احتفظ شارع تجاري في جديدة عرطوز البلد باسم «سوق الديارنة»، رغم عودة عدد كبير من أبناء داريا الذين أسسوا معظم بسطاته بعد نزوحهم من مدينتهم عام 2012.
لم تأتِ التسمية بقرار رسمي، ولم يبدأ المكان مشروعًا تجاريًا مخططًا له، بحسب إفادات من سكان وعاملين في السوق لعنب بلدي، فقد كان المكان، الواقع داخل حارة شهد، يضم سوقًا صغيرًا مؤلفًا من صفين من المحلات، إلى جانب مساكن ومتفرقة متفرقة، قبل أن تنتشر فيه بسطات أقامها نازحون من داريا.
ومع تزايد أعداد العاملين، تنوعت المهن والسلع المعروضة، ثم تحولت بسطات إلى محلات واتسعت الحركة التجارية، حتى أصبح المكان سوقًا معروفًا باسم «سوق الديارنة».
ومع مرور السنوات وتغير تركيبة العاملين فيه، تراجعت نسبة أبناء داريا في الجديدة، لكن الاسم الذي ارتبط بحضورهم بقي مستخدمًا لتحديد المكان والدلالة عليه.
قبل 2012.. سوق صغير وحركة محدودة
تؤكد إفادات سكان في جديدة عرطوز وأبناء داريا ممن عاصروا تلك المرحلة أن المكان لم يكن سوقًا بشكله الحالي قبل عام 2012.
كان السوق صغيرًا، ويقع داخل حارة شهد، ويتألف من صفين من المحلات، قبل أن تبدأ البسطات بالانتشار ويتوسع النشاط التجاري فيه مع وصول أبناء داريا.
وقال محمد الشيخ محمد، المعروف بـ«أبو خالد»، وهو من سكان جديدة عرطوز، إن المنطقة كانت تضم محلات ومساكن عادية، ثم بدأت تتوسع تجاريًا «محل ورا محل».
ويتذكر هشام حميدي، من سكان البلدة وصاحب «عصرونية أم القرى»، أن النشاط التجاري كان محدودًا، وقال لعنب بلدي: «ما كان في سوق، كان الشغل خفيف».
وتختلف ذاكرة الشهود بشأن التسمية المستخدمة قبل توسع السوق. إذ يذكر خالد يحيى، وهو من أبناء داريا وصاحب بسطة للخضراوات، وجود «سوبر ماركت شهد» ضمن المحلات القديمة، بينما يقول صياح البلشة، المعروف بـ«أبو سارية»، وهو من أبناء داريا وصاحب محل لبيع الفروج، إن المكان كان يُعرف باسم «سوق شهد».
ويروي عبدو حيدر، وهو من أبناء داريا ويعمل في بيع الخضراوات، أن اسم «سوق شهد» سبق استخدام تسمية «سوق الديارنة»، قبل أن يطغى الاسم الجديد مع توسع حضور أبناء داريا في المكان.
بسطات لتأمين المعيشة
بدأ التحول الأبرز مع وصول نازحين من داريا إلى جديدة عرطوز البلد خلال عام 2012، ولم تكن لدى كثير منهم القدرة على افتتاح محلات مباشرة، فبدأوا العمل من بسطات صغيرة انتشرت على جانبي الطريق، حول السوق الصغير القائم داخل حارة شهد.
أحمد الحو، المعروف بـ«أبو سمير»، وهو من أبناء داريا وصاحب محل لبيع الخضراوات والفواكه، كان من بين الذين بدأوا العمل في المنطقة مع موجة النزوح الأولى.
بدأ الحو ببسطة في الشارع لبيع البسكويت، ثم انتقل إلى بيع الملابس المستعملة المعروفة محليًا باسم «البالة»، وبعدها عمل في الخضراوات، قبل أن ينتقل لاحقًا من البسطة إلى محل.
ويتذكر خالد يحيى أن المنطقة لم تكن تضم حينها محلات كثيرة لبيع الخضراوات، لكن عدد العاملين ازداد تدريجيًا، وانتشرت البسطات على جانبي الطريق.
وبحسب صياح البلشة، حاول النازحون في تلك المرحلة العمل بما كان متاحًا لهم لتأمين معيشتهم. أما عبدو حيدر، فقال إن البسطات ظهرت واحدة بعد أخرى عقب خروج الأهالي من داريا، ثم جذبت الحركة التجارية الجديدة عاملين من خارج المدينة افتتحوا بدورهم محلات وبسطات في المنطقة.
وتنوعت المهن والسلع المعروضة بين الخضراوات والفواكه والبسكويت والملابس المستعملة والأحذية والملابس والتبغ والألعاب ومستحضرات التجميل والإكسسوارات واللحوم والخضراوات.
كما غير بعض العاملين مهنهم أكثر من مرة بحسب العمل المتاح، قبل أن تنتقل أعمال عدة من البسطات إلى محلات ثابتة.
ومع زيادة أعداد الباعة والمتسوقين، توسع السوق تدريجيًا، ولم يعد مقتصرًا على صفي المحلات اللذين بدأ بهما.
«باب الحارة» يزيد حركة العابرين
إلى جانب انتشار البسطات، أثر باب أقامه أمن النظام السابق للفصل بين أهالي داريا وأهالي جديدة عرطوز في حركة العابرين داخل المنطقة، وفق شهادات سكان.
وقال فادي المصري، من سكان جديدة عرطوز، إن وجود الباب جعل مرور الأهالي من المنطقة مرتبطًا بالوصول إلى خدمات وأماكن أخرى، منها المخبز، ما زاد حركة الناس وشجع أبناء داريا على إقامة بسطاتهم هناك.
ويذكر «أبو خالد» أن المنطقة أُغلقت من إحدى الجهات، وأطلق السكان على نقطة العبور تسمية «باب الحارة».
وبحسب الإفادات، كان الباب يُغلق خلال فترة من الفترات عند الساعة العاشرة ليلًا، قبل أن يُزال لاحقًا.
وكان السوق الصغير يتشكل داخل حارة شهد، ثم توسع مع تزايد أعداد البسطات والعاملين من أبناء داريا.
لكن السوق، وفق الإفادات، لم يصنعه الباب وحده، إذ كان وصول الناس وبدء العمل بالبسطات التحول الأبرز في نموه.
اسم شعبي يتغلب على «شهد»
لم يحدد أي من الشهود شخصًا بعينه أطلق اسم «سوق الديارنة»، كما لا تشير إفاداتهم إلى وجود قرار إداري اعتمد التسمية.
انتشر الاسم شفهيًا مع ارتفاع عدد أبناء داريا العاملين في المكان، ثم استقر في الاستخدام اليومي.
ويقدّر أنور رهواني، المعروف بـ«أبو النور»، وهو بائع خضراوات من أبناء داريا، أن أبناء المدينة شكلوا نحو 70% من العاملين في السوق خلال سنواته الأولى.
ويقدم عبدو حيدر تقديرًا مقاربًا، إذ يقول إن أبناء داريا كانوا يشكلون نحو ثلاثة أرباع العاملين في تلك المرحلة.
وتبقى هذه النسب تقديرات شخصية للشاهدين، في غياب إحصاءات عن أعداد العاملين أو مناطق قدومهم.
ويربط خالد يحيى انتشار التسمية بكثرة أبناء داريا الذين عملوا في المكان، موضحًا أن اسم «سوق الديارنة» تحول مع الوقت إلى عنوان معروف يستخدمه السكان والمتسوقون القادمون من مناطق أخرى للوصول إليه.
وهكذا لم يعد الاسم وصفًا لهوية مجموعة من الباعة فقط، بل أصبح دالًا على المكان نفسه، بمن فيه من عاملين ومتسوقين، سواء كانوا من داريا أم من خارجها.
عاد كثيرون وبقي الاسم
تغيرت تركيبة السوق بعد عودة عدد من أبناء داريا إلى مدينتهم. ويقدّر «أبو النور» أن نسبتهم بين العاملين في السوق انخفضت اليوم إلى ما بين 10 و15%، مقارنة بحضورهم الأكبر خلال سنوات النزوح.
كما يقول إن نحو 80% ممن يعرفهم يرغبون في العودة إلى داريا بعد إصلاح منازلهم، وهي أيضًا نسبة تقديرية تستند إلى دائرة معارفه، وليست إحصاءً عامًا لأصحاب المحلات أو النازحين.
ومع عودة قسم من أصحاب البسطات الأوائل، لم تعد تسمية السوق معهم، فما زال سكان جديدة عرطوز والمترددون إلى المنطقة يستخدمون اسم «سوق الديارنة»، بعد أن انفصل تدريجيًا عن نسبة أبناء داريا العاملين فيه.
بقي الاسم بذلك أثرًا مكانيًا لمرحلة بدأت عام 2012، حين أقام نازحون بسطات صغيرة حول سوق محدود داخل حارة شهد، وتكاثرت البسطات، وتغيرت مهن العاملين فيها، ثم تحولت أعمال كثيرة إلى محلات، بينما واصل السوق نشاطه باسم الذين منحوه أول حركة تجارية واسعة، حتى بعد عودة كثير منهم إلى مدينتهم.