ضحايا وناجون في داريا: العدالة الانتقالية لا تعني المحاسبة وحدها بل السكن والتعليم والدعم النفسي

طرح ناجون وذوو ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان في داريا مطالب تتعلق بكشف مصير المفقودين، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وتعويض المتضررين، وتأمين السكن والتعليم والدعم النفسي، خلال جلسة حول العدالة الانتقالية وحقوق الإنسان عقدت في المركز الثقافي بمدينة داريا، الخميس 18 حزيران.

وتضمنت الجلسة محاور حول تمكين الضحايا والناجين، والدعم النفسي والاجتماعي، والاستماع إلى تطلعات المجتمع المحلي، بهدف نقل هذه الاحتياجات إلى الجهات الرسمية والوزارات المعنية.

وأظهرت مداخلات المشاركين أن مفهوم العدالة الانتقالية بالنسبة إلى كثير من المتضررين لا يقتصر على المحاسبة القضائية، بل يرتبط أيضًا بالحقوق المعيشية والاجتماعية التي تمس حياتهم اليومية بعد سنوات من الانتهاكات والنزوح والفقدان.

العدالة تبدأ من معرفة المصير

تربط نبيلة هنادي العدالة الانتقالية أولًا بمعرفة مصير زوجها المفقود، لكنها ترى في الوقت نفسه أن احتياجات العائلات المتضررة لا تتوقف عند المحاسبة.

تعيش نبيلة مع أطفالها في منزل مستأجر بعد فقدان زوجها، بينما اضطر أبناؤها إلى ترك الدراسة والعمل للمساهمة في تأمين مصروف الأسرة وإيجار المنزل.

كان أحد أبنائها يدرس في معهد للسياحة والفندقة في ضاحية قدسيا، قبل أن يتوقف عن الدراسة بسبب صعوبة تأمين الإيجار، فيما ترك ابنها الآخر المدرسة وهو في الصف الثامن للعمل ومساعدة العائلة.

وتصف نبيلة ما عاشته الأسرة بقولها لعنب بلدي: “عشنا سنوات طويلة ولم نر شيئًا من حياتنا ولا من حياة أولادنا. أتمنى من المنظمات العاملة في مجال العدالة الانتقالية أن تعمل أيضًا على إعادة الإعمار”.

بالنسبة إليها، لا يمكن الحديث عن عدالة انتقالية من دون كشف مصير المفقودين ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

وتوضح: “زوجي مفقود، ولا أعرف أين هو، ولا أعرف إن كان حيًا أم ميتًا، ومن قتله إن كان قد قتل”.

ورغم شعورها بالفرح بعد سقوط النظام السابق، بقيت لديها مرارة الغياب، لأن زوجها لم يعد حتى اليوم.

وتتابع: “أريد أن أعرف من اعتقل زوجي، وأن يُحاسب ويُحاكم. زوجي كان شخصًا مسالمًا، لم يكن مع النظام ولا مع الثورة، ومع ذلك اعتقل ظلمًا”.

ناجون يربطون التعافي بالمحاسبة

ينظر محمود قدرة، وهو من أبناء داريا والناجين من مجزرة داريا الكبرى، إلى العدالة الانتقالية بوصفها جزءًا من مسار التعافي الذي بدأ بعد سقوط النظام السابق.

برأيه، منح رحيل النظام السوريين شعورًا أكبر بالأمان، لكنه لا يغني عن محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

ويقول لعنب بلدي: “تعافينا برحيل نظام الأسد، وتحقق ثلاثة أرباع الأمان للبلد، ونأمل أن يكون القادم أفضل”.

ما يؤلم محمود اليوم هو رؤية أشخاص يعتقد أنهم تورطوا في الجرائم والانتهاكات وما زالوا خارج المساءلة.

ويضيف: “أصبت خلال مجزرة داريا الكبرى وفقدت ساقي، وعندما أرى من تسببوا لنا بالأذى وما زالوا أحرارًا أشعر بالضيق”.

ولا يفصل محمود بين المحاسبة والدعم النفسي، إذ يرى أن آثار ما جرى ما تزال حاضرة لدى كثيرين، وأن التعويض المعنوي والمادي يجب أن يكون جزءًا من أي مسار للعدالة.

مطالب بالدعم إلى جانب العدالة

بالنسبة إلى أحمد أمين مرداش، تبدأ العدالة الانتقالية بمحاسبة المسؤولين عن الجرائم وإنصاف المعتقلين وذوي الضحايا، لكنها لا تنتهي عند هذا الحد.

يلمس مرداش آثار الحرب والانتهاكات من داخل حياته اليومية، إذ تزوج امرأة فقدت زوجها ولديها ثلاثة أطفال أيتام، ما جعله قريبًا من حجم التحديات التي تواجهها العائلات المتضررة.

ويعتقد أن هذه الأسر تحتاج إلى دعم حقيقي وحقوق واضحة، تشمل المساعدات والمشاريع الموجهة للشباب الذين تضررت حياتهم نفسيًا واجتماعيًا.

كما يرى أن آثار جرائم النظام السابق وما يصفهم بـ”الشبيحة” ما تزال حاضرة في ذاكرة السكان، وأن كثيرين يشعرون بالغضب عندما يلتقون بأشخاص يعتقدون أنهم ارتكبوا انتهاكات ولم يُحاسبوا بعد.

ويلخص مطلبه بالقول: “نريد أن يساعدنا المختصون في الحصول على حقوقنا، وأن تتم محاسبة المجرمين الذين ما زالوا طلقاء”.

التعلم من تجارب أخرى

وجدت نجود صفيحة، وهي مدخلة بيانات في الهيئة الوطنية للمفقودين، أن الجلسة أتاحت للمشاركين فهمًا أوسع لمفهوم العدالة الانتقالية وآلياتها، خاصة من خلال ما قدمته الناشطة الحقوقية آمنة خولاني.

وتناول النقاش، بحسب صفيحة، حقوق الضحايا وعدم التمييز بينهم، إلى جانب استعراض تجارب دول أخرى مثل البوسنة ورواندا.

وتقول: “أدركنا أننا لسنا الشعب الوحيد الذي تعرض لانتهاكات، فهناك شعوب أخرى مرت بتجارب مشابهة وتمكنت من تجاوزها”.

وتعتقد صفيحة أن الوصول إلى العدالة ليس أمرًا سهلًا أو سريعًا، لكنه ممكن إذا استمر الضغط على المستويين الوطني والدولي.

وتختم فكرتها بالقول: “نحن شعب واعٍ، وكثير منا عاش تجارب خارج سوريا وتعلم من تجارب أخرى، لذلك يجب أن نستمر بالمطالبة بالعدالة”.

ربط العدالة بالتنمية وإعادة البناء

يوضح فراس حمدوني، مدير برنامج في معهد DT وعضو مجلس إدارة مؤسسة “غلوبال هارموني”، أن الجلسة ركزت على تمكين الضحايا والناجين من انتهاكات حقوق الإنسان وتعزيز معرفتهم بحقوقهم.

وشمل النشاط جلسات حول العدالة الانتقالية والدعم النفسي والاجتماعي، إضافة إلى جلسة استماع هدفت إلى جمع تطلعات المجتمع المحلي ونقلها إلى المسؤولين والوزارات المعنية.

ويرى حمدوني أن هذه اللقاءات تكتسب أهمية خاصة في المرحلة الحالية التي تمر بها سوريا، لأن القرارات التي تُتخذ اليوم ستؤثر في حياة الناس لسنوات مقبلة.

ويقول: “نريد أن تؤخذ احتياجات الضحايا وذويهم والناجين والناجيات بعين الاعتبار عند تصميم البرامج الإنسانية والتنموية وبرامج بناء السلام”.

وتسعى المبادرة، وفق حمدوني، إلى ربط مسارات العدالة الانتقالية بالعمل الإنساني والتنموي، واستهدفت الجلسة أهالي داريا، بمن فيهم ذوو الشهداء والأشخاص الذين تعرضوا لانتهاكات مختلفة.

وتعد هذه الجلسة الأولى ضمن سلسلة لقاءات، على أن تعقد جلسة أخرى الأسبوع المقبل في المركز الثقافي بمدينة داريا، بهدف إيجاد مساحة حوار مباشرة بين المجتمع المحلي وممثلي اللجان الوطنية والوزارات المختلفة في الحكومة السورية.

مقالات ذات صلة

سيدات الريف.. بازار في داريا يفتح مساحة لمشاريع منزلية وحرفية

بعد جدل مجلس الشعب.. آراء متباينة في داريا حول ضرب الطلاب

شارع الخولاني يقترب من الإنجاز.. 80% من التزفيت انتهت