لا تختصر تربية الحمام في البيع أو الشراء، ولا في قيمة الطيور النادرة، بل في الساعات التي يقضيها كل صباح إلى جوارها.
“بحب اطلع الصبح، أقعد ساعتين حدهم، أشرب فنجان القهوة.. وبكشهم”.
وبينما تواصل الأسراب التحليق فوق سماء داريا، يبقى هذا المشهد بالنسبة إلى أصحاب “السوسة” جزءًا من حياة يومية اعتادوا عليها منذ عقود، أكثر منه استعراضًا للطيران أو منافسة بين المربين.