من التفريز إلى القطرميزات.. المونة الصيفية في داريا تتراجع إلى الحد الأدنى

خضروات مخصصة للمونة الصيفية معروضة للبيع في أحد محال الخضار بمدينة داريا - 9 تموز 2026 (عنب بلدي - نغم لحام)

لم تعد المونة الصيفية في داريا كما كانت في السنوات الماضية، إذ دفعت تكاليف المعيشة المرتفعة وانقطاع الكهرباء كثيرًا من الأسر إلى تقليص الكميات التي اعتادت تخزينها، أو التخلي عن بعض الأصناف بالكامل.

ولا يقتصر التغيير على نوعية المونة أو كمياتها، بل امتد إلى طرق الحفظ وسلوك الشراء نفسه، إذ باتت بعض الأسر تفضل شراء احتياجاتها تباعًا بدل تخزينها لموسم الشتاء، في وقت يؤكد فيه باعة خضار وسكان أن الإقبال على شراء كميات كبيرة تراجع بصورة ملحوظة مقارنة بالسنوات السابقة.

الغلاء يقلص كميات المونة

كانت المونة وسيلة تعتمد عليها عائلات في داريا لتخفيف نفقات الشتاء، عبر شراء الخضار والفواكه في موسمها بأسعار أقل من أسعارها لاحقًا، لكن ارتفاع التكاليف حول تحضيرها إلى عبء يحتاج إلى مبلغ يصعب تأمينه دفعة واحدة.

تقول رابحة غزال لعنب بلدي إنها لم تتمكن حتى الآن من إعداد المونة هذا العام، رغم أن أسرتها كانت تخزن سابقًا أصنافًا مثل البازلاء والكوسا وورق العنب.

وترتبط صعوبة إعداد المونة، بحسب رابحة، بارتفاع التكاليف واعتماد الأسرة على دخل ابنها، المعيل الوحيد لستة أطفال.

ومع أنها ترى أن المونة تبقى أوفر من شراء الخضار خارج موسمها، فإن تأمين كلفتها لم يعد متاحًا دائمًا.

وتضيف: “كلو موجود، وقت يكون معنا بنجيب، وما معنا ما بنجيب، والحمد لله على كل حال”.

ولا يختلف الحال كثيرًا لدى فضيلة مكية، التي استغنت خلال العامين الماضيين عن أصناف كانت تعدها سابقًا، مثل الزيتون، بسبب ارتفاع التكلفة، وقلصت كمية المكدوس إلى “قطرميزين بس مشان نقضي شهوتنا”.

كما لم تعد قادرة على تموين الفول والبازلاء، رغم أن شراءهما في الشتاء أكثر صعوبة بسبب ارتفاع السعر، إذ قد تصل تكلفة الطبخة مع باقي المكونات إلى نحو 200 ألف ليرة سورية.

الكهرباء تغير طرق الحفظ

لم يكن ارتفاع الأسعار العامل الوحيد الذي غير شكل المونة في داريا، إذ أدى استمرار انقطاع الكهرباء إلى تراجع الاعتماد على الأصناف التي تحتاج إلى التجميد، مثل الفول والبازلاء والفاصولياء الخضراء، خوفًا من تلفها داخل المجمدات.

تقول علا الكوز لعنب بلدي إن أسرتها توقفت عن تخزين الفول والبازلاء لهذا السبب، واتجهت إلى حفظ ورق العنب في القطرميزات بدل وضعه في البراد، بعدما أصبح تشغيل الفريزر بشكل مستمر غير ممكن.

وأصبحت خسارة المونة احتمالًا قائمًا لدى بعض الأسر، خاصة مع الانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي.

وتروي فضيلة مكية أنها خسرت مرتين كميات كبيرة من الخضار التي خزنتها بعد عودتها إلى داريا، بعدما فسدت داخل الفريزر نتيجة انقطاع الكهرباء.

وتضيف: “التلاجة كانت مليانة وكلو راح للكب يا حرام”.

تراجع الإقبال في الأسواق

انعكس هذا التحول أيضًا على حركة البيع في أسواق الخضار، إذ يؤكد باعة أن موسم المونة لم يعد يشهد الإقبال الذي كان يعرفه سابقًا.

قال بائع الخضار أبو أنور كعدان لعنب بلدي إن شراء كميات كبيرة للمونة تراجع بشكل واضح مقارنة بالسنوات الماضية، موضحًا أن هذا التراجع بدأ قبل سقوط نظام الأسد واستمر بعد عودة قسم من الأهالي إلى المدينة.

وأضاف أن من لا يزال يعد المونة يشتري كميات أقل بكثير مما كان يشتريه سابقًا.

وأشار إلى أن بعض الأصناف ما تزال تحافظ على جزء من الطلب، مثل الملوخية والبامية وورق العنب، بينما انخفض الإقبال بصورة كبيرة على خضار التفريز، وعلى رأسها الفول والبازلاء.

وبحسب ما يسمعه من الزبائن، فإن ارتفاع الأسعار واستمرار انقطاع الكهرباء هما السببان الأكثر تكرارًا وراء هذا التراجع.

وقال: “الناس ما عادت مونت متل قبل، ولا حتى الربع، بعد ما كانت تشتري كميات تكفي موسم كامل”.

مونة بكميات أقل

رغم هذا التراجع، لم تختف المونة من بيوت داريا بالكامل، إذ ما تزال بعض العائلات تحرص على إعداد أصناف محددة بحسب إمكاناتها، مع تقليص الكميات أو الاستغناء عن المواد الأعلى تكلفة أو الأكثر عرضة للتلف.

وبينما كانت المونة في السابق تعتمد على تخزين كميات كبيرة تكفي أشهرًا، أصبحت اليوم لدى كثير من الأسر محصورة بما تسمح به القدرة الشرائية، وما يمكن حفظه في ظل واقع الكهرباء.

ومع ارتفاع الأسعار وخطر تلف المواد داخل المجمدات، تفقد المونة جزءًا من دورها كوسيلة أساسية لتأمين احتياجات الشتاء، وتبقى لدى عائلات في داريا عادة مستمرة، لكن بكميات أقل وخيارات أضيق.

مقالات ذات صلة

خريجون في داريا يبحثون عن عمل باختصاصاتهم.. فرص محدودة والخبرة شرط

حفر الشوارع تزيد تكاليف صيانة السيارات في داريا.. سكان يخففون مشاويرهم

عمال المياومة في داريا.. مقترحات لمراكز انتظار وتنظيم التواصل مع طالبي العمل