أمام باب منزله في حارة الصخرة، أو “زقاق الصخرة” كما يعرفها أهل داريا، أحد الأحياء القديمة وسط المدينة، يجلس الشيخ محمد صنديحة على كنبة صغيرة مقابل أحواض من الزريعة، المكان الذي يحب أن يبدأ فيه صباحه.
هذا الجلوس هو جزء من يوم الشيخ الذي بلغ الخامسة والثمانين. يخرج صباحًا إلى أمام المنزل، يمر الناس فيسلمون عليه، ثم يدخل إلى البيت عند الظهر، ليعود عصرًا إلى الجلسة نفسها حتى غياب الشمس.
حول المنزل تنتشر محال أبنائه، الذين يطلون عليه بين وقت وآخر للاطمئنان، بينما أثقل العمر صحته قليلًا، من دون أن يغيّب حضوره في ذاكرة المكان وأهله.
من هذا الزقاق القديم، حيث أجرت عنب بلدي مقابلتها معه، يستعيد صنديحة داريا التي عرفها منذ طفولته: بلدة صغيرة تحيط بها بساتين العنب، وتقوم بيوتها على الطين والتبن، قبل أن يدخل الإسمنت والكهرباء والعمل الخيري المنظم إلى تفاصيل حياتها.
في أربعينيات القرن الماضي لم تكن داريا في ريف دمشق سوى تجمع سكني صغير، تحيط به بساتين العنب من جهاته، وتتراص بيوته المبنية من الطين والتبن في مساحة محدودة.
في ذلك الفضاء الريفي، ولد محمد بن إسماعيل صنديحة عام 1941، الذي عرف في محيطه بكنية “أبو إسماعيل”، ليعيش مسيرة جمعت بين الفلاحة، والعمل الدعوي، والإصلاح الاجتماعي، والعمل الخيري.
وخلال مقابلة عنب بلدي معه لم تظهر سيرته كحكاية فردية لرجل جمع بين الأرض والمنبر فقط، بل نافذة على تحولات داريا الاجتماعية والعمرانية والخدمية، من زمن البيوت الطينية وفانوس “الكاز”، إلى دخول الكهرباء، ومن العلاقات الأهلية المباشرة إلى نشوء أولى صور العمل الخيري المؤسساتي في البلدة.
الشيخ محمد صنديحة أمام باب منزله في داريا – حزيران 2026 (عنب بلدي)
مسؤولية مبكرة ودَين كبير
بدأت مسؤوليات محمد صنديحة مبكرًا بعد وفاة والده في سن الصبا، إذ وجد نفسه أمام أعباء عائلة غاب معيلها، فتولى رعاية والدته وإخوته والعمل على تأمين ما يعينهم على العيش.
تمسك صنديحة بأرضه وفلاحته لتأمين احتياجات الأسرة، ولم يتجه إلى المهن الصناعية كالنجارة التي بدأت تدخل إلى داريا في ستينيات القرن الماضي.
كان يستيقظ باكرًا ليحلب بقرة العائلة الوحيدة، ثم يقود حماره محملًا بالحليب إلى أسواق دمشق، مثل “القنوات” و”باب السريجة”، ليبيعه هناك.
وحين يستعيد تلك المرحلة، يختصر الشيخ حجم التعب الذي عاشه بعبارة قالها لعنب بلدي: “عملت في كل شي، خليها لله”.
لم يكن بيع الحليب مجرد مصدر رزق يومي، بل ارتبط أيضًا بدَين “بدل الخدمة العسكرية” الذي بلغ 605 ليرات سورية، وهو مبلغ كبير في ذلك الوقت، اقترضه من “الحلاب” في دمشق (أي تاجر الحليب الذي كان يتعامل معه) لتجنب الذهاب إلى الخلدمة الإلزامية في الجيش، التي كانت تمتد حينها ثلاث سنوات.
وبحسب روايته، صار يوفي الدين حليبًا يومًا بعد يوم، حتى سدد القرض كاملًا، وحافظ في الوقت نفسه على بقرة العائلة التي كانت تمثل عصب معيشتها.
داريا قبل الإسمنت
تعود ذاكرة الشيخ صنديحة إلى داريا قبل المد العمراني، حين كانت البيوت تبنى من الطين والتبن، وترفع أسقفها على أعمدة خشبية، في زمن لم تكن فيه البلدة تعرف “الباطون”، أي الخرسانة أو الإسمنت المسلح كما عرف لاحقًا في البناء الحديث.
كانت البيوت السكنية تتألف من غرف عدة، وممر شبه مفتوح بين غرفتين يسمى “صوفا”، وتطل الغرف كلها على “أرض ديار”، أي الفناء الداخلي للمنزل.
وكان هذا النمط العمراني محصورًا في الحارات القديمة القريبة من الجامع الكبير، وحارة المسيحية، وحارة الخولاني، والحارة القبلية. أما المناطق التي صارت اليوم مأهولة بالأبنية السكنية والتجارية والصناعية، مثل طريق “الفصول الأربعة” وطريق “جديدة”، فكانت في ذلك الزمن بساتين ومزارع ممتدة، لا ترتفع فيها غرفة واحدة، بحسب وصفه.
في تلك البيئة، اعتمد الفلاحون على الدواب في نقل محاصيلهم. أما الطبخ فكان يقوم على نار الحطب، أو على “الببور” العامل بـ”الكاز”، إذ لم يكن الغاز معروفًا أو منتشرًا في البيوت.
ويتذكر الشيخ أن رفيقه الأستاذ إسماعيل دقو اشتكى له يومًا من ضيق راتبه، فسأله الشيخ: هل تنفق راتبك على الغاز؟ فتعجب دقو من السؤال، مؤكدًا أنه لا يعرف الغاز أصلًا، حينها.
وبحسب رواية صنديحة، عاصرت داريا تبدلًا خدميًا مهمًا مع دخول الكهرباء إليها عام 1954، فبدأت البلدة تطوي تدريجيًا مرحلة فانوس “الكاز” ودخانه الأسود.
وكانت الكهرباء في بداياتها مستقرة، لقلة الضغط واقتصار استخدامها غالبًا على الإنارة.
في تلك المرحلة، كان جابي الكهرباء يطوف على المنازل لقراءة “العداد”، أو “ساعة الكهرباء”، وتحصيل الثمن نقدًا، ومن كان يعجز عن السداد، كان الجابي يضرب له موعدًا في مكان آخر من البلدة ليتسلم منه المال في اليوم التالي.
اقتصاد الكروم وحساب “المتعيش”
ارتبط اقتصاد داريا التاريخي بالأرض، وتحديدًا بموسم العنب، الذي يعد المحصول الرئيس والأصيل للبلدة، وكانت كل أرض مزروعة بالعنب تسمى “كرمًا”، نسبة إلى كرمة العنب.
وإلى جانب العنب، زرع الفلاحون أطراف كرومهم بأشجار التوت، والجوز، والدراق، والزيتون، لتأمين جزء من احتياجات العائلة.
كانت حركة التجارة تعتمد على إرسال المحصول إلى أسواق دمشق. وفي نهاية كل عام، كان الفلاح يذهب إلى السمسار المحلي، المعروف في الوسط الفلاحي وفي السوق باسم “المتعيش”، وهو الذي يتسلم المحاصيل ويبيعها في سوق الهال، ليأخذ منه الحساب السنوي.
وبحسب الشيخ، كان المبلغ الذي يدير به الفلاح شؤون عيشه طوال العام يقدر بنحو ألفي ليرة سورية، بينما يصل الحساب في المواسم الوفيرة جدًا إلى خمسة آلاف ليرة كحد أقصى.
من مدرسة داريا الأولى إلى التوجيه الإسلامي
بدأ محمد صنديحة تعليمه الأولي في مدرسة “داريا الأولى”، المعروفة أيضًا باسم مدرسة الخطيب لقربها من بيوت عائلة الخطيب، والتي سميت لاحقًا مدرسة “معن بن زائدة”. وفيها أتم المرحلة الابتدائية.
لكن مسيرته المعرفية والدينية أخذت مسارًا مختلفًا عن كثير من أبناء جيله، فلم يلتحق بالمدارس الإعدادية في دمشق، بل ذهب إليها لتلقي العلوم الشرعية.
بدأ دراسته في جامع “تنكز”، الواقع في حي السنجقدار وسط دمشق القديمة، ثم انتقل في عام 1956، بعد صدور قرار بدمج المعاهد والمدارس الشرعية، إلى مدرسة “التوجيه الإسلامي” التي أسسها الشيخ حسن حبنكة، ونال منها شهادة “الكفاءة الشرعية” وهو في السابعة عشرة من عمره.
كانت الرحلة اليومية إلى دمشق شاقة، في زمن لم تكن داريا تضم تعليمًا إعداديًا أو ثانويًا، وكان الطلاب يتجمعون لينزلوا معًا إلى العاصمة، ثم يتفرقون كل إلى مدرسته.
ولم تسمح ظروف الحياة القاسية والمسؤوليات العائلية المبكرة لصنديحة بمتابعة التعليم الجامعي، فاكتفى بـ”الكفاءة”، ثم اتجه إلى التعليم الذاتي والاجتهاد الخاص، حتى برز لاحقًا في الخطابة والإرشاد الديني والإصلاح الاجتماعي.
على منابر داريا
في عام 1968، صعد الشيخ محمد صنديحة المنبر خطيبًا لأول مرة في جامع “أنس بن مالك”، الذي كان بناؤه قد اكتمل حديثًا، وتولى فيه إدارة الشؤون الدعوية.
وبعد خلاف مع رئيس شعبة الأوقاف، صدر قرار بعزله ونقله إلى جامع “حزقيل”، ثم انتقل إلى جامع “أبو سليمان”، حيث استقر خطيبًا نحو ست سنوات، قبل أن يتنقل بين جامع “عمر بن الخطاب” وجامع “الخولاني”.
وشهدت بعض مساجد داريا في تلك المرحلة نظامًا دعويًا خاصًا يقوم على التناوب في خطبة الجمعة بين عدد من خطباء البلدة، هم الشيخ محمد صنديحة، والأستاذ إسماعيل دقو، والأستاذ محمد العبار.
وكان كل واحد منهم ينتقل دوريًا من مسجد إلى آخر كل جمعة، ما أتاح للخطيب حضورًا اجتماعيًا أوسع بين الأهالي، وربط المنابر بأحياء مختلفة داخل البلدة.
وإلى جانب المنبر، حضر دور الشيخ الإرشادي في المناسبات الاجتماعية والأعراس، وكان بعضها يقام في غرف ضيقة لا تتسع لأكثر من 15 شخصًا.
وكان الأهالي يستدعونه بقولهم: “يلا يا شيخ صنديحة إلى الإرشاد”، فيلقي موعظته، ويحظى بإكرام خاص، إذ كان بعضهم يحرص على زيادة حصته من حلوى “الملبس” التقليدية الموزعة في تلك المجالس.
الشيخ محمد صنديحة (عنب بلدي – أرشيف أبناء الشيخ)
“المشايخ للزواج والطلاق”
قدم الشيخ صنديحة، في حديثه، قراءة واقعية لطبيعة العلاقة التي ربطت مجتمع داريا بالمشايخ. فهي، بحسب وصفه، علاقة بسيطة وبعيدة عن التكلف والمبالغة.
ويختصر الشيخ تلك النظرة المحلية بقوله: “المشايخ محطوطين للزواج والطلاق فقط”، في إشارة إلى أن الناس كانوا يقصدون الشيخ غالبًا عند الحاجة إلى عقد نكاح أو معالجة قضية أسرية أو سؤال فقهي يمس حياتهم اليومية.
ويقول صنديحة إن ثقافة التبرك والتبجيل المبالغ فيه، التي كانت تظهر في بعض الحواضر، لم تكن حاضرة في داريا بالطريقة نفسها.
ففي الوقت الذي كان يرى فيه بعض أهالي دمشق يسيرون خلف المشايخ ويقبلون أيديهم، كانت هذه المظاهر غائبة تقريبًا في داريا، حيث كانت العلاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتوقير الطبيعي، من دون مظاهر مبالغ فيها.
1974.. ولادة الجمعية الخيرية
في عام 1974، بدأت فكرة العمل الأهلي المنظم في داريا عبر تأسيس الجمعية الخيرية.
ويعرّف الشيخ محمد صنديحة عن نفسه بأنه أحد مؤسسيها، ويروي أن الشرارة الأولى للفكرة خرجت من “صالون الحلاقة”، حين طرح أحد الحاضرين سؤالًا عليه: “لماذا لا نؤسس جمعية خيرية في البلدة على غرار جمعيات الشام؟”.
تلقف صنديحة الفكرة، وعرضها على أصدقائه، لتتشكل نواة التأسيس الأولى وكان من بينهم الشيخ محمد صنديحة، وعبد الرحيم الشربجي، وعبد الأكرم السقا.
ذهب المؤسسون إلى الشام (العاصمة دمشق) للاطلاع على تجارب جمعيات قائمة مثل “جمعية النهضة”، والتدرب على آليات الإدارة.
في البداية كانوا يظنون أن هذا النوع من العمل يتبع لوزارة الأوقاف، قبل أن يكتشفوا أنه يتبع لوزارة الشؤون الاجتماعية والعمل، فاستصدروا الترخيص الرسمي وفق نظام انتخابي لمجلس الإدارة.
تركز عمل الجمعية على كفالة الأيتام ومساعدة الفقراء حينها، وكان من مشاريعها اللاحقة بناء “المجمع الخيري” المؤلف من خمسة طوابق، والذي يقوم الآن قرب جامع الخولاني، ويقع فيها مقر الجمعية الحالي.
اعتمد تمويل الجمعية على اشتراكات الأعضاء البسيطة، وكانت قيمة الاشتراك حينها ليرتين سوريتين، وعلى تبرعات التجار، إلى جانب حصول الجمعية على ترخيص رسمي يتيح لها جمع التبرعات من جوامع البلدة كلها مرة واحدة في الشهر، بعد خطبة وصلاة الجمعة.
وبرز في هذا السياق اسم “أبو حسين اللحام”، الذي يذكره الشيخ بوصفه متبرعًا سخيًا، قدم مبالغ مالية كبيرة أسهمت في تحقيق توازن مالي وإنجاح مشاريع الجمعية.
وكان بناء الثقة مع المانحين، بحسب شهادة صنديحة، يعتمد على أمانة القائمين على الجمعية و”نظافة كفهم”، في زمن لم تكن فيه عمليات التوزيع توثق بالصور كما يحدث الآن في كثير من المؤسسات.
لكن الجمعية واجهت هزة قوية، تمثلت بانسحاب كثير من المشتركين خوفًا من التبعات الأمنية، بعد رواج شائعات تتهم القائمين عليها بتبعيتهم لجماعة “الإخوان المسلمين”.
كما واجهت محاولات من بعض الشخصيات الثرية لفرض سيطرتها على الجمعية، وهي محاولات يقول صنديحة إنه واجهها بحزم، حفاظًا على استقلال الجمعية ونظامها الانتخابي حتى خروجهم من البلدة.
الصلح والوجاهة
لم يقتصر حضور الشيخ محمد صنديحة على المنبر والعمل الخيري، بل امتد إلى فض النزاعات وإصلاح ذات البين، وهي مهمة كان يقودها تاريخيًا وجهاء البلدة الذين يسميهم “العشرة الكبار”.
كان الشيخ يتحرك بسيارة صديقه وأحد وجهاء المدينة “اسماعيل الشربجي (أبو هشام)” لإنهاء قضايا الطلاق، أو حل الخلافات في مجالس الصلح المعقودة عند المخاتير وفي مضافات الوجهاء.
ومن الحوادث التي يذكرها تدخله لنزع فتيل أزمة كادت تتحول إلى فتنة طائفية، إثر شجار عنيف وقع بين عائلة “السقا” من المسلمين وعائلة “اللحام” من المسيحيين.
وحين اجتمع المحافظ والقيادات الأمنية ووجهاء البلدة لتهدئة الشارع، كانت مداخلة الشيخ، بحسب روايته، قائمة على ضرورة فهم الأزمة ضمن حجمها الحقيقي. قال للمسؤولين والوجهاء: “هذه مشكلة بين عائلتين بمفردهما ولا تربطوها بالدين”.
وبرر موقفه بأن أطراف الخصومة من الجانبين لم يكونوا، بحسب وصفه، من ذوي التدين أو الالتزام ليُعدوا ممثلين للمسيحية أو الإسلام، بل كان الأمر شجارًا بين “جهلة”، نادى بعضهم “يا مسلمين”، فتضخم الأمر واستدعى قدوم كتيبة من الجيش لضبط الأمن.
وانتهى الملف حينها بحصر الأضرار ودفع التعويضات للمسيحيين المتضررين.
وفي حديثه عن الفوارق الاجتماعية داخل داريا، أشار صنديحة إلى موروثات قديمة كانت تُتداول بين بعض الأهالي، مثل قولهم: “القبالى لا يعطون الشمالى، والشمالى لا يعطون القبالى”، أي لا يزوجونهم.
لكنه يؤكد أن هذه الأقوال كانت عابرة، ولم تؤثر في عمق العلاقات بين الأهالي، حتى تلاشت مع مرور الزمن.
من اليسار إسماعيل خشفة الدكتور سليم أسد الشيخ محمد صنديحة الدكتور مأمون أسد وفي الخلف يظهر الدكتور حسام أسد على اليسار – (عنب بلدي – أرشيف أبناء الشيخ محمد صنديحة)
الشيخ محمد صنديحة مع الشيخ شمس الدين خولاني – (عنب بلدي – أرشيف أبناء الشيخ محمد صنديحة)
أسماء في ذاكرة الشيخ
تستعيد ذاكرة الشيخ صنديحة أسماء جيل من العلماء والوجهاء الذين أدوا أدوارًا في إدارة شؤون داريا الاجتماعية والدينية.
في مقدمة هؤلاء يذكر الشيخ عبد اللطيف الأحمر، الذي يصفه بالعالم القادم من بلدة “التل” لتعليم الناس شؤون دينهم، قبل أن يستقر مرجعية في الجامع الكبير.
ويذكر أيضًا الشيخ نور الدين الحمدوني، الذي يصفه بالمرجع الديني والداراني الأصيل، وكان مقر نشاطه العلمي في جامع العباس. كما يستحضر عبد المجيد الخطيب، خطيب الجامع الكبير الذي عُرف، بحسب رواية الشيخ، بكثرة غيابه.
ومن الأسماء التي يذكرها كذلك الشيخ طالب حلمي، وهو الكاتب الذي كان يصوغ العرائض والطلبات الرسمية الموجهة إلى دوائر الدولة مقابل أجر، لمساعدة الأهالي في معاملاتهم، إضافة إلى صديقه الشخصي طالب الناموس.
كما يورد أسماء “أبو عزات الزعاويط” و”جودت الشربجي (أبو عزات)”، بوصفهما من كبار وجهاء البلدة القائمين على شؤونها.
ويستذكر أيضًا الأستاذ محمد المشمش، والأستاذين محمد العبار وإسماعيل دقو، اللذين يصفهما بالمربيين الفاضلين، لما تركاه في نفسه من أثر بأخلاقهما وسلوكهما.
طرائف من العمل الأهلي
إلى جانب الوقائع الجدية، تحفظ ذاكرة الشيخ صنديحة مواقف طريفة تكشف جانبًا من طبائع الناس في بدايات العمل الأهلي.
من هذه الطرائف قصة “مشروع النصف فرنك”، الذي لم يكتب له النجاح. فقد اقترح الشيخ في شبابه، مع رفاقه خالد شحادة ومحمد السقا، زيادة نصف فرنك على أجرة حافلات داريا، على أن يذهب المبلغ لصالح مشاريع البلدة.
وبحسب روايته، أفشل البعثيون في البلدة المشروع، لكن المعترضين أنفسهم عادوا لاحقًا ليؤسسوا “مشروع الفرنك”، الذي استمر سنوات عدة.
ويروي أيضًا قصة رجل شبهه بـ”الزمبرك” لشدة حركته ونشاطه في جمع أموال الجمعية الخيرية.
كان ذلك الرجل يطوف على أقاربه يوم الخميس، يحثهم على الدفع لصالح الجمعية، ثم يضع المبالغ في منديل أو “محرمة” أثناء جمع التبرعات بعد صلاة الجمعة، متفاخرًا بأن حصيلته هي الأكبر، مع أنه جمعها من آخرين مسبقًا.
ومن الطرائف التي يرويها صنديحة قصة نذر مالي تعهد به رجل للجمعية الخيرية إذا تحقق أمر يخصه.
وحين ذهب أحد وجهاء الجمعية إلى بيت ذلك الرجل ليستعير “المسحاة”، وهي مجرفة لتسوية الأرض الزراعية، استقبلته الزوجة قائلة: “ادخل إلى البايكة وخذها”، و”البايكة” هنا تسمية محلية لموضع أو غرفة تحفظ فيها الأدوات، ثم نادته وسلمته مبلغ النذر، قائلة إن أمر زوجها قد تحقق.
وعندما عاد الرجل صاحب النذر إلى منزله، أخبرته زوجته بما فعلت، قائلة إن فلانًا جاء فأعطته مبلغ النذر. فانتفض الزوج قائلًا: “لقد سلمته المبلغ بيدي للجمعية!”.
تبين لاحقًا أن الزوجة أخرجت النذر من مالها دون علم زوجها، وأن الزوج دفعه بنفسه دون علمها، فقبضت الجمعية المبلغ مرتين.
وحين علم عضو الجمعية بالواقعة وعاد إلى الرجل ليستشيره في إعادة المال الزائد، غضب الرجل، وكان يحمل عصاه دائمًا بيده، وقال له: “أكسر العصا عليك! اذهب، لقد أخذتهم الجمعية وانتهى الأمر”، ليبقى المبلغ مضاعفًا في صندوق الخير.
ذاكرة رجل ومدينة
لم تكن جلسة عنب بلدي مع الشيخ محمد صنديحة كافية لاستعادة كل ما تختزنه ذاكرته عن داريا، ولا كان من الممكن إطالة اللقاء كثيرًا مع رجل بلغ الخامسة والثمانين وأثقل العمر صحته.
ومع ذلك، تفتح شهادة الشيخ صنديحة نافذة واسعة على جانب من تاريخ داريا الاجتماعي والأهلي، وفي سيرته، لا تظهر داريا كمدينة تغير عمرانها فقط، بل كذاكرة مجتمع تبدلت أدواته وعلاقاته وطرق تنظيمه لنفسه.
صورة تجمع عددًا من خطباء مدينة داريا عام 2007: نبيل الأحمر، شمس الدين خولاني، محمد صنديحة، حسين سليم أسد، رضوان الزردة، رياض شحادة، جمال نايلة، ابو فارس جمال الدين، فياض وهبة، هشام شهاب، تحسين زيادة، عبد الحفيظ خولاني، أبو مظهر خشفة، مازن حلمي (من أرشيف أبناء الشيخ محمد صنديحة)