طقوس العيد في داريا.. المعمول يحافظ على حضوره رغم ارتفاع الأسعار

المعمول من حلويات العيد في داريا مع اقتراب عيد الفطر - 17 آذار 2026 (عنب بلدي - نداء كناكرية)

تدخل منازل داريا في آخر أيام رمضان مرحلة التحضير لعيد الفطر، وتعود معها حلويات العيد إلى الواجهة، وفي مقدمتها المعمول بوصفه واحدًا من أكثر الطقوس حضورًا في ذاكرة العائلات.

لكن هذا الحضور لم يعد يجري اليوم بالشكل نفسه الذي عرفته المدينة في سنوات سابقة، في ظل ارتفاع الأسعار الذي فرض على كثير من الأسر إعادة ترتيب استعداداتها، بين تقليص الكميات، أو شراء الجاهز، أو البحث عن حلول وسط تخفف الكلفة وتحافظ، قدر الإمكان، على شكل العادة.

ولا يرتبط المعمول في داريا بالضيافة فقط، بل يحضر كجزء من مشهد أوسع يرافق العشر الأواخر من رمضان، حين تنشغل العائلات بالتسوق، وتنظيف المنازل، والتحضير للعيد. وبين المعمول المحشو بالعجوة أو الجوز أو الفستق الحلبي، وأصناف أخرى مثل البرازق والغريبة، يتكرر طقس سنوي ظل لسنوات جزءًا من الاستعداد للعيد داخل البيوت، لا مجرد تفصيل غذائي أو استهلاكي.

طقس قديم بملامح جديدة

غير أن هذا الطقس تبدلت ملامحه تدريجيًا مع تغير الظروف المعيشية.

فالكميات التي كانت تعد في المنازل لم تعد على حالها، وأصبح التحضير نفسه خاضعًا لحسابات أكبر من السابق، سواء في نوع الحشوة، أو كمية العجين، أو عدد الأصناف التي يمكن للعائلة أن تؤمنها.

ولم يعد السؤال لدى كثير من الأسر يدور فقط حول الحفاظ على العادة، بل حول القدرة على الاستمرار بها أصلًا من دون أن تتحول إلى عبء إضافي في موسم ترتفع فيه النفقات بطبيعته.

كما أن التغير لم يقتصر على الكمية والكلفة، بل طال أجواء التحضير نفسها.

فالمشهد الذي كان يتكرر في سنوات سابقة، من اجتماع النساء، وتبادل الخبرات، وتقاسم المهام في إعداد المعمول، بات أضيق من قبل، مع ميل العائلات إلى التحضير المحدود أو السريع، أو الاكتفاء بجزء من الطقس بدل صورته الكاملة.

ومع ذلك، ما تزال هذه العادة تحتفظ بمكانتها داخل البيوت، لأن قيمتها لا تتصل بالطعم وحده، بل بما تخلقه من أجواء داخل المنزل، وما تمنحه للأطفال خصوصًا من إحساس بقرب العيد.

بين التمسك بالعادات وتقليص الكميات

وتعكس روايات الأهالي لعنب بلدي هذا التحول بوضوح.

هادية، وهي أم لابن وابنة، تستعيد أجواء كانت فيها العائلات تعد كميات كبيرة من المعمول وتخزن جزءًا منها لفترة لاحقة، حين كان التحضير أوسع حضورًا في البيوت.

ووفق السيدة، لم تعد هذه الكميات ممكنة اليوم كما كانت سابقًا، إذ تكتفي كثير من العائلات بصنع كيلو أو اثنين فقط بسبب ارتفاع الأسعار.

كما تسترجع تفاصيل أخرى من الذاكرة المرتبطة بهذه العادة، مثل كبر حجم أقراص المعمول قديمًا، واستخدام القوالب الخشبية التي منحت التحضير طابعًا تراثيًا أوضح.

وفي وصفها لأيام رمضان الأخيرة، تشير هادية إلى أن تلك الفترة كانت مناسبة للتسامر بين الجارات أثناء إعداد المعمول، حيث تتقاسمن العمل ويتبادلن النصائح والخبرة.

أما اليوم، فتبدو هذه الأجواء أقل اتساعًا، مع تقلص الكميات وارتفاع الكلفة. ومع ذلك، ما تزال ترى أن المعمول المصنوع في البيت يحتفظ ببهجة خاصة، لأن رائحته داخل المنزل تصنع شعورًا مختلفًا بحضور العيد، ولأن الأطفال يعيشون هذه الأجواء من خلال الانتظار والمراقبة والمشاركة في التفاصيل الصغيرة المحيطة بالتحضير.

هذا التراجع لا يأخذ شكلًا واحدًا بين العائلات، فبعضها ما يزال يحاول التمسك بالتحضير المنزلي، لكنه ينتهي إلى الاكتفاء بكمية محدودة لا تتجاوز كيلو أو اثنين، لأن الكلفة لم تعد تشجع على صنع كميات أكبر.

أما بعض العائلات فتتجه إلى شراء الجاهز لأسباب تتعلق بالصحة أو الوقت أو القدرة الجسدية، فيما تفرض ظروف المعيشة على أسر أخرى التخلي عن التحضير أصلًا، أو استبداله بخيارات أبسط للضيافة خلال العيد.

وتوضح تجربة السيدة أم عبد الله هذا الجانب من التحول، إذ تحاول كل عام خوض تجربة إعداد المعمول لما تضيفه من بهجة داخل البيت، لكنها تنتهي في العادة إلى شراء كمية محدودة فقط، لأن كلفة التحضير لا تبدو مجدية بالنسبة إليها.

أما سيدرا، ففضلت هذا العام شراء الجاهز بسبب حملها، مع محاولة إبقاء فرحة العيد حاضرة عند الأطفال بوسائل أخرى، مثل الملابس والألعاب.

وفي المقابل، يربط أبو شفيق تراجعه عن شراء مستلزمات المعمول أو الحلوى الجاهزة بضعف العمل خلال رمضان هذا العام، ما سيدفعه إلى الاكتفاء ببعض الفواكه والقهوة للضيافة.

كما يشير أبو وسيم إلى أن شح الغاز صعّب عليه إعداد المعمول في المنزل، وجعله أقرب إلى شراء كمية محدودة من السوق، أو تسليم المواد لأحد المحال ليعدها له مقابل أجر.

الأسعار تعيد تشكيل تحضيرات العيد

ويظهر هذا التبدل أيضًا في حركة السوق وأسعاره.

فبحسب رصد أجرته عنب بلدي في داريا الثلاثاء 17 من آذار، تراوح سعر كيلو المعمول الجاهز بين 50 ألفًا و300 ألف ليرة سورية، تبعًا لنوع الحشوة وجودة المواد المستخدمة، ولا سيما السمن العربي أو النباتي، فيما تراوح سعر كيلو البرازق بين 70 ألفًا و100 ألف ليرة سورية.

أما المواد الأساسية الداخلة في التحضير المنزلي، فقد بلغ سعر كيلو الطحين 6500 ليرة سورية، والسكر 6000 ليرة، فيما تبدأ أسعار السمن النباتي من 32 ألف ليرة للكيلو الواحد.

ووصل سعر كيلو العجوة إلى 15 ألف ليرة، بينما تبدأ أسعار الجوز من 89 ألف ليرة بحسب النوعية، ويبدأ سعر كيلو الفستق الحلبي من 290 ألف ليرة.

وفي ضوء هذه الأسعار، تبدو الفوارق بين التحضير المنزلي والشراء من السوق نسبية، إذ قد يكون صنع المعمول في البيت أقل كلفة في بعض الحالات، لكنه يبقى مرتفعًا قياسًا بدخل كثير من العائلات، خاصة عندما تتعدد النفقات في الفترة التي تسبق العيد.

وفي هذا السياق، تشير هادية إلى أنها أعدت هذا العام خمسة كيلوغرامات من المعمول بكلفة تقارب 50 ألف ليرة للكيلو الواحد، وهي كلفة تراها أقل من بعض أسعار السوق، لكنها لا تزال مرتفعة قياسًا بقدرة كثير من الأسر.

ولا يعني ذلك أن السوق بات بديلًا كاملًا عن البيت، بل إن العلاقة بينهما أصبحت أكثر تداخلًا من قبل، مع لجوء بعض العائلات إلى حلول تجمع بين الخيارين.


حلول وسط بين الجاهز والتحضير المنزلي

في السوق، لا يتجه الطلب في موسم العيد إلى شراء الحلويات الجاهزة فقط، بل يكشف أيضًا عن محاولات للتخفيف من الكلفة من دون التخلي الكامل عن أجواء التحضير في البيت.

ويوضح وائل جديان لعنب بلدي، وهو صاحب محل حلويات في داريا، أن بعض العائلات باتت تلجأ إلى خيارات وسط، مثل طلب عجينة المعمول جاهزة من المحل، ثم تولي تشكيلها وخبزها في المنزل.

ويعكس هذا النمط من الشراء تبدلًا في طريقة الاستعداد للعيد، إذ لم يعد الخيار محصورًا بين صنع كل شيء في البيت أو شراء كل شيء جاهزًا، بل ظهر حل يجمع بين الاثنين بحسب قدرة كل عائلة.

وبهذا، لا يختفي المعمول من بيوت داريا، بل يتغير شكل حضوره فيها. فبعض العائلات ما تزال تحرص على إبقاء جزء من الطقس المنزلي قائمًا، حتى وهي تستعين بالسوق في بعض المراحل لتخفيف الجهد أو الكلفة.

وبين الجاهز والتحضير المنزلي، تتشكل اليوم صيغ جديدة للاستعداد للعيد، تحافظ على جانب من العادة، لكن ضمن ظروف معيشية أضيق من السابق.

مقالات ذات صلة

عمال المياومة في داريا.. مقترحات لمراكز انتظار وتنظيم التواصل مع طالبي العمل

شكاوى من بنزين محطات داريا.. سائقون يتحدثون عن أعطال في سياراتهم

بعد أشهر من حذف الصفرين.. الناس في داريا يسعرون بالليرة القديمة ويدفعون بالجديدة